بقلم:زيد ابوزيد
إذا كان الحديث يدور الآن حول فشل اللقاء الثلاثي الذي
عقد بين بنيامين نتنياهو ومحمود عباس برعاية مباشرة من الرئيس باراك أوباما لإعادة
الحياة للعملية السلمية بين الفلسطينيين والصهاينة بسبب رفض نتنياهو الالتزام بوقف
الاستيطان، حتى لمدة عام لا يشمل القدس، فإن كامل مسيرة التسوية ضمن هذا النسق
المجزأ الذي أعاد القضية الفلسطينية خطوات عديدة إلى الوراء ، وفتت القضية إلى
قضايا عديدة بدأت بالتوافق على تفتيت الأرض، ثم تفتيت الشعب، وحتى تفتيت الهوية
أدخلت الأمة في طريق آلام طويل، وفي متاهة يصبح معها من الضروري طرح الحاجة إلى
انتفاضة جديدة للشعب الفلسطيني تعيد الأمور إلى نصابها، وتخرج الشعب الفلسطيني من
أزمته النضالية وتعيد توحيده على برنامج الخلاص الوطني الفلسطيني عبر المقاومة
والانتفاضة على هذا الواقع المر.
وبالحديث عن الانتفاضة، ومن وحي الانتفاضتين الأولى
والثانية للشعب الفلسطيني نقول أنَ لقد شكلت الانتفاضة ظاهرة عالمية لها تداعياتها
ليس فقط على منطقة الشرق الأوسط، ولكن على العالم بأسره، فالانتفاضة المنتظرة كما
سابقتيها سد منيع يعرقل برامج ومخططات الإدارة الأمريكية والصهيونية العالمية في
منطقة الشرق الأوسط، وهي أعاقت في الماضي المشروع الصهيوني المدعوم غربيا وأمريكيا
والذي يهدف استراتيجياً إلى التغلغل في المنطقة العربية والهيمنة عليها وتدمير
ثقافتها وقيمها، ويهدف تكتيكياً إلى محاصرة وترويض التيار السياسي المقاوم للمشروع
الصهيوني ويعمل على تقويض مخططات الإدارة الأمريكية وحلفائها، والتحرك الشعبي
الفلسطيني والعربي المأمول سيعيد دحر المشروع الصهيوني ورمزه المتعنتة، وسيعيد
التألق للنضال الوطني الفلسطيني الذي علته الاتربه بعد موجة التنازلات المخزية
التي بدأت بأوسلو وتوالت بعد ذلك دون توقف.
وفي الانتفاضة الماضية استنزف المحتل اقتصاديا وبشريا، وهذا
ما اضطره لأن يدفع ثمناً باهظاً جداً مقابل احتلاله لفلسطين، أما على الصعيد العالمي،فقد
كشفت الانتفاضة صورة الاحتلال الصهيوني وفضحت ممارساته الإجرامية، وفي نفس كشفت
العلاقة العضوية بينه الولايات المتحدة الأمريكية ، فالولايات المتحدة ليست فقط
منحازة إلى الكيان الصهيوني، وإنما وفرت له أيضاً التغطية السياسية والمعنوية
ليقوم بكل ممارساته الإجرامية واعتداءاته وطغيانه ضد شعبنا المضطهد، ووفرت له دعما
ماديا وعسكريا لتحقيق مصالحهما المشتركة، كيف لا والولايات المتحدة الأمريكية
تسيطر بشكل كامل على مجلس الأمن الدولي الذي يحتاج إلى الفك والتركيب بما يحقق
التوازن الدولي المطلوب، ويعيد العدالة المفقودة منذ تشكيله من منتصري الحرب
العالمية الثانية.
والدور العربي مطلوب دعماً لمطالب الزعيم الأممي معمر
القذافي في منح إفريقيا والتكتلات الأخرى ما تستحق من وزن أممي في المؤسسات
الدولية، كما هي المقاومة المطلبية الشعبية التي ستشكل أيضاً استنزاف بشري
واقتصادي للاحتلال، وستعطل برامج التسوية والتآمر الصهيوني والأمريكي على الأمة
التي تتم وللأسف الشديد في ظل جو من الرضا العربي الرسمي، وبصمت من المجتمع الدولي
المنساق تحت مظلة سيد مجلس الأمن المتغطرس والمسلح بالفيتو سيء الصيت.
وحيث أن الإدارة الأمريكية وحلفائها اتخذوا من العرب عدواً
لهم، فيفترض في المقابل أن تكون المقاومة وتقويض جهود الإدارة الأمريكية وحلفائها في
إبقاء السيطرة على مجلس الأمن لهم فقط هي القضية المركزية الأولى للعرب والمسلمين،
أما قضية فلسطين فهي جبهة الصراع الأكبر والأهم، وهي أقدم نقطة تماس واشتباك بين
الغرب والولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة من جهة وبين العرب والمسلمين من جهة
أخرى، ويجب التأكيد على أن الكيان الصهيوني ما هو إلا قاعدة عسكرية أمريكية تضم
مرتزقة صهاينة، لا تصل تكلفتها إلى تكلفة أصغر حاملة طائرات أمريكية في المحيطات،
وتهدف هذه القاعدة إلى تنفيذ مشروع صهيوني في قلب منطقة الشرق الأوسط لمنع نهضة الأمة.
أضف إلى ذلك أنه ليس لدى أي من الحكومات الصهيونية
المتعاقبة أي برنامج سلام، وإنما هم يملكون مشروع صهيوني كبير في المنطقة، ويتمثل
هذا المشروع في إقامة دولة عبرية على أرض فلسطين ثم الانطلاق إلى الهيمنة المطلقة
على المنطقة العربية، والسلام بالنسبة للمحتل هو مجرد مناورة لكسب الوقت، فالمشكلة
السكانية (الديموغرافية) هي من أعظم المعضلات التي تواجه المشروع الصهيوني، فتزايد
تعداد الفلسطينيين بطريقة ليس لها مثيل في العالم أرهب الصهاينة وأقلقهم لأنه يعرض
مستقبل المشروع الصهيوني إلى الفشل.
لذلك يرفض الصهاينة حق العودة بكافة الوسائل والتطرق، بل
يريدون تهجير البقية الباقية من الشعب الفلسطيني عبر عملية ترحيل مما يعطي الفرصة
للكيان الصهيوني لمزيد من السيطرة وتكريس الاحتلال، كما أنَ قادة الاحتلال يريدون
أن يتخذوا من التسوية السياسية مع السلطة الوطنية الفلسطينية جسرا للتطبيع مع
الدول العربية، وتوقيع الاتفاقات الاقتصادية لتنفيذ المخططات الصهيونية والأمريكية.
أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فالأطراف الفاعلة فيه والتي
لها تأثير على مجرى الأحداث في فلسطين هي تلك الدول التي تدعم المشروع الصهيوني في
فلسطين، فقد همش المجتمع الدولي قضية فلسطين ومعاناة الشعب الفلسطيني لعشرات
السنين، معطياً بذلك الفرصة للصهاينة لاحتلال ومصادرة المزيد من الأراضي
الفلسطينية وإقامة المستوطنات عليها، وتكوين رابع ترسانة نووية في العالم، وإمداد
الكيان الغاصب بالمهاجرين من شتى بقاع الأرض، وتقسيم وتهويد المناطق والمدن
الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين ، لذلك لا يمكن أن نعتمد على المجتمع الدولي في
تحقيق مشروع التحرير الفلسطيني، ولا يمكن أن نتقبل نصائح المجتمع الدولي فيما
يتعلق بإنهاء المقاومة، ومع هذا لا بد من التأكيد على أهمية كسب الرأي العام
العالمي لتأييد ودعم الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني وفي تأييد حقه في المقاومة
والدفاع عن أرضه وحقوقه، واستطلاعات السنة الماضية للرأي العام الأوروبي تؤكد أن
معظم الشعوب الحرة في العالم تعتبر أن الانتفاضة هي أكبر وأشرف مشروع تحرري عالمي
لمقاومة كيان يمثل أكبر خطر على أمن واستقرار العالم، وقد ارتبط هذا المشروع بمقاومة
العولمة الأمريكية، فلطالما رفع مناهضو العولمة العلم الفلسطيني أثناء تظاهراتهم
المناوئة للعولمة الأمريكية.
لقد أظهرت الحرب على غزة العزة الكيان الصهيوني لشعوب
العالم بصورته الحقيقية التي تمثل أكبر خطر على البشرية وعلى الاستقرار العالمي،
فكل شعوب العالم تشاهد الجرائم البشعة الوحشية التي يرتكبها الصهاينة في كل يوم ضد
أبناء الشعب الفلسطيني، وللخروج من مأزقهم هذا، يسعى الصهاينة إلى ربط المقاومة
الفلسطينية بالإرهاب(على حد تعبيرهم) ، ولذلك تتكرر محاولات الحكومات الصهيونية في
إيهام العالم أن هناك في غزة وجنوب لبنان تطرفاً، وهو ما أدى في بعض الأحيان إلى تعاطف
الكثير من الشعوب الأوروبية وغيرها وتقديم الدعم المادي والإعلامي والسياسي
والاجتماعي لهذا الكيان الغاصب.
لقد أكد الشعب الفلسطيني المؤمن التصميم على مواصلة
مقاومة الاحتلال حتى زواله وحتى التحرير، كما برهن الشعب المقاوم على وعيه وثباته
وعلى قدرته على أخذ العبر والاستفادة من الأخطاء السابقة في مسيرة النضال، فهو شعب
يؤمن بالله ويثق في نصره،وإنَ شعباً يتمتع بكل هذه الصفات لابد أن ينتصر ويحقق
أهدفه بإذن الله عز وجل.












