أفكار هاييك ونظرياته حول اقتصاد السوق ، صارت معروفة ، وتمارس تأثيرها على كل الحكومات ، ابتداء من حكومة بريطانيا ، لكن هاييك لا يقدر ، من بين رؤساء الدول ، غير تاتشر ، والتي وحدها ليبرالية حقيقية ، في نظره .
إذن من المفضل التطرق إلى الجانب الخفي من أعماله ، وهو يشكو من أن أعماله لم تقرأ إلى نهايتها، وهذا صحيح، كثيرون لا يعرفون عنه إلا أنه منظر اقتصاد السوق ، لكنه ليس هذا فقط ، إن له في الديمقراطية آراء ، عرضها في كتابه " النظام السياسي لشعب حر" الذي نشره منذ بضع سنوات .
ما موضوع هذا الكتاب ؟ نقد قاس للديمقراطية ، يقول هاييك ، الديمقراطية صارت فيتيش ، آخر التابوهات ، التي حولها ممنوع الكلام والسؤال ، لكن سوء أداء الديمقراطية ، جعل الحكومات الحديثة غازية ، والليبراليون ، غالباً ، غير منسجمين مع أنفسهم ، يشكون من هيمنة الدولة ، دون السؤال عن الآليات التي تقود إلى ذلك .
بالنسبة له أزمة المجتمعات الديمقراطية ، تأتي من أن الكلمات فقدت معناها ، في الأصل ، في الديمقراطية ، سلاطين الدولة ، على خلاف ما يحدث في الملكيات ، كانت محددة بواسطة الدستور والأعراف ، لكنه يرى أنه جرى الانحراف ، تدريجياً ، نحو ديمقراطية لا حدود لها ، هكذا حكومة ما ، يمكنها منذئذ عمل كل شيء بحجة أنها أغلبية ، الأغلبية حلت محل القانون ، والقانون نفسه فقد معناه ، مبدأ كلي في الأصل ، لم يعد اليوم غير قاعدة متغيرة ، تستهدف خدمة المصالح الخاصة ، باسم العدالة الاجتماعيـــة .
هكذا المصالح الخاصة التي استحوذت على الديمقراطية ، ليست مصالح الرأسمالية ، وإنما المصالح التي تستهدف عدالة اجتماعية ، وهذا ما يثير غضب هاييك .
لكن العدالة ، يواصل هاييك ، وهم ، عصا سحرية ، لا أحد يعرف ما هي ، بفضل هذا المصطلح المائع ، كل جماعة تعتقد من حقها مطالبة الحكومة بميزات خاصة ، في الواقع ، يقول هاييك وراء العدالة الاجتماعية ، هناك انتظار الميزات ، الذي زرعه في عقول الناس ، سخاء بعض المشرعين نحو بعض الجماعات ، هكذا الحكومات صارت مؤسسات إحسان ، وفي مواجهة ابتزازات المصالح المنظمة ، رجال السياسة ، يتنازلون إرادياً - بقدر ما أن توزيع الخيرات يسمح بشراء الأنصار ، لكن هذا التوزيع يكون في صالح جماعات معزولة ، بينما تكاليفه تحمل على مجموع دافعي الضرائب ، هكذا ينشأ شعور ، عند كل واحد ، بأن الأمر يتعلق بإنفاق الآخرين ، هذا الاختلال بين الفوائد الظاهرة ، والتكاليف الخفية ، يصنع الدوامة ، التي تدفع الحكومات إلى الإنفاق أكثر ، ودائما، من أجل الحفاظ على أغلبيتها السياسية .
في هذا النظام ، يقول هاييك ، الذي يصر على تسميته ديمقراطية ، رجل السياسة لم يعد ممثل المصلحة العامة ، لقد صار مدير صندوق تجاري، الرأي العام هو سوق ، فيه الأحزاب تحاول الحصول على الحد الأقصى من الأصوات ، بواسطة توزيع الهبات .
على كل حال ، يواصل هاييك ، الأحزاب الحديثة ، صارت تعرف منذئذ بواسطة الميزات التي تعد بها ، وليس بواسطة المبادئ التي تدافع عنها ، البرهان على هذا ، أنه في المسائل الأساسية ، مثل عقوبة الإعدام ، الإجهاض ، الموت الرحيم ، أعضاء الأحزاب ، بشكل عام لا يخضعون لنظام تصويت حزبي .
هكذا وفق هاييك ، هذا يعني أن الديمقراطية صارت لا أخلاقية ، وغير عادلة وأنها تتجه نحو الشمولية - التوتاليتارية - المواطنون ، في المجتمعات الغربية ، توقفوا عن كونهم مستقلين ، أنهم كما لو إنهم مسطولين ، صاروا يعتمدون على صدقات الدولة .
وهاييك يضيف : هذا الانحراف في الديمقراطية ، يقود في نهاية المطاف إلى الفقر العام ، وإلى البطالة ، لأن الموارد المتوفرة من أجل إنتاج الثروة سوف تتقلص حتماً .
هذا التحليل ، اقتصاديا، يقود إلى إلغاء المساعدات التي تقدمها الدولة ، وإلى تقليص إنفاقها ، لكن هذا غير ممكن ما ظلت الديمقراطية على ما هي عليه .
إذن هل يجب التخلي عن الديمقراطيــة ؟
وبماذا نستبدلها ؟
الديمارشي : يثوبيا بديلة ! > >
بالطبع من الصعب جداً ، أن هاييك يذهب في جرأته إلى حد المطالبة بالتخلي عن الديمقراطية ، كما فعل قبله باريتو ، الذي رأى الناس لا يستحقون حتى حق الاقتراع ، لهذا كان عليه اختراع ديمقراطية أكثر طواعية ، واستقلالاً عن صناديق الاقتراع ، إنها الديمارشي .
الديمقراطية انحرفت ، يقول هاييك ، لأننا خلطنا ، كما كان يخشاه توكفيل ، مثال الديمقراطية مع طغيان الأغلبية ، ولأننا نؤمن بالمثل الأساسية للديمقراطية - الاقتراع العام ، سيادة القانون - فإننا نشعر بأننا مضطرون للدفاع عن مؤسسات معينة ، والتي ينظر إليها ، خطأ ، على أنها ترجمة عينية للمثل الديمقراطية ، ماذا يقترح ؟ يجب إعادة العثور على المثال الديمقراطي، هذا ما يجب تخيله .
هاييك يقترح منظمة جديدة ، تحد من سلطان الحكومة ، وهذا ما يدعوه ديمارشي DEMARCHIC، لكن لا يمكن الحد من سلطان الحكومة ، دون الحد من تأثير صناديق الاقتراع على الحكومة ، وهذا هو الهدف المقصود في تفكير هاييك ، المطلوب إذن ديمقراطية لا تخضع لصناديق الاقتراع ، هذا لا يعني إلغاء الاقتراع ، لكن جعله قليل الفاعلية قدر الإمكــان .
الديمارشي ، يقول هاييك ، هذا المصطلح الجديد ، يسمح بالحفاظ على المثال بدون استخدام مصطلح أفسده استغلال طويل الأمد .
الديمارشي ستكون مؤسسة على نمطين من المعايير ، القانون الذي يعبر عن السلوك الدائم للمجتمع ، وقرارات الحكومة التي تنظم وتدير الشؤون الجارية .
هذان المعياران يجب إعدادهما من قبل مجلسين مختلفين تماماً .
المجلس الأول ، مجلس تشريعي ، يضمن الحقوق الأساسية ، يتكون من رجال ونساء ، ينتخبون لمدة خمس عشرة سنة ، على ألا يقل عمرهم عن خمس وأربعين سنة ، من قبل ناخبين في نفس العمر ، والذين ، هكذا ، لا يصوتون إلا مرة واحدة في حياتهم .
في نظره ، هذا الأسلوب ، يحل التضامن من خلال الجيل ، بديلاً عن الانتخاب الحزبي .
هذا المجلس إذن يتكون من برلمانيين ، عمر كل واحد منهم ، خمساً ،وأربعين سنة ، يجدد سنوياً بنسبة1 / 15 ، وهو هكذا ، في مأمن كلية من العواطف السياسية كما من الضغط الانتخابي .
هؤلاء النواب ، حالما ينتخبون ، لا يخضعون لحكم صناديق الاقتراع إلا بعد فترة طويلة نسبياً ، عندئذ لن يكون همهم إرضاء ناخبيهم .
المجلس الثاني يسميه هاييك حكومي ، يمكنه العمل وفق شكل البرلمان الحالي ، لكن يجب أن يبعد منه موظفو الحكومة ، وكل من يحصلون على مساعدات ، لأنه من غير المعقول أن يكون البرلمانيون معاً قاضياً وخصماً .
صحيح هاييك لا يزعم أن هذا النظام الذي يقترحه ، هو الوحيد القابل للتطبيق ، لكنه يرى أنه ، دائماً بصياغة يتوبيات بديلة يمكن أن نجعل الآخرين يفهموننا ، هذه اليتوبيات تمنح انسجاماً عقلياً وقوة إقناع بتحليلات ، والتي بدون هذا تتبدى نظرية مبالغاً فيها .
بشكل عام يرى هاييك أن من الضروري ، أن يعد الليبراليون يتوبيات بديلة ، في حالة كارثة ما ، تتبدى هذه اليتوبيات على أنها الحل الوحيد الواقعي والمعقول .
لن نناقش هذا ، إلا من حيث إنه اعتقاد بإمكانية إعادة بناء العالم ابتداء من مشروع مجتمع نظري ، وهو ما اعتبره أكبر أخطاء الاجتماعيين ، لكنه وقع فيه .
إن ما يهدف إليه هاييك ، هو ديمقراطية لا تعيق أداء اقتصاد السوق ، الاقتراع العام يبقى ، لكن بدون فعالية .
أخيراً هاييك لا يثق كثيراً في التلقائية ، كما لم يثق لينين في الحتمية التاريخية ، إنه يدعو مثقفي الليبرالية إلى أن يكونوا ناشطين ومحرضين ، وحتى مثيري شغب ، من أجل قلب تيارات الرأي المعادية للاقتصاد الرأسمالي ، ويبرر هذا بأن سكان العالم كثرة ، وأن الاقتصاد الرأسمالي وحده يمكنه إطعامهم ، وإذا الرأسمالية انهارت ، فإن العالم الثالث يموت جوعاً .
لكن هنا نترك الرأي في هذا، للجياع والعاطلين في بلدان العالم ، بسبب الرأسمالية ، والأفواج المهاجرين غير الشرعيين ، الباحثين عن لقمة عيش من بلدان فرض عليها اقتصاد السوق ، ويكفي أن نحيل إلى إحصاءات منظمات الأمم المتحدة ، لنعرف هل تقلص الجوع والفقر أم تفاقم متواكباً مع انتشار الليبرالية الجديدة ؟! .
من جهتي ، أعرف أن الرأسمالية هدفها الربح الأقصى ، وليس إطعام جياع العالم ، وإذا كان يأخذ على حكومات الديمقراطية العتيقة ، أنها صارت مؤسسات إحسان ، فكيف يقنعنا بأن الرأسمالية تحولت إلى منظمة إحسان عالمية ؟
أخيراً :
الديمقراطية العتيقة سلبت الناس سلطانهم ، وها هي تجرد مما بقي لها من فاعلية ، والليبرالية الجديدة - الرأسمالية ، سلبت الناس ثروتهم ، وها هما يختصمان ، فهل يظهر المسروق عندما يختصم اللصوص ؟
ـــــــــ ــــــــــ ــــــــــ
> أنظر: قي سورمان : مفكرو عصرنا - باريس، فايارد 1989 ص 243 - 251 .
رجب بودبوس : ضد العولمة ، أكاديمية الفكر الجماهيري 2006 ص 367 - 386 .
> > - DEMARCHIمن اليونانية DEMOSأي شعب و ARCHEIM أي سلطة .
الترجمة الحرفية سلطة الشعب، لكن هذا لا يجب أن يخدعنا ، عندما ننظر في محتواها ، نجد المطلوب هو سلطة شعب بدون الشعب ،ديمقراطية تتقلص فيها مشاركة الشعب ، ولو عن طريق الاقتراع ، إلى أدنى حد ممكن > > >
ـــــــــ ــــــــــ ــــــــــ
فريدريك فون هاييك .
- ولد في فيينا عام 1899 - 1992 .
- يحمل دكتواره في القانون ، ثم دكتوراه في العلوم الاجتماعية .
- تخصصه الأساس قانون وعلوم سياسية .
- أسس عام 1924 حلقة فيينا ، بالتعاون مع الاقتصادي فون ميز صارت هذه الحلقة خلية تفكير شاركت فيها شخصيات تشاطره توجهه اليميني .
- دعى لإلقاء محاضرات في مدرسة لندن للاقتصاد ، ونشر في لندن عام 1931بحثه : (السعر والإنتاج) الذي يتناول بالتحليل أزمة عام 1929 .
- في عام 1932 ، كتب ينتقد كينز ، وعارض أفكار كينز الواردة في (مبحث النقود) ومن هنا بدأ خلافه مع كينز .
هاييك مجادل نشط في النظرية الاقتصادية ، وليبرالي متطرف ، ضد المذهب الاجتماعي ، ولهذا الهدف أسس جمعية مون بليران ، لنشر الليبرالية، ومحاربة المذهب الاجتماعي ، ويعتبر هاييك مؤسس ومنظر الليبرالية الجديـــدة .
في عام 1950 غادر بريطانيا ، حيث لم تجد أفكاره صدى مشجعاً ، وحيث تفوقت أفكار كينز على أفكاره ، إلى الولايات المتحدة ، حيث درَّس في شيكاغو علوم الاجتماع والأخلاق .
في عام 1962 عاد إلى أوروبا ، حيث عمل أستاذاً للاقتصاد السياسي ، في جامعة فريبورغ ، بألمانيا .
عام 1974 بدأت أفكاره تستقطب اهتمام اليمين ، الباحث عن مرجعية نظرية في مواجهة المذهب الاجتماعي ، حيث منح جائزة نوبل مشاركة مع ميردال .
تقاعد وعمره 77 سنة .
نموذج من أعماله : السعر والإنتاج 1931 .
الوطنية النقودية والاستقرار الدولي 1937 .
النظرية الخالصة للرأسمالي 1941 .
طريق العبودية 1944 .
الحق .. التشريع والحرية 1960 .
النظام السياسي لشعب حر 1979 .
------------------------------
> > > هاييك أعلن صراحة أنه يفضل دكتاتورية ليبرالية على ديمقراطية ليست ليبرالية .
الليبرالية يقصد بها هنا ليبرالية اقتصادية ، أي رأسمالية ، وعليه فإنه يفضل دكتاتورية تطلق العنان للرأسمالية على ديمقراطية تعيق الرأسمالية ، المهم بالنسبة له ليس الديمقراطية ، وإنما الليبرالية الاقتصادية ، أي الرأسمالية ،وليس لديه اعتراض على أي نظام سياسي يكفلها ، حتى لو كان دكتاتورية ، كما لا يمانع في التضحية بالديمقراطية إذا تعارضت مع الليبرالية الاقتصادية .
هاييك هكذا له ميزة إظهار الوجه الحقيقي للرأسمالية .












