نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
التحكم بأسعار الذهب الأسود يمهد الطريق للهيمنة

النفط العربي ...نقمة أم نعمة

 

بقلم زيد ابوزيد

لقد شكل النفط في الماضي علامة فارقه في مستقبل العالم وسيشكل له في المستقبل علامة فارقه كذلك، فمنذ  بداية التاريخ الحديث للنفط عام 1853، باكتشاف عملية تقطير النفط ،والحصول منه على الكيروسين ،وانتشار هذه الاكتشافات سريعا في العالم،أصبح النفط مسألة قومية خاصة مع مطلع القرن العشرين، و بداية استخدام محركات الاحتراق الداخلية وزيادة طلب الصناعة بصفة عامه عليه .

 

 ويشكل النفط  الآن ، كما في الماضي قلقاً شديداً لاقتصاديات الدول المستهلكة والمنتجة له، في ظل الارتفاع والانخفاض غير العادي في أسعاره ، فهو حيناً يصل إلى  حدود قياسية مسجلاً أرقاماً فلكية ارتفاعاً،ثم ينخفض حتى يجعل القائمين على موسوعة جنس للأرقام القياسية يشدوا شعورهم هلعاً من السرعة المطردة في تذبذب أسعاره المفزع ، مما يدعو للتفكير في أسباب ذلك والقوى الخفية التي تتحك بسعره ،ولصالح من؟!.

إنَ  التحكم بأسعار الذهب الأسود يمهد الطريق أمام الدول المهيمنة على إنتاجه بأن تشكل قوة عظمى جديدة تعطي الحياة لسياسة الاحتواء بثوب جديد وروح جديدة لم يعهدها العالم من قبل،لأن انتهاء الحرب الباردة و انهيار الاتحاد السوفيتي،كان من المفترض ان ينهي هذه النزعة في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، و تتوقف معها سياساتها السابقة على أساس تفردها على الساحة الدولية و اعتبارها القوة العظمى الوحيدة في العالم.

لكن وقد شعرت الولايات المتحدة بخطورة المرحلة الجديدة فقد قررت إتباع سياسة جديدة من التضييق الاقتصادي أساسه الهيمنة على موجودات العالم من النفط والسيطرة على تدفقه وانسيابه في الأسواق للتحكم فيه ،خاصة وهي تسيطر مباشره على أراضي أحدى أكبر الدول المنتجة للنفط ، وتتواجد على مقربة شديدة من ثلثي نفط العالم بالاستخراج والتصنيع والتسويق ، في سياسة لي الذراع الاقتصادي للتحكم في العالم حيث أن سلوك الهيمنة والاستعمار الأميركي يحدد وفق مسار النفط وتاريخه بدءاً بالقارة الأميركية ومروراً بالخليج،وكانت أزمة الخليج واحتلال العراق أكبر الأدلة في هذا السياق، حيث تحتاج الولايات المتحدة الأميركية للسيطرة على حركة السوق النفطية في توزيع الكميات وتحديد الأسعار، وهي سيطرة لا تأتي بدون احتلال فعلي لمنابع النفط ، إلى جانب الصراع العربي- الصهيوني، وما يمثله من عامل ضاغط إضافي على الدول العربية المنتجة للنفط،وغير المنتجة أيضاً ،وتهديدها بهذه القاعدة العسكرية المتقدمة للولايات المتحدة الأمريكية في هذا  الجزء من العالم، مترافقاً مع  مشكلة العالم في طبيعة الرأسمالية المتوحشة التي تقود الولايات المتحدة والعالم إلى كارثة.

 

وعلى الرغم من تصريحات الإدارة  الأمريكية بأنها تدخل مرحلة جديدة و نظام عالمي جديد انتهت فيه أجواء المشاحنات التي سادت طوال عقود، فقد اتضحت الأهداف الأمريكية ، وكشفت واشنطن على حقيقتها ، فهي لا تهدف إلا على السيطرة على اقتصاديات العالم وحصار الأسواق لكي تنفرد بزعامة العالم،وتحل مشكلتها الاقتصادية المتفاقمة.

 

من ناحية أخرى فإن الدهشة تعتريني وأنا أشاهد الواقع الاجتماعي والاقتصادي لمعظم الدول المنتجة للنفط ،حيث ما نراه لا يعبر عن  رخاء اقتصادي منظور، فإلى جانب أن عدداً كبيراً من سكان هذه الدول يعاني الفقر والجهل وعدم الحصول على الخدمات الضرورية،  فقد  ساهمت مدا خيل النفط في تفشي الفساد المالي والاقتتال من أجل السيطرة على هذه المداخيل أو مصادرها، إضافة إلى الاكتفاء بالاعتماد شبه الكلي على تلك العائدات،بدلاً من الاستثمار، كما يعرف عن الدول المنتجة للنفط، هاجسها الأمني المفرط ويتجلى ذلك بالمبالغ الضخمة المخصصة للنفقات العسكرية في ميزانيات تلك الدول والتي تأتي على حساب قطاعات حيوية أخرى كالتعليم والتنمية.

إنّ تدفق النفط بشكل سخي في الدّول النفطية قد مكّن عددا من هذه الأقطار من تجميع فوائض كبيرة تستثمرها في الدول الأكثر تقدما..ورغم الإستهلاك الترفي في هذه الأقطار فإنّها تحقّق معدلا مرتفعا للإدخار وفائضا في ميزان المدفوعات. فهل أدّى ذلك إلى أن تصبح هذه الأقطار أقل تبعية من غيرها؟ وهل استفادت من علاقاتها النفطية مع الدول المستهلكة للنفط في مجال التعجيل بعملية التنمية والحصول على التكنولوجيا المتطورة لأغراض التصنيع؟ وهل توصلت عملية التنمية العربية في ظل تدفق النفط أن تأخذ أبعادها التاريخية فأرتفــــع تبعا لذلك - النفط العربي - إلى مستوى التحديات الإنمائية الأساسية التي تجابه الوطن العربي..؟ أم أنّ سوء توزيع الدخل القومي بين الأفراد والجماعات أثمر الرفاه والتحديث للقلة الموسرة والصفوة المميزة، بينما كان نصيب الجماهير الواسعة، البؤس وفتات الموائد وغدت بالتالي وحدها تتحمّل عبء الإنتاج والتنمية..؟

لقد ارتبط التاريخ الإقتصادي والسياسي للمنطقة العربية أساسا بالنفط، إذ كان للنفط أكبر الأثر في تشكيل معالم الخريطة الإقتصادية والسياسية للمنطقة العربية وربط مشكلات التنمية العربية ربطا وثيقا بالتطورات الإقتصادية العلمية، وقد ظلّ قطاع النفط منفصلا عن مجرى عملية التنمية في الأقطار العربية النفطية حتى منتصف الخمسينات حيث كانت عمليات الإستكشاف والإنتاج النفطي تجرى وفقا لأهداف ومخططات الشركات النفطية الكبرى وقد نجحت - هذه الأخيرة - في الحصول على إمتيازات عدة مقابل التنقيب على النفط في الأراضي العربية..فهل تغيرت اليوم طرائق الإستثمارات النفطية بما يخدم مصالح هذه الأمة ويصحّح مسارها التاريخي؟ ..وهل نجحت عملية التنمية العربية بفضل عائدات النفط في الإرتقاء إلى مستوى التحديات التي يمليها العصر؟ .. إنّ عددا من الأقطار النفطية قد نجح في تجميع فوائض كثيرة تستثمر في الدول المتقدمة، غير أنها لا تعتمد إعتمادا كليا على المعرفة الفنية للدول الصناعية وحسب، بل أنها علاوة على ذلك تجد الأمان بالنسبة لإستثماراتها لدى الشركات الدولية النشاط أو بإستثمار أموالها في أسواق رأس المال لدى الدول المتقدمة، وكلما دعت الحاجة أن تستثمر هذه الأقطار النفطية في دول العالم الثالث فإنّ ذلك لا يتم في معظم الحالات إلا عبر وساطة المؤسسات المالية الدولية إيمانا منها أنّ مثل هذه المشاركة تؤمّن لها استثماراتها بما لا تستطيع هذه الأقطار أن تحققه بذاتها..إنّ عددا من هذه الأقطار هو من الصغر بما قد يصعب عليها بناء صناعة متوازنة داخل حدودها القطرية أو الإعتماد أساسا على السوق الداخلي للطلب على صناعاتها، إلا أنّ اسهام هذه الشركات الدولية النشاط في تنمية البلاد يجعلها تتخذ دور التابع للرأسمالية الدولية..

إن النفط الملقب ب " الذهب الأسود " السائل طاقة إستراتيجية مهمة دافعة لعجلة تاريخ البشرية ومؤثر كقوة دافعة للتنمية المستدامة لشتى الدول في المرحلة الحالية لتأثيره في مجالات السياسة والاقتصاد و الشئون العسكرية والصناعة والمواصلات ومستلزمات المعيشة اليومية وغيرها ، وباعتباره يمثل عصب الحياة في كوكبنا هذا في العصر الحديث، فإنه سيبقى عامل تهديد مباشر لمستقبل العالم في ظل استمرار الصراع من أجله ولصالح السيطرة على مخزوناته.

 

إن العرب المنتجين للنفط لابد أن  يفكروا ملياً في مستقبل النفط ،وفي تأثيره على معطيات التوازن الجيوستراتيجي في العالم ، مما يؤهلها لأن تلعب دوراً أكثر أهمية على الساحة الدولية بدلاً من هذا الدور القاصر التابع ، ولنأخذ أنمذجة إيران وفنزويلا وروسيا والجماهيرية العظمى  في عين الاعتبار، لأننا كعرب أحوج من غيرنا لأي ورقة رابحة لها وزنها لنضعها في ميزان التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية في أي نزاع أو صفقة ،على قاعدة التكافؤ لا التبعية والاستكانة لمنطق الغرب وهو أن البترول مجرد سلعة تجارية لا يجوز استخدامها في غير موضعها وخاصة للأغراض السياسية.

 

لقد جربنا سلاح النفط مرة عام 1973 في حرب أكتوبر المجيدة ، وفيها ظهرت آثار الحظر البترولي الذي فرض علي الدول الغربية المنحازة لإسرائيل والتي كانت تشجعها علي الاستمرار في عدوانها علي الشعب الفلسطيني وفي احتلال الأراضي العربية ومنها سيناء المصرية ،و قد اهتز الغرب هزة سياسية ونفسية عنيفة من جراء الحظر النفطي العربي و اتخذ موقفاً صارماً وحازماً لكي لا يتكرر ذلك الموقف الذي هدد كيانه، ومن الواضح أن العرب قد رضخوا للإرادة الأمريكية واكتفوا بموقفهم المشهود في عام 1973 وتصوروا أنهم قد أدوا دورهم بذلك وليس مطلوباً منهم المغامرة بمصالحهم العليا المتمثلة في البترول من أجل القضية الفلسطينية أو الأراضي العربية المحتلة.

 

والمطلوب الآن ليس الحظر، ولكن أن يصب البترول العربي في صالح ميزان القوة العربية ليس فقط بالنسبة للقضية الفلسطينية أو الصراع العربي - الصهيوني، بل ليكون للعرب مكانة واحترام وصوت مسموع في عالم لا يعرف إلاَ الأقوياء.

 

فأما أن نكون مستعبدين للنفط ومن يتلاعب بأسعاره ، بذلك يتحول  النفط إلى نقمة لا يقبلها الحكام ولا المحكومين، وأما أن يشكل النفط ثروة للمستقبل وإعادة تشكيل للمستقبل العربي على قاعدة الوحدة والتكامل.

حصّنوا النّفط..فالنفط يعرف كيف يقاتل حين تكون الحروب..وقد يحسن الضربة الخاطفة (مظفر النواب)

..

إنّ الأقطار العربية التي تتمتّع بفوائض مالية كبيرة مردها النفط، ورغم الإستهلاك الترفي الذي يسودها بإمكانها توظيف فوائضها في التنمية العربية والمساهمة في بناء سوق عربي موحّد ومتكامل يمكن لأقطارها النمو في إطاره، كما أنها بإمكانها إنتهاج طريق يحقّق لها تنفيذ خطط إقتصادية تمكنها من تحقيق معدّل عال ومستمر من التنمية وتصبح تبعا لذلك الأقطار غير النفطية تجني فوائد من تدفق الموارد إليها من الأقطار العربية ذات الفائض..غير أنّ قرار إبقاء النفط تحت الأرض أو ضخه واستخدام ثروته هو قرار سياسي من الدرجة الأولى، وأي منحى لهذا القرار يكون غير ذي فائدة إذ لم تؤازره وجهة نظر وطنية لها معالمها الواضحة وتصبو لإتخاذ القرار المناسب الذي يخدم أهداف ومصالح الأمة العربية وشعوب العالم الثالث، اليوم وفي المدى المنظور..

 



أضف تعليقا

اضيف في 08 سبتمبر, 2009 02:28 ص , من قبل حركات said:

روووعه



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية