بقلم :زيد ابوزيد
العام الثالث والأربعون بعد النكسة ،والصور تتثاقل في رأسي حسرة على ذكرى
هزيمة العرب في حرب الأيام الستة والتي في مرورها المقصود بعقلي الذي يرفض تقبل
أنَ فلسطين قد ضاعت، وأنَ العرب هزموا في متتالية حسابية مداها أيام ستة،ليستيقظ
الشعب الفلسطيني وقد انتقل من خيمة النكبة الكبرى إلى خيمة النكسة ،لتكون النكسة
أكثر قتامه وألم.
إنَ نكسة حزيران لم تكن وليدة اللحظة،فسلسلة الانحدار في الوضع العسكري و
السياسي العربي لم تأت بصورة مفاجئة ، بل كانت نتيجة من نتائج السياسات المتراكمة
للقيادات الرسمية العربية على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية ،فالهزيمة
أتت رمزاً تاريخيا لنهاية حقبة هي من أشد حقب التاريخ العربي تحولا و غموضا، إنها
الحقبة التي شهدت تبلور الأحلام القومية الكبرى و شهدت فصولها الساخنة و المتحولة
سلسلة من الانقلابات العسكرية الهادفة للتغيير نحو الأفضل فإذا بنتائج تلك الانقلابات
التاريخية تظهر بشكل عكسي و مدمر على مجمل البنية العربية العامة، لقد سبقت
الهزيمة أوضاعاً وأحداثاً ساخنة حفلت
بحروب داخلية و بتدخلات سياسية عنيفة أسس للهزائم القومية اللاحقة، فقد كان واضحا
بعد فشل الوحدة المصرية / السورية بأن ثمة خلل بنيوي فظيع في عمق النظام السياسي
العربي لم تتم محاصرتها أو الاستفادة من دروسها في التهيؤ و الاستعداد لتحديات
المرحلة القادمة، و كانت الشعارات الحماسية قد غطت على كل الأخطاء و المثالب و
الخطايا، كما كانت الحالة الشعارتية قد رسمت حالات فظيعة من الوهم السياسي و
الفكري انعكست على طبيعة التوجه الجماهيري العام، و كانت الجماهير العربية تعيش في
حالة مريعة من الخدر السياسي و الفكري ،و كانت تؤمن بفكرة قدرة الزعامة الفردية
الملهمة الكاريزمية على تحدي الصعاب و تحقيق المستحيل وفي ذلك تجسيد عصري حي لفكرة
المنقذ المنتظر و بأسلوب عاطفي و ثوري لا علاقة له بالواقع أبدا، لقد بنيت في مصر
و بعض أقطار المشرق العربي وقتذاك مؤسسة عسكرية قوية و بوشر بتكوين جيش عربي
عقائدي و بأسلحة كانت من نتاج تلك المرحلة و لكن كل ذلك البناء كان قد قام على أسس
هشة في ظل ضعف النظام السياسي و ارتباطه بفكرة تغليب أهل الولاء على أهل الخبرة
مما أدى في النهاية لكارثة قومية كبرى لم تكن منتظرة بكل هذه الحدة و لكن بالمقابل
لم تكن مفاجئة أبدا، بل أن المفاجأة كانت في سرعة الانهيار و السقوط و التراجع و
بطريقة لم يتوقعها العدو الصهيوني ذاته!!
ورغم أن منظري الهزائم في العالم العربي قد رسموا صورة قاتمة للوضع
الإستخباري و اللوجستي للجيوش العربية إلا أن ذلك لم يكن صحيحا بالمطلق، فقد كان
الجيش المصري مثلا في أحسن حالاته التسليحية و التعبوية و لكن المشكلة كانت في
الاستعداد لساعة الحسم،وفي حجم المعلومات المضلل،ففي يوم 5 حزيران (يونيو) 1967م
بدأ الهجوم الصهيوني على الجبهة المصرية،وحتى نفهم الأحداث التي تسارعت خلال النصف
الأول من عام 1967م، وأدت بالتالي إلى حرب مدمرة
للجيوش العربية في مصر وسوريا والأردن، واحتلت الكيان الصهيوني بموجبها
كامل سيناء والضفة الغربية وغزة والجولان.. لابد لنا من العودة قليلاً إلى
الوراء،ففي أعقاب حرب السويس أو العدوان الثلاثي الذي وقع على مصر، والذي اضطر فيه
الكيان الصهيوني للانسحاب من سيناء ، فإنه لم يخرج بدون مكاسب، هذه المكاسب كانت
تتجلى في مرابطة قوات دولية على الأرض المصرية وفتح مضائق العقبة لاستخدام سفن
الكيان الصهيوني التجارية وغير التجارية.
و في أوائل ستيّنيات القرن الماضي حاول الكيان الصهيوني تحويل مجرى نهر
الأردن ،وقد ووجه بمقاومة عربية قادها الزعيم المصري الخالد جمال عبد الناصر ، و
بالتالي تشكّلت "جبهة القيادة العربيّة الموحّدة" بقيادة الفريق المصري
" علي علي عامر" , و وقع العبء الأكبر على سوريا للتشويش على محاولات
الكيان الصهيوني، و هكذا اندلعت الاشتباكات المسلّحة بين سوريا و الكيان الصهيوني
مراراً و تكراراً حتّى وقعت معركة جويّة بين طائرات سلاح الجوّ الصهيوني و سلاح
الجوّ السوري في شهر نيسان لسنة 1967م سقط خلالها ستّ طائرات "ميغ -21"
سوريّة بينما لم يخسر الكيان الصهيوني في تلك المعركة الجوّيّة أي طائرة .
عقب تلك المعركة الجويّة بدأت الأخبار تتوالى عن حشود عسكريّة صهيونيّة
مقابل هضبة الجولان السوريّة استعداداً لقيام الكيان الصهيوني بهجوم كبير على
سوريا , واستناداً إلى هذه الأخبار كلّف الرئيس جمال عبد الناصر رئيس أركان القوّات المسلّحة المصريّة
آنذاك الفريق " محمّد فوزي"
بالسفر الى سوريا للاطّلاع شخصيّا على حقيقة الوضع، و أثناء وجود "محمّد فوزي"
في سوريا قامت طائرات استطلاع واستكشاف سورية بالطيران في الأجواء السوريّة فوق
هضبة الجولان والتقاط الصور الّتي مسحت كلّما مكان غربيّ و جنوبيّ هضبة الجولان ،
و اطّلع الفريق " محمّد فوزي "
على نتيجة جولات الاستطلاع و عاد بها الى مصر و أفاد بأنّ صور طائرات
الاستطلاع والاستكشاف لم تظهر أيَ حشود عسكريّة صهيونيّة جديرة بالذكر، و تمّ
تسليم تلك الصور الى المشير " عبد الحكيم عامر" الّذي كان قائداً عامّاً
للقوّات المسلّحة المصريّة, وهو بدوره قام بإيداع تلك المعلومات والصور في خزنته السريّة
و قام بتقديم صورة مغايرة للرئيس عبد الناصر تشير إلى حشود ضخمة للقوات الصهيونية
في مواجهة الجبهة السورية وحتى المصرية؟.
واستنادا على تلك المعطيات الخاطئة قررّ عبد الناصر طرد قوّات الطوارئ
الدوليّة من موقع "شرم الشيخ" , و من حدود قطاع غزّة مع الكيان الصهيوني
في 17 مايو/أيار 1967م , ثم انتشرت القوّات المسلّحة المصريّة بكاملها في مواقعها
في صحراء سيناء في 20 مايو/ايّار1967م , و أخيرا قام عبد الناصر بإكمال وقوعه في
فخّ المؤامرة عندما أغلق" مضيق تيران" في وجه ألملاحة الصهيونيّة
المتّجهة من و الى ميناء "إيلات" بتاريخ 22 مايو/أيار 1967م " في
الأصل قرية "امّ الرشراش" العربيّة والتي احتلت في حرب فلسطين سنة 1948م ).
و بما أنّ ثلث القوّات المسلّحة المصريّة كان يحارب القبائل البدويّة في
اليمن الشمالي سنة 1967م فقد كان نصف القوّات المصريّة المنتشرة في صحراء سيناء
يتألّف من " قوّات الاحتياطي"
الّتي لم تكمل تدريبها العسكري و بالتالي كانت القوات المصرية سنة1967م غير
مؤهّلة للاشتراك في الحرب رغم انتشارها في
سيناء .
و قامت الولايات المتّحدة بخداع
عبد الناصر إذ التمست منه أن يلتزم ضبط
النفس وإلاّ يبدأ بإطلاق النار , و ان يوفد نائب رئيس الجمهوريّة آنذاك
" زكريّا محيي الدين " الى
أمريكا في 5 حزيران 1967م من أجل بدء التفاوض مع أمريكا لنزع فتيل الأزمة , و للمفارقة فقد كان ذالك اليوم
هو اليوم الّذي شنّ فيه
سلاح الجوّ الصهيوني ضربته الجوّيّة على كلّ المطارات
الحربيّة والمدنيّة المصريّة ؟!!!
و استطاع سلاح الجوّ الصهيوني
تدمير 85% من القوّة الجويّة المصريّة
خلال 3 ساعات صباح ألاثنين 5 حزيران 1967م ( شملت الطائرات الحربيّة المصريّة
المدمّرة ألقاذفات الثقيلة الإستراتيجية من طراز " توبوليف/تي يو-16, و
طائرات الشحن الضخمة من طراز " أنطو نوف-12", و قاذفات متوسّطة من
طراز"اليوشن-28" , و المقاتلات القاذفة التكتيكيّة من طراز
"ميغ-15" و"ميغ-17"و "ميغ-19" و"ميغ-21"
و "سوخوي-7" ) ... !!!
و هكذا صار الجيش المصري في سيناء بدون حماية جويّة, والأسوأ من ذلك أنّه
تلقّى يوم 6 حزيران 1967م أوامر بالانسحاب من صحراء سيناء غربا باتّجاه قناة
السويس – بدون دراية جمال عبد الناصر، و كانت تلك الأوامر بالانسحاب صادرة من
المشير عبد الحكيم عامر؟.
و اغتنم الكيان الصهيوني تلك الفرصة الذهبيّة لتحطيم القوّات المسلّحة
المصريّة و قامت طائرات سلاح الجوّ الصهيوني بمطاردة الجيش المصري المنسحب و دمرّته تماما ، و مع
ذلك فقد استطاع اللواء "سعد الدين الشاذلي" التقهقر خلسة ليلا عبر صحراء
سيناء مع فرقته المدرّعة 2 و عاد الى
أراضي مصر مع 80% من قوتّه ...
و يوم الجمعة 9 حزيران 1967م سرى مفعول وقف إطلاق النار على الجبهة
المصريّة و ألقى جمال عبد الناصر خطاب الهزيمة الاستقالة.
و في الجبهة الأردنية دمّر سلاح الجوّ الصهيوني سلاح الجوّ الأردني الّذي
كان يتألّف من 22 طائرة من نوع " هوكر هنتر" – بريطانيّة الصنع ( وفي
الحقيقة طائرة "هوكر هنتر" تمّ صنعها لأغراض مهاجمة المواقع والأهداف
الأرضية, اي باختصار كانت طائرة قاذفة تكتيكيّة و لم تكن مقاتلة لخوض المعارك
الجويّة ) !،و فقد سلاح الجوّ الأردني طيارا واحدا في تلك الحرب وهو الشهيد الطيار
فراس العجلوني.
و أمّا على البرّ فقد اندلعت بعض المعارك العنيفة المتفرّقة في البلدة
القديمة للقدس,وفي بعض نواحي ضواحي مدينة نابلس ، و في المنطقة الجنوبية من الضفّة
لم تحصل معارك تذكر ,حيث سقطت مدينة " الخليل " بدون إطلاق رصاصة واحدة
ضدّ الجيش الصهيوني ،باختصار كانت المعارك البرية متفرقة وليست في مستوى الهجوم
الصهيوني.
وعلى الجبهة السورية كان الوضع العسكري والقتالي في هضبة الجولان مائعا في
الأيام الخمسة الأولى للحرب ، لأنّ الجيش الصهيوني ركّز قوّاته وهجماته الشرسة على
أقوى جبهة في الحرب, الجبهة المصريّة , ثمّ الجبهة الأردنيّة حتّى قبلت مصر
والأردنْ قرار وقف إطلاق النار يوم الجمعة 9 حزيران1967م , و في اليوم التالي ,يوم
السبت 10 حزيران 1967م تدفّق الجيش الصهيوني شمالا و اقتحم هضبة الجولان السوريّة
ولم يلاق مقاومة تذكر, و سقطت هضبة الجولان في أيدي الجيش الصهيوني في يوم واحد
كان آخر أيام الحرب,يوم السبت 10 حزيران1967م عندما قبلت سوريا بوقف إطلاق النار .
وهكذا نزلت الهزيمة بثلاث دول عربيّة في ستّة أيام فقط لا غير و سيطر
الجيش الصهيوني على كلّ صحراء سيناء ما عدا مدينة " بور فؤاد " شرقيّ
قناة السويس, , مثلما سيطر الجيش الصهيوني على قطاع غزّة و الضفّة الغربيّة من
فلسطين والقدس الشرقيّة العربيّة , وعلى هضبة الجولان السوريّة .
فعليا لقد كانت هزيمة العرب مؤلمة و موجعة بقدر ما كانت كارثة كبيرة على
الشعب الفلسطيني،و لم يقدر خلالها للمقاتل العربي أن يخوض حربا حقيقية بل كانت
العملية برمتها هزيمة سياسية و فشل في إدارة الصراع أعقبتها ضربة عسكرية ساحقة كان
يمكن تجاوزها و امتصاص صدمتها لو كانت هنالك خطة فعلية و ميدانية، فقد تعرض سلاح
الجو العربي لمذبحة لا مبرر لها بل لجريمة ارتكبت عن سابق إصرار و ترصد، كما كان
عجز القادة العسكريين و السياسيين كارثيا و مهولا، و لكن الإنسان العربي لم يهزم
أبدا لأنه ببساطة لم يقاتل، وقد رد الجيش المصري رده الساحق و العظيم بعد ستة
أعوام في السادس من أكتوبر 1973 و سحق الغطرسة الصهيونية و أثبت إن الإنسان العربي
ليس مشروعا دائما للهزيمة، و لكن تلك الهزيمة للأسف فرضت معالمها القاسية على مجمل
الوضع العربي رغم انتصار الكرامة في غور الأردن والانتصار الجزئي لحرب عام 1973.
و برغم أن العالم العربي عاش بعد ذلك حروبا و هزائم قاسية بدءا من احتلال
بيروت عام 1982 و حتى احتلال العراق عام 2003 و ما بينهما من الأحداث و الكوارث
إلا أن لهزيمة الخامس من حزيران ( يونيو ) 1967 طعم خاص كالعلقم لن تمحوه الأيام،
فبعد تلك الهزيمة تبدل العالم عند الفلسطينيين والعرب..!
والمشكلة أنْ ذكرى الهزيمة لا يرافقها الاستعداد للنصر بل تمر واقتتال
الأخوة يصاحبه،فأحداث قلقيلية تدمي العين ولم يمر الكثير على أحداث غزة ولكن الدم
يسال اليوم بيد فلسطيني في وقت صعب على الفلسطينيين،فالقضية الفلسطينية لا تزال
جوهر الصراع العربي - الصهيوني، و قوى الإمبريالية العالمية وربيبتها الصهيونية جزئت
الوطن العربي وفتتت قواه التحررية والتنموية في آتون الصراع، ومشاريع التسوية غير
العادلة تجد من يروجها بلا كلل ولا ملل وفرضها على العرب ابتداء بمشروع روجرز بعد
هزيمة حزيران 1967 وانتهاء بما بات يطلق عليه خارطة الطريق والمبادرة العربية
للسلام،لإدراك تلك القوى العظمى المسيطرة أن بقاء هذا الكيان الغاصب هو ضمانة كبرى
لبقاء سيطرتها على مقدرات وثروات الوطن العربي، وتعطيل مشروع النهضة العربية.
مم يملي على الجميع مسؤولية تاريخية في
إنهاء الانشقاق الوطني والمحاصصة و الأحادية الاحتكارية والثنائية، نحو
الحل الوطني للخروج من المأزق بالوحدة الوطنية على أساس البرنامج الوطني الموحد، سعياً
نحو درب الاستقلال والعودة وتقرير المصير،فهو وحده الرد على نتائج هزيمة وتداعيات
الخامس من حزيران/ يونيو1967.
وإلى الشعب الفلسطيني في ذكرى النكسة نقول:
أيها الصابر لا تنكسر
أيها الثائر المكابر لن تنكسر
عليك تتوقف المعاني
فالحرية أنت
والكبرياء أنت
ولا أحد غيرك يحسن شرح المعاني
يا من تمسك الأرض من أطرافها الأخيرة
يا من توسع معنى الوطن وبأكثر من صورة
كم اقتلعوك وكم دمروك وشردوك وسجنوك وصلبوك
وكم فصلوك عن بعضك وكم أحرقوك وحرموك من زيارة ذاتك الممزقة
وكم قيدوك وكم أبعدوك وكم وكم
ولكن في النهاية لا بد لهم من الجنون فوحدك الباقي على الأرض
ووحدك الصامد في الحياة.














من فلسطين