نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
ملحمة الفاتح العظيم في بعديها القومي والإفريقي

 

بقلم : زيد ابوزيد

 

ليس من قبيل الصدفة أن تلتقي مناسبتان عظيمتان في مكان واحد, وتاريخ واحد,وهما مرور أربعين عاماً على ثورة فاتح الخير العظيم ، صانع أمجاد الجماهيرية الليبية العظمى ، وذكرى قيام الاتحاد الإفريقي في سرت صانع مستقبل افريقيا ، والمبشر بوحدتها وتقدمها وازدهارها ، واحتلالها المكان اللائق بها بين قوى كوكبنا الأرضي . فالأحداث العظيمة لا تصنعها الصدف، ولا تتحكم فيها العشوائية وإنما يصنعها الرجال ذوو النظرات الثاقبة، والعبقرية النافذة والذين أفاض الله عليهم نوراً يستشرفون به آفاق المستقبل ويبصرون به ما تفضي إليه الأحداث.

وإذا ما رجعنا إلى أربعين سنة خلت من عمر الثورة الليبية المباركة التي جسدها الفاتح من الشهر التاسع الميلادي ، ونظرنا نظرة فاحصة إلى ذلك التاريخ ، فإننا نرى على مستوى الأرض الليبية حكماً ملكياً رجعياً ، يسوده الفساد ، ويتحكم فيه بطانة لا تهمها إلا مصالحها الشخصية ، وتأتمر السلطة بأوامر الأجنبي المتحكم في القواعد الجوية على الأرض ، وعلى الشواطئ في البحر ، والفقر والتخلف يفتك بالحضر والمدر ، وأما على الصعيد العربي ، فقد ران على الأرض  العربية ذهول , وإحباط بعد هزيمة حزيران عام 1967 , تبعه شك وإعادة نظر في جدوى المد القومي الذي حمل رايته الرئيس المصري العربي الثائر جمال عبد الناصر , مما جعل الأمة تدخل في نفق مظلم , لا تدري من خلاله أين تسير ؟ ولا كيف تتدارك الأمور ؟ خصوصاً حين صرَح الرئيس الأمريكي جونسون بقوله : هكذا لم نعد بحاجة إلى زعماء أقوياء في الشرق الأوسط .

نعم لقد أضحت الأمة العربية تجترُ مرارة الهزيمة بسقوط صحراء سيناء وهضبة الجولان السورية والضفة الغربية الفلسطينية تحت الاحتلال , وتمكن اليأس من النفوس , والصهيونية الحاقدة تمعن تنكيلاً وتقتيلاً بالأسرى المصريين , وتهجير الفلسطينيين وإعلان ضم القدس والجولان للكيان الغاصب , وازدادت شراسة المستعمر في القواعد الأجنبية على الأراضي العربية , حتى ظنً الناس أن لا خلاص , وأن الآمال المعلقة على المشروع القومي كانت أضغاث أحلام , في غمرة كل ذلك يبرز من بين الصفوف شاب أسمر , عركته قسوة الصحراء , واستمد إرثه من جده الثائر الشهيد عمر المختار , على رأس كوكبة من الشباب آمنوا بربهم فزادهم الله هدى , معلناً قيام الثورة الليبية في توقيت ظن أعداء الأمة أن الأمة قد استسلمت , وركنت إلى الراحة - قاتل الله الراحة - ليعلن بيان الثورة الأول بأن الثورة تتبنى شعار القومية في الوحدة والحرية والاشتراكية , وأن عهداً جديداً قد بدأ يقدم على إنقاذ الأمة وجبر عثرتها , مما جعل الرئيس الراحل والقائد القومي  جمال عبد الناصر يقول في قائد هذه الثورة ( معمر القذافي ) إنني أرى فيه شبابي .

وانطلق القائد الملهم يعبئ جماهير الأمة  , مبتدئاً من الجماهيرية الليبية , فالتف الناس حوله , وأدركوا بميلاد عصر جديد , يقوم على القوة , ومقارعة الاستعمار , ومساعدة الشعوب المستعمرة المغلوبة على أمرها , وكانت الخطوة الأولى تحرير ليبيا من القواعد الأجنبية , فهذه القواعد لا بدً لها من أن ترحل , لأنها تشكل انتهاكاً للسيادة وموقعاً متقدماً للمؤامرات على الدول العربية والشعوب الإفريقية , ويتحقق الجلاء , ويفيض الله بعد ذلك الخير على البلد المجاهد , فيتدفق الذهب الأسود في أراضيها , وبتوجيه القيادة الحكيمة , يمتلك الشعب ثرواته وسلطته وسلاحه, وتشتد السواعد , وتصبح الجماهيرية رقماً صعباً في المعادلة بتوجهاته القومية والوحدوية , ودعمها لحركات التحرر العالمية , ومساعدة الأمة العربية مادياً ومعنوياً وعسكرياً للنهوض من كبوتها , واسترجاع أراضيها , ويبذل قائد ثورة الفاتح جهوداً مضنية في سبيل الوحدة وصلت به حداً أنه كان على استعداد لترك الحكم في سبيل الوحدة , ويحمل الشعب الليبي الراية , فبادر كما بادر قائده , ولكن هيهات فالعقبات كثيرة , والمؤامرات على الثورة وقائدها أكبر, وهنا انصرف القائد إلى الداخل , فجعل من التنمية والنهضة همه , فكان النهر العظيم ثمرة فكر صائب , وتخطيط عبقري , جرت به المياه من جوف الصحراء لتروي العطاش , بشراً ونباتاً وحيواناً , وبأيدٍ عربية ليبية ما عرفت الكلل يوماً , متطلعة إلى المستقبل , مشرئبة رقابها نحو خالقها تبني وتشكر , ويجلس الثائر العربي في خيمته مفكراً في شكل من الحكم يفضي إلى أن يحكم الشعب نفسه بنفسه , فيدرس أشكال الحكم قديمها وحديثها , وأشكال ما سمي بالديمقراطيات والبرلمانات فيخط بيده النظرية العالمية الثالثة متمثلةً في الكتاب الأخضر , دستور أمة , وهادي شعب , وتتشكل المؤتمرات الشعبية الأساسية كحلٍ لمعضلة أداة الحكم، معضلة الديمقراطية التقليدية, ويتمخض عنه شكل جديد من أشكال الحكم , ليس فيه مظلوم , ولا مقصر , ولا متحكم , فالجميع أحرار , والمؤتمرات الشعبية تجتمع وتقرر , والفرصة سانحة لكل صاحب رأي , في ديمقراطية فريدة , أبدعتها عقول الليبيين الذين جعلوا من الصحراء في يوم من الأيام جنوداً تقاتل وسواعد تنتزع الاستقلال في مقارعة مستعمر غشوم.

وبعبقرية المفكر , وعظمة القائد ة, نظر قائد ثورة الفاتح إلى إفريقيا , وهي البعد الاستراتيجي للعالم العربي , فرأى ماحياك ضد هذه القارة التي عانت الويلات في ظلم المستعمر الذي فرض على شعوبها العبودية ، ونهب خيراتها ، وأثار الفتن بين قبائلها مستخدماً فرضية التمييز العنصري على كل إنسان أسودٌ فيها ، فاتكاً بزعمائها وحركات التحرر فيها .

فرأى أن الخير كلَ الخير في رفع الحيف عن هذه القارة , ولكن  كيف ؟ والغرب متكالب عليها , غارساً سكينه في قلبها , ولكن القائد الثائر صاحب التجربة والحنكة يعلن أن قوة إفريقيا في وحدتها , وتجمع شعوبها , فكانت الدعوة الأولى لإنشاء منظمة الوحدة الإفريقية , وتعقد المؤتمرات , وتستمر الجهود , والقائد يدعم ويبشر ويبصر حتى أثمر الجهد عن الوليد الإفريقي في سرت وفي الجماهيرية الليبية المتمثل في الاتحاد الإفريقي , وصولاً إلى ما يطمح إليه القائد من الوصول إلى الولايات المتحدة  الإفريقية , مما جعل إفريقيا تبايعه ملكاً لملوكها .

 إن النتيجة العظيمة التي توصلت إليها إفريقيا بجهد القائد القذافي لم تَأتِ صدفة , ولكن بجهود خارقة , وسعي متواصل لحل مشاكلها سواءٌ أكان ذلك في غرب الصحراء الإفريقية أم في وسط القارة أو غربها أو جنوبها أو شمالها . وبالدعوات الصادقة لكافة سكان القارة ليكونوا يداً واحدة , وكتلة واحدة تأخذ حقوقها ممن ساموها الخسف والهوان والعبودية .

ويأكل الحسد قلوب قوى الاستكبار العالمي , ومن استعبدوا الشعوب , فجندوا مؤسساتهم السوداء , وأجهزة مخابراتهم للنيل من القائد المجاهد , ووطنه وشعبه , ولم تكن طائراتهم السوداء بعيدة عن ذلك , فالغارة على بيت القائد للنيل منه ومن أولاده قد كتبت في صفحات التاريخ بقعة سوداء لا تنسى , ثم كان تلفيق حادثة لوكربي , وتجتمع القوى المجرمة فتفرض الحصار على البلد المجاهد وقيادته عشر سنوات عجاف من الحصار على البلد المجاهد , والثورة مستمرة , والشعب لا ييأس والقيادة ماضية لا تأخذها في الحق لومة لائم , والخير الذي زرعه القائد في إفريقيا يؤتي أكله , فها هي إفريقيا ترفض الحصار , وتحط طائرات زعمائها الواحدة تلو الأخرى بدءاً من طائرة القائد الفذ نيلسون منديلا , ممثل الحرية وعدو التمييز العنصري في إفريقيا , معترفاً بما قدمته الجماهيرية والقائد الرائد معمر القذافي في سبيل تحرير بلاده أولاً وسائر القارة السمراء ثانياً , وبحنكة القائد , رُفِعَ الحصار عن الشعب الليبي وجاء من كان يستعمره ويذله يوماً معتذراً مقَبلاً يد حفيد عمر المختار .

أربعون سنة مرت مليئة بالأحداث , والجهاد والعمل في الجماهيرية العظمى , ومن خلالها تحقق الكثير الكثير والقائد لا يخذل أهله , ولا يتنكر لأمته , ولا يفرط في حقِ قارته , ولا يأمل إلا السعادة للإنسانية , في عالم يسوده العدل , ويحتقر الظلم , بعيد عن الأسلحة النووية والتحكم الصهيوني الذي جعل من فلسطين ملعباً للقهر , وعنواناً للعبودية .

إن مدرسة القائد الثائر , والزعيم المقاوم لجديرة بأن تحتل جل تفكير الباحثين ودفاتر تحضير المدرسين , وعناوين كتب السياسيين , فالتجربة غنية , ومن حقها البحث والتنقيب .                

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية