بقلم: زيد ابوزيد
قلت لصديقة العائلة الطبيبة العراقية العينين والاسم"أم علي" والعائدة من بغداد الرشيد، بعد زيارتها لأمها المريضة: كيف بغداد، وكيف الأهل والعراق؟، قالت والدموع تملأ عينيها، إنه الطاعون ، قلت: كيف؟، وهم يصرحون أنَ الأحوال مستقرة، والأمن سائد، وأنَ الحواجز الإسمنتية التي قسَموا بها أحياء بغداد ستزال قريباً، وخروج الجحافل الأمريكية دليل ذلك.
هنا شهقت أم علي وقالت بلهجتها العراقية المتميزة "خطية" وهي الكلمة التي قال فيها السياب شاعر العراق معبراً عن عمق آلامه في الغربة : والموت أهون عندي من خطية" إنكم لا تسمعون إلاَ بالأحداث الكبرى التي يسقط فيها المئات بين قتيل وجريح ، أما الأحداث الأخرى في أنحاء العراق وما أكثرها! فلا يسمع بها أحد، فالتعتيم قائم حولها، ولا يسمح بنقل ما يجري فيها إلا من قبيل الصدفة أما بغداد فقد أظلم ليلها، واسودت نجومها، وحتى القمر ما عاد يشرق عليها كما كان. قلت رحم الله أيام زمان ، وأنا أعرف أن أم علي كانت تكره القيادة الوطنية السابقة التي طالما صرَحت لها باحترامي وتقديري لها لمواقفها القومية والوطنية ، ومعاداتها للمستعمر ، ونصرتها للمقاومة الفلسطينية ، ووقوفها إلى جانب الأمة العربية في كل آلامها ومعاناتها ، وهنا ولأول مرة تصرح أم علي ، نعم ، رحم الله زمان ، أين كنا ؟ وأين أصبحنا.
وهنا وصلت أخبار التفجيرات الجديدة ، القتلى ما يقارب المائة والجرحى ما يقارب الستمائة بعد سلسلة من الانفجارات المروعة ، وما نتج عنها من ضحايا. قلت لأم علي: ما الذي يجري ؟ قالت: اتفقوا أولاً على تدمير العراق، وتجريده من أسباب القوة والمنعة، ومسح هويته العربية، آخذين بعين الاعتبار تقسيمه إلى أجزاء يتولى كل فريق منهم جزءا منه، واتفقوا على اقتسام الغنائم من خيرات العراق النفطية والزراعية، ولكن كيف السبيل إلى ذلك ؟ لا بد من الإتيان بالذئاب من وراء البحار الطامعين هم أيضاً بثاني احتياط نفطي في العالم ، وفي غمرة اتفاق المصالح بين الطامع الأجنبي ، وقصير النظر المتآمر على أمته ووطنه سقط العراق ، وتبوأت الثعالب الصدارة، ومقاليد الحكم، وكتبت لنفسها دستوراً يمعن في تقسيم العراق ، ويحرِض العراقي على أخيه باسم المذهب تارة وباسم القومية والاثنية والدين تارة أخرى.
وتقلَبت الأمور وتغيرت ، فالأحلاف بين متآمري الأمس الذين كونوا لأنفسهم جماعات ومليشيات ، ومنتفعين يتقلدون الوظائف ، ويبعدون ما خالفهم حتى من حلفائهم ، لينتهي بهم الأمر إلى أنْ يكون الجيش والأمن من هذه الجماعات المتناثرة الذين وصلت ببعضهم الأمور إلى سرقة الملايين والاستيلاء على مقدرات البنوك والمصارف ، ولا رقيب ولا حسيب، ومع ذلك ، فالأمن مستتب، والقوات الأمريكية قد خرجت من المدن.
ومع اقتراب نهاية الفترة الزمنية للحكومة، ولمجلس النواب الذي قيل فيه ما قيل عند انتخابه، في قوائم لا يعرف الشعب العراقي في كثير من الأحيان أسماءها ، كانَ لابدَ من عمل جديد، يضمن به صاحب المصلحة مصلحته، حتى في القائمة الواحدة في أسس التحالف، إذن لابدَ من التحرك وإسماع الصوت لمن يريد أنْ ينفرد بالغنيمة، وبما أنَ الميدان مفتوح ورمي الاتهامات على جهات أخرى جاهز، إذن فالقنابل جاهزة، والسيارات المفخخة جاهزة، والأعوان في الجيش وقوات الأمن رهن بإشارة هذا وذاك ، إذن فلتنطلق جيوش الرعب، وقوافل الموت، نذيراً لمن كانَ بالأمس حليفاً، ويريد الآن أن يتفرد بالغنيمة، وإلاَ فكيف تصل هذه الغربان من حاملات الموت إلى أكثر المناطق حماية..
سؤال بحاجة إلى إجابة.
إنَ من يقف وراء ما يجري في العراق من موت ودمار، هم أنفسهم من تآمروا على العراق وجاءوا بالأجنبي َ، ليقسموا البلاد شيعاً وأحزاباً متناحرة ، للاستيلاء على خيرات بلدٍ كانَ بالأمس بلداً يحسب له ألف حساب على خارطة العالم الجغرافية والسياسية.












