نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
المجتمع الحضاري.. والجماعة البرجوازية

 

بقلم:أ.د المهدي مبيرش

 

 

 

إن الترجمة الخاطئة لمصطلح اللوغوس على أنه الكلمة بمفهومها ودلالاتها العربية علقت بأذهان الكثيرين ، بما في ذلك المختصون منهم ، والذين نجدهم يقولون : (في البدء كانت الكلمة ..) ، في حين أن الصياغة الثيولوجية(Theology)   وهذه الأخيرة يحلو للبعض على غير دقة أن يترجموها إلى العربية على أنها اللاهوت ، في حين أنها لفظ مُركّب من مقطعين : (ثيو) ـ(Theo)  وهي من(Theos)  التي هي في الإغريقية الهو ، أو المطلق ، أو الغيبي ، أو النظري الذي هو غير المتعين أو المتجسد ، ومنها(Theory)   والمقطع الثاني(Logy)  يرتبط باللوغوس الذي نحن بصدده ، الذي يترجمه البعض على أنه العقل ، على أساس أن العقل هو قدرة التفكير على التجريد ، وهذا ما ذهب إليه أفلاطون الذي كان عقلانيًا محضًا ، يرى أن المطلق أو الغيبي هو عقل كلي ؛ ولأنه كذلك ، لا يمكن الاتصال به إلا إذا تحول المتصل إلى عقل محض ، أي مارس التجرد الصوري من كل ما هو متجسد ومتعين ، فيتمكن بذلك من خلال المعراج الدايالكتيكي من التخلص من أثار التجسد الذي يراه أفلاطون بمثابة الخطيئة الأصلية في الخطاب اللاهوتي المسيحي ، أي عند أفلاطون أن النفوس التي كانت في عالم المثل فقدت توازنها فسقطت إلى الأرض وبذلك اختلطت بدرجات بالمادة ، والفلاسفة أو على وجه الدقة العقلانيون هم الذين ما يزالون يحتفظون بالمعدن الأصيل قبل هذا السقوط ، أي معدن الذهب ، والذي أسس عليه أفلاطون منطقه الطبقي ، أو قل الشكل الطبقي في المدينة الدولة ، وهو شكل حاد لا يسمح لأي طبقة أن تصعد أو أن تهبط ، ويأتي في أعلى الهرم هؤلاء العقلانيون الذين هم عقل محض ، والمطلق لا يخاطب الناس مباشرة ، بل إنه يتكلم رمزًا أو بلغة تجريدية وأن هؤلاء العقلانيين وحدهم القادرون على أن يتلقوا هذه اللغة وهو ما سبق أن أشرنا إليه باللغة التجريدية ، أي بالرموز الرياضية التي ترتبط بالشكل الهندسي أو المثلث ، وقد أشرنا إلى أن أفلاطون كان من أنصار الهندسة والتجريد الرياضي ، وبذلك يعتبر أفلاطون المؤسس للمنطق العقلاني الذي تأسست عليه ما يسمى بالحداثة الأوروبية ، وكذلك في خطاب التعددية ، الليبرالي ، وما يسمى بلغة الأعداد ، وهي التي أنتجت أطروحات الصفوة والنخبة والقلة ، كما سبق أن أشرنا ، إن أفلاطون يستعير الشكل الطبقي الطبيعي والذي كان يعتمد على التراتبية الهيراركية ، كما في الهند القديمة وفي إيران ، على سبيل المثال ، عندما كان الذين على رأس السلطة من الكهنة يدعون أنهم أبناء الآلهة ، أو أن في عروقهم دماء مقدسة ، أو أنهم نواب الله ، أو ظل الله على الأرض ، حيث كان هذا الادعاء يسمح لهم بهذا السلطان المطلق الذي يبرر من خلال العلاقة الخاصة بالثيوس ، أو الإلهي أو المطلق أو الغيبي ، وبالمصطلح المعاصر في منطق مركّب السلطة التقليدي ، فإن الكاهن كان يجمع بين ما يسمى بالسلطة الدينية والسلطة الزمنية معًا ، وما تزال بعض أشكال السلطة تقدم نفسها على أنها تجمع السلطة الدينية والسياسية معًا .

 

إن هذا الادعاء يحتاج كما أشرنا إلى منطق يسمح بالتركيب ، فهو ما أسس في كافة أشكال السلطة عبر المراحل إلى اليوم ، والصراع الذي كان يدور قديمًا وجديدًا لم يكن لصالح الله والناس ، بل هو صراع بين هذه القلة المحتكرة التي تتمركز في يدها معطيات القوة ، وبين قلة أخرى تحاول أن تسلبها إياها ، ونموذج ذلك ما حصل في أوروبا في الصراع بين الإمبراطور والبابا الذي هو ممثل البابا الأكبر ، أو الأب الذي في السموات ، فنجد على سبيل المثال أوغسطين الذي كان مانويًا يعتقد بالثنوية   (Dualism)  حسب المعتقد الزرادشتي الذي يقول بوجود إله للخير والنور وآخر للشر والظلمة ، وهو المعتقد الذي وجدنا جذوره في التفكير الهندي القائل بوجود قوة : شيفا ، وفشنو ، فالأول يقوم بذات دور أهرمن في المعتقد الزرادشتي ، والثاني يقوم بدور أهورامزدا ، حيث أهرمن قوة الشر ، وأهورامزدا قوة الخير ، والقبول بالثنوية طرح مبررًا ما عرف بالصراع بين الضدين ، بل كان في رأي البعض مثل الإغريقي أمباذوقليس ، إن هذا الصراع هو سر الصيرورة والتغير والحياة ، والذي يضعه بين الإيروس الذي هو الحب والنظام ، وبين الثاناتوس الذي هو نقيض ذلك ، وإن كان أمباذوقليس يرى بضرورة أن يبقى الصراع بين الضدين لاستمرار الحياة ، وبذلك فإن هذه الثنوية كانت بذورًا لفكرة ما يسمى اليوم بتقسيم السلطات ، والتي نشأت عليها في أوروبا أطروحة البابا والإمبراطور ، فمركزية السلطة عند الكاهن أو البابا لم تعد مقبولة ، إذا كان من الضروري أن يتم تفريغ فائض الطاقة الناتج ، تمركز القوة ، فالقبول بقوتين يسمح لهذين المغتصبين أن يخففا هذا الكبت ، ولكن في كلا الحالين يتم إبعاد الجماهير أو الدهماء ، ومصادرة الثيوس أو الغيبي أو الإلهي .

 

من هنا فإن اللوغوس هو الذي يبرر الشكل الاصطناعي ، أو الأرغانون حسب المصطلح الأرسطي ، كما يبرر التركيب داخل الشكل ، ومن ثم تتميز المدن التي هي شكل تركيبي بالحاجة إلى هذا اللوغوس ، مع اختلاف قد يبدو ظاهريًا في المحتوى الذي هو داخل اللوغوس ، فقد يمسي هذا المركّب طبقيًا لمصلحة الاستعلاء أو التفوق ، مع الفرق بين الاستعلاء (Superiority) والتفوقية     (Transcendentalism) نموذج الاستعلاء الشكل الأفلاطوني ، حيث يبرر أفلاطون استعلاء مدينة أثينا ، التي تقع في أعلى الهرم ، وكما هو معروف فإن أفلاطون يجعل من الأحرار الذين هم الأثينيون المولودون من أب وأم أثينية بمثابة معدن الذهب الذي أشار إليه ، وبذلك يضع أفلاطون تنظيرًا يبرر التميز العرقي ، إذ كان هذا التميز قديمًا يتأسس على تراتبية كهنوتية ، فأفلاطون يستبدل الفيلسوف العقلاني بالكاهن ، والديموس الشهوانيين بالمدنسين في الخطاب الكهنوتي البراهمي ، أي أن أفلاطون يُحدث تعديلاً بسيطًا في لغة الخطاب الكهنوتي القديمة ، وكما سبق أن أشرنا فإن أي شكل يتأسس على الاستعلائية أو التفوقية سيسعى إلى إلغاء الحركة ، حيث كان هم الكهنوت الهندي القديم مواجهة الصيرورة والتغير والحركة لأنها شر ، في مقابل أن السكون ولا حركة هو الخير ، وقد اتجه التفكير عندهم إلى السعي نحو النرفانا ، أي الانطفاء الكامل ، وهو نفسه ما يقوله أفلاطون في انتصاره للسكون العقلاني ، وفي احتقاره للجماهير والحركة والتغير ، ويمكن أن نقارب بوضوح هذين الخطابين من الخطاب الليبرالي المعاصر ، الذي وصل من خلال لوغوس ما يسمى بالعولمة إلى هذا الشكل المقفل الذي أوصل إلى نهاية التاريخ ، بل يمكن القول إن الأشكال الاصطناعية الأوروبية التي يطلق عليها        (Nations )قد وصلت هي الأخرى إلى نفس الأزمة ، ولم تنفع كل محاولاتهم في تبرير الصراع الوهمي داخل الشكل التركيبي ، أي الخطاب الأوروبي المعاصر ، وبوضوح أكثر ، الخطاب الأمريكي قد وصل إلى أزمة النهاية وكارثة الانغلاق ، من خلال التبشير بالموت والنهايات ، كما قرأنا في خطاب فوكاياما ، ومن ثم فإن ما يعرف بالحداثة في أوروبا نشأت على ذات المركّب الاصطناعي ، والعقلانية التجريدية التي فرضت بداهة لغة الرمز والتجريد في مقابل اللغة الحية وخطاب المباشرة الجماهيري .

 

إن هذا الشكل الاستعلائي يختلف إلى حد ما مع الشكل التفوقي ، إن الشكل التفوقي لا يلغي ما يمكن أن يطلق عليه الطبقة الأصلية ، لأنه يبني فوقها ، ولكنه يتفوق عليها ، أي أن أطروحته هي أطروحة تراكم تاريخي وثقافي ، وكما نعرف فإن مصطلح الطبقة ومصطلح التراكم له دلالته الاستعارية ، فهو يستعار من قاموس مباحث الأرض ، والخطاب الألماني خير نموذج على ذلك ، فالمنطق الهيغلي هو منطق تفوقي ، حيث يضع هيغل التاريخ ضمن مركّب وشكل هندسي هو شكل المثلث ، ليضع الألمان في قمة الهرم على أنهم روح التاريخ Der (Geist der Geschichte)  (The spirit of history) وبالتأكيد ستُحدث هذه الأشكال حركة وهمية ضمن ما يُعرف بالصراع ، والصراع جاء في الأطروحات القديمة الهندية والفارسية ليبرر الاستعلاء ، وليبرر أطروحة السكون ، فشيفا الذي هو الشر والظلمة ، وهو رب السكان الأصليين الذين يعتبرهم البراهما نجسًا ، في صراع مع فشنو ، الخير والنور ، وهو رب الغزاة الزاحفين على تلك المنطقة ، وبذلك فإن هذه الثنوية تبرر الغزو وتبرر السحق للشعوب الأصلية التي هي حسب هذا الخطاب شعوب الشر والظلمة ، وهو نفسه الخطاب الزرادشتي ، فالإيرانيون شعب غاز زحف على هذه المنطقة التي تسمى إيران اليوم من أعالي هضاب الهند ، وبذلك يقدمون أنفسهم على أنهم رسل الخير والنور ، أي رسل أهورامزدا ، في مقابل السكان الأصليين الذين إلههم أهرمن ، رمز الشر والظلمة ، فالصراع داخل هذا الشكل يبقى ضروريًا ، ولكنه سيتوقف عند هزيمة الشر وانتصار الخير ، أي أن الشر يوضع نقيضًا للخير ، ونفس الأطروحة ما قدمها الإغريقي أمباذوقليس الذي لم يجد مبررًا للحركة والصيرورة إلا بهذا الصراع بين ضدين : الثاناتوس ، والإيروس ، أو بلغة الزرادشتيين الظلمة والشر ، والنور والخير ، فإذا كان الاستقرار فإن الإيروس هو الذي ينتصر ، وإذا كانت الفوضى فإن الثاناتوس هو الذي يتغلب ، وما تزال هذه الفكرة يطرحها خطاب السلطة التفوقي والاستعلائي لكل محاولة جماهيرية للخروج من هذا الشكل المغلق من أجل التغيير والثورة ، فأطروحة الصراع ين الضدين ، التي هي ذات أطروحة السلطة والمعارضة ، أو السلطة الدينية والمدنية ، أو البرجوازية والأرستقراطية ، أو الشرق والغرب ، أو الشمال والجنوب ، أو حتى المرأة والرجل ، إنما تأتي لخلق حركة وهمية تحول دون الثورة الجماهيرية الحقيقية ، إنها لعبة الإلهاء وتفريغ فائض الطاقة بغض النظر عن هذه التعديلات التي تجرى على لغة الخطاب ، وفي هذا الصدد يمكن أن نؤكد على ما ذهبنا إليه من أن ما يسمى بتقسيم السلطات ، أو تداول السلطة ، ليس سوى شكل من أشكال هذه الخطابات ، يضاف إلى ذلك كل هذه المحاولات التي تجرى داخل الشكل من أجل خطاب الإثارة والتحريك الوهمي الكرنفالي ، الذي لا يخرج عن كرنفالات الكهنة والأباطرة عبر التاريخ من أجل الإلهاء ، يضاف إلى ذلك كل الأنشطة غير المنتجة وكل محاولات تغييب الوعي أو تزييفه .

 

إن أطروحة الصراع بين الضدين القديمة الجديدة ، هي أطروحة مكشوفة لصالح احتكار القوة بما في ذلك أطروحة الصراع التي نظّر لها الألماني هيغل ، تحت ما أطلق عليه الصراع بين ال(Thesis)  و ضده (Antithesis)  هذا الصراع يتم داخل الشكل التركيبي(Synthesis)  ويسمح بروح التاريخ ، وتأتي المعارضة لهذا المنطق من قبل اليهودي الألماني ماركس رد فعل ، وليس ثورة جماهيرية ، فماركس في خطابه غير المعلن يريد أن ينتصر للميراث اليهودي على أنه الطبقة الأصلية ، أي ينتصر لـDie (Schichte)  في مواجهة (Die Geschichte)   أي الوضع التفوقي الذي قال به الألماني هيغل ، حيث (Ge) الألمانية هو هذا التفوق الذي يعلو الـDie     (Schichte) وهو نفسه ما نجده في خطاب نيتشه في قوله ما بعد الخير والشر ، فماركس يريد أن يدمر الطبقتين اللتين تعلوان الطبقة الأصلية ، وبغض النظر عن الخطاب المراوغ الماركسي الذي يقول بالانتصار للبروليتاريا والذين هم في الأصل الذين يسكنون على هامش المدينة ، أي معاداة ماركس للبرجوازية التي يقدمها على أنها الطبقة الوسيطة ، والاحتكار المالي ، أو (الرأسمالية) ، التي تأتي في أعلى الهرم ، حيث Das Kapital) يستعيرها أفلاطون من القاموس الهندسي ، أي الذي هو أعلى العمود في البناء ، أو نقطة تمركز المال ، فالتدمير الطبقي والإزاحة من شأنها أن تكشف عن الطبقة الأصلية ، ويأتي موقف ماركس المعادي لحركة التصنيع البرجوازي ، التي أدت إلى تمركز معطيات القوة في يد الوسيط (الكمبرادور) ، والذي يعمل لمصلحة سيده الطبقة الأعلى ، أي أن ماركس يقبل بالصراع ولكن هذا الصراع سينتهي بانتصار الطبقة الأصلية ، وهو ذات الخطاب الذي نجده عند فرويد ، بانتصار ال (ID) على ال (Ego) و الـ(Super ego)  وهي ذات النـزعة التفكيكية في خطاب اليهودي الفرنسي جاك دريدا ، وهو التفكيك الذي يسمح بالـمّهمش والمسكوت عليه أن يظهر ، وإن كانت هذه كلها ضمن المركب الاصطناعي لأشكال المدن القديمة الجديدة ، ومن هنا نطرح سؤالاً يبرره هذا الوضع غير الطبيعي والاصطناعي ، هل يمكن لنا ونحن نضع الحضارة مقابل المدنية ، أن نقدم فلسفة للحركة من شأنها أن تُخرج الجماهير من هذا المنطق المقفل القديم الجديد ، أيهل نقدم فلسفة لما بعد التدمير الماركسي والتحليل الفرويدي ، والتفكيك الدريدي ، أي تجاوز أزمة الشكل المقفل القديمة الجديدة ? .

 

 

عن صحيفة قورينا

 

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية