نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
صراع النفوذ في آسيا الوسطى

بقلم:زيد ابوزيد

 ليس صحيحاً بالمطلق القول أننا في العالم العربي مركز العالم الوحيد، ونقطة الاستهداف المنفردة، وموقع أطماع الغرب والشرق دون سوانا، فكثير من بلاد العالم تتعرض للاستهداف، طمعا في موقعها أو مقدراتها ومكامن أراضيها، ومن تلك المواقع تنال منطقة آسيا الوسطى اهتمام كبرى دول العالم بسبب ثرواتها المعدنية والنفطية الغنية،ووقوعها على خطوط إمدادات الغاز والنفط إلى أوروبا وما يمثله ذلك من خطر على الاقتصاد العالمي ، من هنا يتصاعد العنف في هذه الدول وتفتعل النزاعات ، وأبرز الأدلة على ذلك ما يحدث في أفغانستان حيث يتوالى سقوط الضحايا، ويتوالى سقوط الخسائر ومع ذلك تصر القوات الغربية على الاستمرار وزيادة القوات لأنها تعلم أن أفغانستان البلد المتوسط الموقع في آسيا الوسطى ذي أهمية كبرى يعكسه الصراع البارد والساخن في هذه المنطقة سعياً من  تلك الدول لنيل السيطرة الإستراتيجية على أسا الوسطى، فمنذ استقلال جمهوريات آسيا الوسطى عن الإتحاد السوفييتي تحاول الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة إثبات حضورها في المنطقة ،فقامت بتوقيع أكثر من إتفاقية للتعاون ناهيك عن الاتفاقيات العسكرية مع بعض دول آسيا الوسطى، لتتمكن من ترسيخ جذورها في هذا الجزء من العالم، إلا أنها لم تنجح في البحث عن الطريق المناسب للوصول إلى وسائل الطاقة.

وليس الولايات المتحدة الأمريكية فقط لها اهتمام بهذا الجزء من العالم، فالصين العملاق الآسيوي حملت عبر عقود هواجس عدم استقرار هذه المنطقة لتضمن أيضاً سلامة تأمين إمدادات الطاقة ، وهو ما دعاها الى إنشاء  مجموعة شنغهاي، بينها وبين الاتحاد الروسي وكازاخستان وطاجاكستان، وكان الرهان واضحاً: التفاوض حول المشاكل الحدوديّة الكامنة ، والنظر في المسائل الأمنيّة (محاربة الحركات الاستقلالية)، وشدّ أواصر العلاقات الاقتصادية.

وخلفية هذه الاتفاقية كانت خشية بكين من تزايد مطالب الأقليات، ومن فوران أحزاب الإيغور التي كانت تزدهر في الدول الجديدة المستقلّة المُتاخمة للحدود والتي كانت سابقاً جزء من الامبرطورية السوفيتية المنهارة، فقد كان ظاهراً تطور المطالب  الاجتماعية والدينية لهذه الدول المستقلة ، وكانت السلطات الصينية تنوي أن تنظّم الأمور بحيث تحمي اقتصادها وأمنها وحدودها،وساهمت دول مجموعة شنغهاي بذلك، من خلال حدّها من إمكانيّة لجوء نشطاء الأويغوريين الملاحَقين إلى أراضيها وتمهيد الأمور لتوقيع اتفاقيات ترسيم الحدود.

وفي العام 2001، تطورت "مجموعة شنغهاي" إلى "منظمة شنغهاي للتعاون" (OCS) بعد انضمام أوزبكستان إليها، والتحقت بها لاحقاً كلّ من منغوليا والهند وباكستان وإيران بصفة مراقبين، وتحت أهداف مشتركة للمتحالفين في هذه المنظمة لمحاربة التطرّف و الحركات الاستقلاليّة والإرهاب على حسب ما بين المتحالفين، حتّى إنّ باكستان التي استضافت خلال العقد المنصرم العديد من الشباب الأويغور للتدرّب في المدارس الدينية، قد أقفلت حدودها تقريباً في وجههم، ومثلما هي عليه الحال غالباً مع بكين، فإنّ المصالح الأمنية والاقتصادية لا تتباعد أبداً. فشينجيانغ تقع عند ملتقى خطوط مرور النفط والغاز الطبيعيّ الآتييْن بشكلٍ خاصّ من روسيا وتركمانستان وكازاخستان، وقد تضاعفت المبادلات التجارية بين الإقليم وتلك الدول الحدوديّة من آسيا الوسطى، بمعدّل ستّ أضعافٍ تقريباً بين العامين 1992 و2006، مما يدلّ هذا على الأهمّية الإستراتيجية للإقليم، حيث ركّزت السلطات الصينية في الواقع على طرق المواصلات (الطرقات، السكك الحديدية، المطارات) حتّى عبر "مساعدة" الجمهوريات الناشئة.

يوضح تانغ لي جيو، عالم الاقتصاد المستقلّ أنّ "إقليم شينجيانغ يتوسّط منطقةٍ تضمّ حوالي 2.8 مليار نسمة. عليه الاستفادة من هذا الوضع"، فهي تشمل أيضاً الاتحاد الروسي والهند، بشكلٍ خاصّ، لوجود أسواقٌ هائلة يجب غزوها، وجوارٌ ثقافيّ يجب تقييمه، بالنسبة إلى قسمٍ كبير من الدول الحدوديّة،  و خلال الفترة الممتدة من نهاية عام 1998م وحتى الآن، سمع العالم كما لم يسمع من قبل بمنطقة آسيا الوسطى، وبمرور الأعوام أصبحت أبعاد الصراع في آسيا الوسطى أكثر عمقاً، وأصبحت امتداداته أكثر اتساعاً إضافة إلى أن القوى المتصارعة في هذه المنطقة أصبحت أكثر تنوعاً، لجهة السيطرة والنفوذ على المصالح التي أصبحت بدورها أكثر حيويةً.

وآسيا الوسطى مهمة إلى درجة أن كتب الخبراء الإستراتيجيون كثيراً عن مزاياها باعتبارها تمثل المتغير الجيو- سياسي اللازم الذي يمثل مفتاح السيطرة على العالم، لأن من يتمركز في آسيا الوسطى سيتيح لنفسه إطلالة أكثر سهولة وأقل تكلفة باتجاه العمق الحيوي الروسي باتجاه الشمال، والعمق الحيوي الصيني باتجاه الجنوب الشرقي، والعمق الحيوي لشبه القارة الهندية باتجاه الجنوب، والعمق الحيوي الإيراني باتجاه الجنوب الغربي، والعمق الحيوي لكامل منطقة بحر قزوين باتجاه الغرب، وهي مناطق تشكل مطمعاً هائلاً للولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة عليها وممارسة النفوذ فيها، لأنَ في السيطرة على موارد آسيا الوسطى إمكانية كبيرة للتحكم في إمدادات النفط والغاز والمعادن والموارد الزراعية إلى روسيا والصين وشبه القارة الهندية ودول الاتحاد الأوروبي، كما وأنَ في السيطرة على ممرات آسيا الوسطى هيمنة وتحكم من الطرف المسيطر على الممرات البرية والجوية التي تربط بين شبه القارة الهندية، وروسيا والصين، وغير ذلك من الطرق والممرات التي تتيح ضبط التفاعلات والعلاقات البينية التي تربط بين الأقاليم المحيطة بمنطقة آسيا الوسطى.

ومنطقة آسيا الوسطى بهذه الصورة تصبح مكاناً خصباً للصراع بسبب الموقع المعقد ، فالصراع هناك يدور على أساس اعتبارات وجود نوعين من القوى المتورطة في الصراع ، فإقليمياً تقف إيران و تركيا و الهند و باكستان على أهبة الاستعداد للتدخل في أي صراع ينشأ في المنطقة وهو ما يحدث الآن، ودولياً فلا سبيل أمام القوى الكبرى العظمى  كالولايات المتحدة وروسيا والصين إلى ترك هذه المنطقة في فراغ سياسي وعسكري وأمني مع ملاحظة أن فرنسا قوة كبرى ظلت تركز على التعامل مع ملف آسيا الوسطى عن طريق الاتحاد الأوروبي وهو ما دعا الاتحاد السوفيتي إلى التدخل في السابق في أفغانستان وروسيا الآن لا يعجبها التدخل الأمريكي على مقربة من أراضيها.

ولكن برغم محاولات الولايات المتحدة الأخيرة الهادفة إلى إعادة إشعال الخلافات بين روسيا والصين ومحاولة توظيف الخلافات الصينية والروسية على غرار توظيف هذه الخلافات خلال فترة الحرب الباردة السابقة فإن التعاون على خط موسكو – بكين قد قطع شوطاً كبيراً في تجاوز خلافات الماضي، عندما نجح التوافق الروسي – الصيني في بناء منظمة تعاون شنغهاي ذات الطبيعة الاقتصادية – السياسية – العسكرية – الأمنية، والتي تقول التحليلات أنها ستلعب دوراً كبيراً في حفظ توازن القوى الكبرى، كما وأنها ستقوم بدور الموازن الذي يقف في الجانب الشرقي في مواجهة حلف الناتو الذي يقف في الجانب الغربي.

وحالياً، استطاعت منظمة تعاون شنغهاي النجاح في ضم دول آسيا الوسطى الخمسة إلى عضويتها بالإضافة إلى روسيا والصين، ومنغوليا مع إعطاء إيران وباكستان والهند صفة "مراقب". وبسبب جهود المنظمة فقد قررت أوزبكستان عدم تجديد اتفاقيات استمرار وجود القوات الأمريكية في أراضيها ، وتقول التوقعات أن النفوذ الأمريكي كان يمكن أن يتمدد بقدر أكبر في آسيا الوسطى لو استمرت إدارة بوش في تطبيق مخططات إدارة كلينتون القائمة على تقديم المعونات وتوجيه الاستثمارات وبناء الروابط التجارية والاقتصادية ولكن إدارة بوش لجأت إلى استخدام الوسائل المدنية – العسكرية في محاولة فرض السيطرة على دول  آسيا الوسطى كمحاولة إشعال الثورات و محاولة ابتزاز دول آسيا الوسطى عن طريق الربط بين تقديم المعونات وبناء الروابط وبين مدى تقديم دول آسيا الوسطى للتسهيلات الأمنية والعسكرية لأمريكا، واحتلال أفغانستان والعراق وتداعياتها على الأوضاع في باكستان أدت مجتمعة إلى تشويه مصداقية واشنطن السياسية في آسيا الوسطى وغير ذلك، الأمر الذي أدى إلى إغضاب الأنظمة الحاكمة فيها وحد من علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وحالياً، من الصعب على إدارة أوباما إعادة إنتاج مفاعيل جهود إدارة بوش لأن تاريخ شعوب بلدان آسيا الوسطى قد مضى قدماً، و لم تعد ترغب في أي وجود أمريكي في أراضيها إضافة إلى أن أنظمة آسيا الوسطى أصبحت أكثر شكاً إزاء أجندة واشنطن الحقيقية وما زاد مخاوف دول آسيا الوسطى تزايد وجود الجماعات اليهودية التي أعاد الكيان الصهيوني  تصديرها إلى هذه المنطقة الحساسة، ومحاولتها استخدام يهود طاجيكستان وكازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان في محاولة النفاذ والتغلغل داخل الهياكل المؤسسية الرسمية وهو أمر انتبهت إليه هذه الدول وعلى وجه الخصوص عندما تبين أن هذه الأقليات اليهودية قد شاركت بقدر كبير في تفعيل وتمويل حركات الاحتجاج المدني التي اندلعت وحاولت إشعال الثورات الملونة في آسيا الوسطى على غرار الثورة البرتقالية الأوكرانية والثورة الوردية الجورجية التي قادها ساخاشفيلي الذي يحمل جنسيتين أمريكية وجورجية.

ويرى محللون أن دخول القوات الأميركية وحلف الشمال الأطلسي "الناتو" إلى أفغانستان كان يهدف إلى تهيئة الطريق المناسب للوصول إلى جمهوريات آسيا الوسطى ، إلا أنه في ظل الظروف المتطورة بدأ الروس والصينيون يشعرون بنفوذ الأميركيين ، الأمر الذي جعل روسيا تستعد لتستعيد كامل قواها بينما تقدم الصين المساعدة الممكنة في هذا الشأن ، فسرعان ما تسابقت روسيا لتبرم اتفاقية عسكرية مع قيرغيزستان وقعها الرئيس دمتري مدفيدف من الجانب الروسي ومن الجانب القيرغيزي الرئيس كرمان بك باكييف في العاصمة بيشكيك ليتم زيادة عدد القوات الروسية في قيرغيزستان ونفوذها العسكري في منطقة آسيا الوسطى، وهو دليل قطعي أن الروس لن يسمحوا للولايات المتحدة بأخذ الحرية في المنطقة.

وبدأ يتضح من خلال الأوضاع في أفغانستان و أوضاع دول آسيا الوسطى في ظل الاتفاقيات الحالية والتنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا على  إقامة القواعد العسكرية أن هناك ثمة شيء يتسبب وراء كل ما يحدث، فمنطقة "آسيا الوسطى" غنية بالنفط والغاز أما أفغانستان فهي الطريق الذهبي لتصدير ذلك النفط ، وكل طرف سواء كان الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة أو دول حلف الشمال الأطلسي يكافح من أجل أن يسير على المنطقة بأكملها.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية