بقلم: زيد أبوزيد
استوقفني هذه الليلة بيتان من الشعر من التراث العربي المنسي في أيامنا هذه الأول لشاعر جاهلي يُدْعى أبوخراش الهذلي يقول فيه: أردُ شجاع البطن قد تعلمينه وأوثر غيري من عيالِك بالطعْمِ أمَا الثاني فهو لشاعر جاهلي آخر يُدْعى الشنفري يقول فيه: وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القلي مُتَعزَلُ وحين رجعت إلى سيرة هذين الشاعرين في كتب التراث وما أكثرها! وفي الوقت نفسه ما أكثر المنصرفين عن قراءتها وجدتهما ممن كانوا يسمون بالشعراء الصعاليك ،فعادت بي الذاكرة إلى بعض الشتائم التي كان يوجهها إلينا معلم اللغة العربية حين نخطئ بقوله"يا صعلوك" وكنا نأخذ الكلمة على محمل السباب والغضِ من القدر وأستاذنا في حالة غضب،نعم رجعت إلى أصل الكلمة في معجم لسان العرب فوجدت أنَ الصعلوك لغة بأنه الفقير الذي لا يملك المال الذي يساعده على تحمل أعباء الحياة،ثم أن اللفظة تجاوزت دلالتها اللغوية وأخذت معاني أخرى كقطاع الطرق الذين يقومون بعمليات السلب والنهب،ولكنني وبالرجوع إلى مصادر أخرى وجدت أن الصعاليك إما خلعاء قبائلهم وشُذَاذ بسبب أعمالهم ،وإما أبناء حَبشيات سَوْداوات نبذهم آباؤهم بسبب لونهم،وإما فرسان احترفوا الصعلكة وقوة البأس والفروسية من خلال الأعمال الإيجابية التي يقومون بها،ولكن اللافت للنظر في شعر هؤلاء الصعاليك ترديد صيحات الفقر والجوع والحرمان،كما كانوا ناقمين وثائرين على الأشحَاء وامتازوا بالشجاعة،وقوة البأس والمضاء ،وبسرعة العدو حتى ضرب بهم المثل في سرعة العدو،فقالوا:"أعدى من الشنفري". في ضوء ذلك والبيتان في مقدمة مقالتي يستوقفانني أرى هذين الذئبين كما كان يطلق عليهما وعلى أمثالهما "ذؤبان العرب"شيئاً عجيباً من رهافة الحس وعمق الشعور الإنساني , حين أرى أبا خراشة صابراً على الجوع , يكفيه الماء , وإذا ما وجد الطعام أطعمه لغيره من عياله وغير عياله من أجل ألا يوصم بالعار , كما أرى في السبب الثاني قوة اعتزاز هذا الصعلوك الفقير المتشرد ذئب الصحراء بنفسه , اعتزازاً نابعاً عن مدى قناعته ومن شابهه بالفعل الذي يقومون به , لذلك نراه يسلب وينهب مال الغني ليطعم الفقير , وكأنه يؤكد أن للفقير حقاً في مال الغني . إنهم أطلقوا على أنفسهم صفة الكرم إلى حد الإفراط, حتى أن تأبط شراً لم يبقِ على شيءٍ لغده. وأنا إذ أتحدث في مقالي هذا عن الصعاليك كإرثٍ جاهلي إنما يحضرني ما كتبه دايفان هاري في ( صحيفة الإندبندنت ) عن القراصنة بشكل عام والقرصنة في سواحل الصومال بشكل خاص , ذلك أنه ذكر في معرض حديثه عن القرصنة رواية عن القرصان المشهور " وليم سكوت " ينبغي أن يتردد صداها في آذاننا اليوم في عهد القرصنة الجديد , لقد قال قبل أن يشنق في كارولينا الجنوبية:" فعلت ما فعلت لأظل على قيد الحياة , أرغمت على القرصنة لأعيش " . كما جاء في الأخبار الواردة عن الإسكندر المقدوني أن قرصاناً في القرن الرابع قبل الميلاد ألقي عليه القبض وجيء به إلى الإسكندر المقدوني الذي أراد أن يعرف منه سبب استحواذه على البحر . ابتسم القرصان وقال: وأنت ما سبب استحواذك على الأرض كلها? أنا أدعى لصاً لأنني أستخدم سفينتي الصغيرة, أما أنت فتستخدم أسطولاً ضخماً وتدعى إمبراطورا, فما هو اللص إذن ? . كان القراصنةُ أول المتمردين على هذا العالَم،فقد تمردوا على طغيان القباطنة، وابتدعوا طريقةً جديدةً للعمل في البحر، فحالما يستولون على سفينةٍ، ينتخبون قباطنتَهم، ويتخذون قراراتِهم بصورةٍ جماعية،وكانوا يتقاسمون الغنائم بطريقةٍ سمّاها رَديكَرْ متساوية، بل إنهم كانوا يأخذون أفارقةً رقيقاً ليعيشوا معهم على قدم المساواة،و لهذا السبب كانت شعبيّتُهم الكبيرة بالرغم من كونهم لصوصاً غير منتِجين. والآن هل بين الصعلكة والقرصنة قاسم مشترك ? ونحن نرى العالم أجمع يجَيش الجيوش , ويعد الأساطيل للقضاء على ما يسمى بالقرصنة على شواطئ الصومال , إذا كانت الصعلكة الجاهلية في كثير من وجوهها وجهاً إيجابياً كما وَرَدَ على لسان دريد بن الصمة , فروسية وقوة , بأساً ودفاعاً عن حقوق الفقير, ولفظاً للجوع , وثورة على التشرد , فإن هذا الشباب الصومالي الذي أقام من نفسه حارساً لشواطئ بلاده , ليس لصاً ولا مجرماً , خصوصاً وهو يرى مياهه تنتهك لتكون مقبرة للنفايات السامة من مخلفات نووية , ومواد سامة , تخلف ما تخلف من أمراض مزمنة , وبلايا لا تقف عند حد في بلد يأبى اللصوص الحقيقيون إلا أن يمزقوه ويعيثوا فيه فساداً ويمعنون في أهله تقتيلاً وتشريداً , مستغلين كل ذلك لنهب الثروات السمكية له , خصوصاً الأنواع النادرة منها كأسماك " التونا " و" الربيان " . إنَ هؤلاء الصعاليك القراصنة ليسوا سوى صيادين انسدت أمامهم السبل , فرأوا أهلهم وقبائلهم تموت جوعاً تحت ضربات الإمبراطور الغاشم , فنصبوا من أنفسهم جنوداً لوطنهم يذودون عنه, ويعاقبون من يقترب منه , ويأخذون منه النزر القليل لإطعام أهليهم , يبيتون أحياناً على الطوى , ويعرضون أنفسهم لأنواء البحر ومخاطره , لتبقى رؤوسهم مرفوعة وشواطئهم مصانة , ومع ذلك يتهمون بأنهم لصوص , مع العلم أن الحكومة الأمريكية زمن ثورة التحرير على يد ( جورج واشنطن ) كانت تدفع للقراصنة لقاء حماية شواطئها . أيها السادة المتغطرسون والذين لا يبحثون عن الأسباب بقدر ما يبحثون عن مصالحهم , وعن أذى الآخرين , ما كان الصومالي يوماًَ لصاً ولا قرصاناً ولا حتى صعلوكاً , ولكنه إنسان يحبُ وطنه , فابتعدوا عن شواطئه , عندها وعندها فقط لن تجدوا لصاً ولا قرصاناً ولا صعلوكاً . فاللص الحقيقي من يسرق قوت الفقير, ويحطم عظام المقهور.












