خطاب أوباما الأخير من جامعة القاهرة يؤكد سياسة طالما أكدها أوباما في إثناء حملته الانتخابية من إستراتيجية جديدة تقوم على التغيير وبناء علاقة غير مسبوقة مع العالم العربي والإسلامي ،تلك العلاقة التي حطمها سلفه بوش الصغير في حربه على العراق واحتلاله لتأمين إمدادات النفط لدوران عجلة الاقتصاد الأمريكي،ومن ثُمَ دعمه اللا محدود للكيان الصهيوني، ليبقى متفوقاً عسكرياً ومتغطرساً ضد أي مبادرة عربية،متبعاً ذلك بفرض سياسته رغم أنوف العرب ومعاناة الفلسطينيين،دون التفات لمبادرات العرب وتنازلاتهم واضعاً في ذهنه بناء الإمبراطورية الأمريكية.
وسقط بوش، وأتى أوباما طارحاً أموراً جديدة، جميلة في لفظها، ولكنها من الوجهة الأخرى مثيرة للاستغراب، فأين التغيير وأوباما لم يطرح سوى كلام،فهو يقول " الولايات المتحدة الأميركية ليست في حرب مع الإسلام، وأنها لن تكون معه في حرب، وأن العلاقات الأميركية ـ الإسلامية لابد أم تقوم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة".كلام جميل ،ولكن ما موقفه من احتلال الكيان الصهيوني لأراضي الفلسطينيين والتنكيل بهم ،فهل يكفي الكلام عن مدح الإسلام والاستشهاد ببعض آيات القران الكريم،أم أنَ مأساة اليهود في الهلوكوست الذي استشهد به ،ولم يكن للمسلمين أو العرب الفلسطينيين يدٌ فيه،هو تكفير من الفلسطينيين عن ذنب لم يرتكبوه،أم أنه يرى أنَ من واجب المسلمين والعرب أن يدفعوا فاتورة جريمة أوروبا بحق اليهود.
وفي موضوع العراق كرر حديثه عن ضرورة تحمل العراقيين مسئولية إدارة بلادهم،وعن سحب القوات الأميركية ،ولكنه نسيَ أنَ وعوده كانت بالسحب الفوري لقوات الاحتلال الأمريكي من العراق وهو الآن ينفذ ما وقعه سلفه بوش مع الحكومة العراقية في الاتفاقية الأمنية سيئة الصيت والسيرة.
حتى لا نتهم بالتشاؤم ،فإننا نستبشر رغم ذلك بتغيير جزئي في سياسة البيت الأبيض في المنطقة العربية، فأوباما لم يذكر كلمة الإرهاب مثلاً ،ولا الحرب الأميركية على الإرهاب، ولكنه استعاض عنها بالحديث عن التطرف والعنف،وفي هذا تغيير لفظي قد يحمل مدلولات سياسية مستقبلاً ، وهو سلاح طالما استخدمه سلفه بوش ضد العرب والمسلمين،كما احتل البعد التنموي والتعاون العلمي والتكنولوجي محورًا مهمًّا في السياسة الخارجية الأميركية تجاه العالم الإسلامي بعد فترة من النظرة الأميركية الاستعلائية إلى العالم الإسلامي، وإلى العالم الإسلامي على أنه تهديد للمصالح والأمن القومي،ويؤكد أوباما دوراً لإدارته في تخفيف بعض القيود على ممارسة المسلمين لطقوسهم وشعائرهم سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها من ارتداء المرأة المسلمة الحجاب وتخفيف القيود على إخراج المسلمين لفريضة الزكاة، وتحمل الإدارة الأميركية مهمة تغيير الصورة النمطية السلبية عن المسلمين أينما ظهرت،وهو وإنْ تحدث عن المسلمين فهو يقصد العرب أيضاً وهو الذي يوجه حديثه من منبر جامعة القاهرة في عاصمة المعز لدين الله.
ولكن تحسين صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي ليست من الأمور السهلة، خاصة أن الصورة السلبية لواشنطن لم تتكون بين عشية وضحاها ولن تتبدل بين ليلة وضحاها،وأن نجاح الدبلوماسية العامة الأميركية لا يمكن أن تنفصل عن الدبلوماسية الرسمية،ولا تعني سياسة أوباما اللفظية مع تراجع التأييد للولايات المتحدة الأميركية في العالم الإسلامي وتدهور الصورة الأميركية، والسياسة الأميركية التي كانت وراء هذا التدهور والتراجع في المكانة الأميركية تغييرًا في ثوابت السياسة الخارجية الأميركية. فالقراءة التاريخية للسياسة الخارجية الأميركية تجاه العالم الإسلامي وفي القلب منه الشرق الأوسط منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى بدايات القرن الحادي والعشرين تكشف أن سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة على اختلافها، ديمقراطية وجمهورية، لم تتغير بصورة جوهرية، فهناك مصالح إستراتيجية ثابتة منها أمن الكيان الصهيوني،والنفط ،وهذي مصالح لم تتغير كثيرًا على اختلاف الإدارات، وهو ما أسس صورة بنيوية ثابتة للسياسة الأميركية تجاه قضايا الشرق الأوسط، ولذا فإن أي تغيير في السياسة الأميركية تجاه قضايا العالم العربي والإسلامي سيكون تغييرًا تكتيكيًّا وليس استراتيجيًّا.
ولكن الخطاب لأهمية المكان والزمان يحمل مدخلاً للتصحيح،وهذا بالتأكيد ما يحتاج إلى التمحيص،فالحقيقة أنَ العلاقات مع الولايات المتحدة مرت بين جزر ومد، وجاءت القضية الفلسطينية لتوترها منذ التقسيم وطوال المراحل التالية، فكراهية أميركا متأصلة في الشارع، فهل نحن مقدمون على هدنة مؤقتة مع أوباما، بانتظار ما ستحمله الأيام من تأكيد عملي لسياسته في العالمين العربي والإسلامي؟.
لقد كان العراق ،وما يزال هو ورقة الجوكر في السياسة الأمريكية،وأثبتت الانتخابات الأمريكية ذلك، فسوء إدارة بوش الصغير أودى بحزبه بعيداً ،وقضى على فرص ماكين بالوصول إلى سدة الحكم في البيت الأبيض لصالح الأمريكي من أصل إفريقي أوباما،مما يتطلب من الإدارة الأميركية الجديدة إستراتيجية تسمح لها بالخروج من حالة الاستنزاف العسكري والسياسي والاقتصادي التي تواجهها هناك في أسرع وقت ممكن،أما في الملف السوري فلا بد من انفتاح أميركي على سوريه، وهو بالقطع تطور مطلوب لدعم استقرار المنطقة المزعزع، والقاعدة نفسها تنطبق على الوضع في إيران،وأفغانستان و الحرب على الإرهاب ،فعندما تجنح أميركا للسلام، سيعم السلام العالم، وعندما تعتمد واشنطن أسلوب الحوار تصبح العواصم العالمية الأخرى في مزاج حواري إيجابي ويصبح من الممكن الحديث عن عالم أكثر أمناً واستقراراً رغم أنه يعيش واحدة من أصعب اللحظات على الصعيد السياسي والاقتصادي.
فهل سيكون أوباما قادراً على اتخاذ القرارات غير المنحازة وغير المتأثرة باللوبي الصهيوني ،وسيكون على عكس جورج بوش الصغير رجل سلام وليس رجل حرب، وسيدير العالم إدارة جماعية عاقلة وليس إدارة أحادية هوجاء، وسيسعى إلى الوفاق والحوار بدلاً من الصراع والصدام ، وسيعتمد الأسلوب الدبلوماسي بدلاً من الأسلوب العسكري في التعامل مع الخلافات والأزمات والقضايا العالمية الساخنة والصعبة التي جعلها جورج بوش أكثر سخونة وصعوبة؟.هذا ممكن فهناك تغييراً لفظياً على الأقل في سياسة أوباما عن سلفه بوش رغم وجود قوى الجذب العكسي في إدارته الجديدة والتي قد تقف حائلاً بين أوباما ورغباته بتحقيق التواصل مع أبناء العالمين العربي والإسلامي.وأوباما في تحركه لا يخفي أثر الأزمة الاقتصادية العالمية في حديثه عن التنمية والشراكة وتبادل المنفعة، ،وهو بذلك يريد للعلاقات الاقتصادية الأمريكية العربية،والأمريكية مع العالم الإسلامي أنْ تتقدم في ظل إفلاس للعديد من المؤسسات الاقتصادية الأمريكية العملاقة.
وخلاصة القول أنْ خطاب أوباما قد يكون حداً فاصلاً مابين الحادي عشرْ من سبتمبر وما تلاه،ولكنه بالتأكيد لن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء،فبخطاب أوباما استطاعت واشنطن أن تخفف بعضاً من الخراب الذي نتج عن الإدارة الخرقاء لجورج بوش لأزمات هذا الجزء من العالم، كما أنها لم تعتذر أيضاً، بل لم يترتب عليها أي التزامات قد تعجز عن الوفاء بها، و استطاعت أن تحصد الكثير من الإعجاب والتأييد، بعدما كانت مرادفاً للكراهية والصور السلبية الممقوتة بين شعوب العالم الإسلامي، وهو مكسب كبير بدون تكلفة ؟.
ولكن يبقى التفاؤل بأن قوى العقل العربي التي تدعو إلى بناء مقومات الذات وتحقيق التكافؤ مع الولايات المتحدة الأمريكية على شاكلة دعوة القائد الأممي معمر القذافي لبناء الفضاء العربي الإفريقي هو فقط ما يمكن أن يحقق المستحيلات ويمكن وقتها أن نقول أنَ العجلة قد بدأت تدور، وأن شمعة قد أُضيئت، وفي النهاية فإن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.
وهكذا تستقيم الحكمة العربية والمنطقية بأننا نحن العرب والمسلمين بحاجة إلى رئيس أمريكي فعَال يحقق العدل ولا يميل مع الهوى،لا إلى واعظ قوَال.












