نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
"ديمقراطيات الكوارث"

  

إفريقيا والديمقراطية الغربية

 

بقلم :ا.د إبراهيم بو خزام

 

قد يكون من المستغرب استخدام مصطلحي الكارثة والديمقراطية في عنوان واحد، فالشائع أن الديمقراطية هي الطريق الأمثل للاستقرار والتطور والازدهار واحترام حقوق الإنسان، ومن الممكن، وللوهلة الأولى ، حمل هذا الاستخدام على أنه وجه من وجوه الإثارة.

 

إن الإثارة ، لم تكن على أي نحو ، جزء من مبتغاي عند استخدام مصطلح "ديمقراطيات الكوارث" ، فقد اخترت هذا العنوان بعد تأمل مستمر في نتائج تطبيق الديمقراطية الغربية في بلدان العالم الثالث.

 

إن تطبيق الديمقراطية الغربية في مجمل بلدان العالم الثالث قد أفضى إلى إحدى نتيجتين لا ثالث لهما هما، الغرق في الكوارث، أو التطبيق الظاهري والشكلي لتبرير نظام الطغيان والاستبداد منذ أكثر من عشر سنوات كتبت كتاباً صغيراً بعنوان " الديمقراطية الغربية والعالم الثالث، دب قطبي في أدغال استوائية"(1)

 

ذهبت في استنتاجه الرئيسي إلى إن تطبيق الديمقراطية الغربية في العالم الثالث قد فشل فشلاً ذريعاً، وهي أغرقت بلدان العالم الثالث في سلسلة من الأزمات والكوارث، وبدت لي هذه الديمقراطية مثل من يأتي بدببة الشمال المتجمد لتعيش في أدغال إفريقيا وصحاريها.

 

إن النتيجة المؤكدة لمثل هذه المحاولة ستكون نفوق الدببة. وهذا هو حال الديمقراطية الغربية عند تطبيقها في بلدان العالم الثالث .

 

ومنذ تاريخ ذلك الكتاب عام 1997 مسيحي لم تتزعزع قناعتي ، بل أنها ازدادت رسوخاً، ليس بفعل التأملات النظرية المجردة، بل بالمزيد من الملاحظة العلمية لنتائج هذه التجربة ، فمنذ عام 1997 والى اليوم انغمست بلدان جديدة في الصراعات والأزمات والحروب الأهلية وقد أصبح بعضها على مشارف الكارثة . والسبب الرئيسي هو انتهاج سبيل (ديمقراطية الكوارث) .

 

لقد انغمست بلدان عديدة في الصراعات والحروب والانقلابات بعد أن استدعت النموذج الغربي للديمقراطية وحاكته ، فتبنت قيمه النظرية وشيدت

 

على غرار مؤسساته ، مجالس نيابية ، وأحزاب ، ودساتير وحكومات ، ونظم انتخاب ، ومنظمات للمجتمع المدني ،ونظام ما يعرف بالصحافة الحرة ، وغير ذلك من آليات النظام الغربي .

 

لقد كان "غوستاف لوبون" على حق عندما قال أن تطبيق الديمقراطية الغربية في العالم الثالث قد أدى إلى علاقة تشبه علاقة القرود بالفلاح الإفريقي .

 

فقد اعتادت قرود إفريقيا محاكات الفلاحين عند ما يبنون أكواخهم ، والواقع أن هذه القرود قد تتقن بناء الأكواخ ، لكن عندما يحل المساء ، فإن الفلاح الإفريقي ينام داخل كوخه أما القرد فأنه ينام فوقه . فالواقع كما يرى "لوبون" انه يتعذر على الأمة أن تختار نظمها قبل أن تغير روحها . (2)

 

أن المقام لا يتسع لإجراء بحث موسع لإثبات هذه الأطروحة الواضحة تماما، لذلك فان ما اعرضه يتعلق بالإجابة عن سؤال رئيسي يتعلق بمصدر العطب ، هل يكمن العيب في الديمقراطية نفسها ؟ أم أن الأمر يتعلق ببلدان العالم الثالث ، التي اختارت النظم قبل أن تغير الروح ، كما يقول "لوبون" ؟ ولماذا نجحت الديمقراطية الغربية في أوطانها وفشلت في بلدان العالم الثالث؟ وذلك بافتراض نجاحها في العالم الغربي ، وما هي أسباب هذا الفشل في العالم الثالث؟

 

وماذا علينا أن نفعل لتتوافق النظم مع طابع الأمم وروحها؟

وللإجابة على هذه التساؤلات نقول ..

 

الديمقراطية الغربية.. تعارض القيم مع بناء المؤسسات

 

ليس في نيتي الغوص كثيراً للمجادلة في مقار المضمون الديمقراطي للنظام الغربي ، وهو نظام في نظري يتباعد مع تطور الزمن عن المضمون الديمقراطي الحقيقي ، وهذا ما سأعود إليه لاحقاً ، فمقدار المضمون الديمقراطي للنظام النيابي ضعيف أصلاً، عند استخدامنا للقياس التاريخي ، فالديمقراطية في الأصل هي نظام الحكم الشعبي الذي ينخرط فيه كل مواطن بنفسه مباشرة دون نيابة أو تمثيل ، وهو النظام الذي ابتدعته أثينا ومارسته ردحاً من الزمن ووصفته بهذا الوصف   (الديمقراطية) ، فهو نظام محدد الخصائص معروف المؤسسات والقيم ، فإذا استدعينا هذا الشاهد التاريخي، فأنه سيظهر لنا مقدار التباعد بين الديمقراطية والنظام الغربي .

 

أننا سنقبل، إلى حين حجج دعاة النظام الغربي ، الأسباب العلمية الداعية للابتعاد عن النظام الديمقراطي المباشر فحجم الدولة الحديثة – كما يقولون – جعل تطبيق الديمقراطية أمرا مستحيلا، كما أن قرون الطغيان والاستبداد التي أعقبت نكسة الديمقراطية المباشرة ، لم تكن تسمح بالعودة للديمقراطية الكلاسيكية، وهكذا فقد كان النظام النيابي هو الحل العلمي من أجل الديمقراطية الجزئية على الأقل حيث لم يمكن العودة إلى المنابع الصافية للديمقراطية .

 

لقد كان من المقبول لثورات القرن الثامن عشر، الثورة الأمريكية عام 1776، والثورة الفرنسية عام 1789م، كان مقبولا منهما اللجوء إلى اختيار النظام النيابي لسببين رئيسيين هما محاولة الاقتراب من النظام الديمقراطي بتطوير فكرة التمثيل وعدم وجود تصور آخر للديمقراطية المباشرة.

 

إن عدم وجود تصور لنظام الديمقراطية المباشرة ،قد اجبر الثورات الغربية على اللجوء إلى النظام النيابي،  بعد أن فشل فلاسفة الغرب في أبتداع نموذج ديمقراطي حديث ، فحتى "جان جاك روسو" وهو أشهر الفلاسفة معارضة للنظام النيابي وبغضا له، بعد أن قال عنه " عندما تصبح الخدمة العامة وقد تحول عنها الموطنون ، ولم يعدوها أهم أعمالهم وأجدرها بالمزاولة ، وعندما يؤثرون بذل مالهم دون أشخاصهم ، تصير الدولة إلى خراب قريب . إذا وجب عليهم أن يسيروا إلى الحرب ، استأجروا جنوداً وقبعوا في دورهم، وإذا أقتضى الأمر أن يذهبوا إلى مجالس الشورى، عينوا نواباً ولزموا بيوتهم، فهم بكسلهم وتراخيهم يجندون في أخر الأمر، جنوداً ليستعبدوا الوطن ، وممثلين ليبيعوه. (3)

 

  حتى (روسو) اعترف بالفشل في إيجاد بديل للديمقراطية النيابية ، فالثابت تاريخياً ان حكومة بولندا، وقد كانت أقرب حكومة للديمقراطية في عصره، قد استدعته الاستعانة به في تشييد نظام أكثر ديمقراطية، وطالبته بوضع تصورات علمية لتنفيذ أفكاره ، غير انه اعتذر ولم يقدم سوى بعض النصائح لتحسين الديمقراطية النيابية، فالدولة الديمقراطية الكاملة، في راية، لن تكون سوى دولة الملائكة.

 

هكذا اذاً أجبرت دول الغرب ، نتيجة للتصور الفكري من جهة وعدم القدرة على الإبداع من جهة أخرى إلى تبنى النظام النيابي .

 

ان المنصفين من الساسة والمفكرين الغربيين يعترفون صراحة بالتباعد الشديد بين الديمقراطية النيابية والديمقراطية الحقيقية، فقد وصف "ونستون تشرشل" النظام النيابي بأنه "من أسوأ الأنظمة بإسثتناء كل الأنظمة" فهو في نظر تشرشل نظام سيئ لكنه الأفضل عندما يقارن بأنظمة الطغيان والاستبداد ،كما أن السيدة "دوروثي بيكلس" وهي أستاذة انجليزية مرموقة في العلوم السياسية تذهب الى ان "النظام النيابي ليس إلا ديمقراطية تقريبية، ولكنه بالمعني الديمقراطي التاريخي ليس إلا نظام آخر".

 

ان عشرات الساسة والمفكرين، وبعضهم سأورد آرائهم فيما بعد ، يعترفون بالفجوة العميقة بين النظام النيابي والديمقراطي، لكن الأولوية في هذا البحث هي محاولة تحديد مراكز التصادم بين النظامين ومحاولة إجراء تقييم تاريخي للنظام النيابي، من حيث تطوره في اتجاه الديمقراطية أو انتكاسه المستمر عنها. 

 

مراكز التصادم بين الديمقراطية والنظام النيابي

ان مراكز التصادم بين الديمقراطية والنظام النيابي كثيرة ومتنوعة لكنني في هذا البحث لن أتناول، وبإيجاز، سوى الجوهري والمهم منها وهي:-

 

1.    ان مركز التناقض الجوهري والأصلي، يكمن في نقطة الانطلاق، فالنظام الديمقراطي التاريخي والحديث يقوم على "المباشرة" اما النظام النيابي فهو يقوم على مبدأ "التمثيل" فالأول يقوم على  "سيادة الشعب" والثاني على "سيادة الأمة " ، وتعني سيادة الشعب ممارسة السيادة من قبل كافة الموطنين وليس بصورة رمزية ومعنوية يجري التعبير عنها في أحيان قليلة ، بل هي ممارسة تتصف بالمباشرة الفعلية والاستمرار في هذه الممارسة، أما سيادة الأمة ، فهي لا تترك للشعب غير الممارسة الرمزية والمعنوية معتبرة إياه مصدر للسلطة ومستودعها دون قدرته على مباشرتها إلا في أوقات متباعدة، هي أوقات الانتخاب.

 

2.    تضييق التعددية..

 

تفخر الديمقراطية النيابية بأنها نظام تعددي ، لكن هذا الادعاء ، عند الفحص الدقيق، يتكشف زيفه، فالديمقراطية النيابية، في الواقع لا تنطوي على أي مضمون تعددي حقيقي، وهي بمعيار التعددية، تأتي في المرتبة الثانية بعد أنظمة الاستبداد، من حيث محدودية التعددية ، فإذا كانت الأنظمة الاستبدادية لا تنطوي إلا على الرأي الواحد، فإن الأنظمة النيابية محدودة التعدد، والواقع ان المزيد من التحليل ، يظهرها كالأنظمة الاستبدادية      تؤول ، في نهاية المطاف إلى الرأي الواحد .

 

ان الأنظمة النيابية الحديثة تعتمد على قيام الأحزاب السياسية كأطر لتنظيم الآراء الفردية ، فالادعاء الغربي يقوم على ان الأحزاب السياسية هي الأداة الفعالة لتنظيم آراء الفردية المعبرة عن المصالح الخاصة ، لكن الواقع أن ظهور الأحزاب صادر التعددية من الناحية الواقعية، وفي ظل الأنظمة الحزبية، فأن التعددية المحدودة لا تظهر إلا في فترات الصراع على السلطة والاستعداد للانتخابات العامة، حيث يقوم شكل من أشكال التعددية عن طريق ما تطرحه الأحزاب من برامج، ولكن فور انتهاء الانتخابات وتكوين المجلس النيابي وتشكيل الحكومة، يعود النظام النيابي إلى طبيعته، ليصبح المجتمع محكوماً برأي واحد هو رأي الحزب الحاكم ، ولا ينال من هذه الحقيقية وجود حزب أو أحزاب أخرى معارضة للحزب الحاكم في المجلس النيابي ، فهي وان كانت تستطيع التعبير عن معارضتها نظرياً، إلا ان السلطة الحقيقية المترجمة الى تشريعات وسياسات تكون بين يدي الحزب الحاكم الذي تحكمه رؤية واحدة أو عقيدة واحدة وزعامة واحدة.

 

ان ما آلت إليه الأمور، في معظم الأنظمة النيابية، هو وجود أحزاب محدودة ، وفي اغلب الأحيان حزبين رئيسيين يتصارعان على الحكم ويتبادلان السلطة، فبريطانيا محكومة بحزب المحافظين أو العمال والولايات المتحدة محكومة بالجمهوريين او الديمقراطيين وتلك هي حدود التعددية .

 

ان ما يضاعف هذه المحدودية، هو ما ابتكرته النظم النيابية من فكرة "الانضباط الحزبي" وهو ما الحق بالنظام النيابي المزيد من التدهور.

 

وتقضي فكرة الانضباط الحزبي بالتقيد التام بأفكار الحزب وأطروحاته ومواقفه والتصويت ، عند اتخاذ القرار، وفق توجيهات الحزب وليس حسب وجهة نظر النائب او وفق ما يمليه عليه ضميره.

 

أن النظام الديمقراطي المباشر يقوم على التعددية الواسعة، فكل فرد من أفراد المجتمع هو جزء من هذا التعدد، وهذا النظام لا يقبل الأحزاب أو يسمح بقيامها، فالحزب أداة دكتاتورية حديثة تتناقض مع قيم الديمقراطية وممارستها .

 

ان النظام النيابي نفسه كان يمكن أن ينطوي على قدر من التعددية ، بافتراض إطلاقه العنان للنواب للتعبير عن آرائهم والتصويت وفق قناعاتهم ورؤيتهم للمصلحة العامة.  

 

3- صورية المجالس النيابية وهامشية دورها .

يقوم النظام النيابي على دعامة أساسية هي ممارسة السيادة من قبل نواب الشعب ، فالشعب الذي لا يستطيع ممارسة السيادة بصورة مباشرة، فان ممارستها يجب أن تؤول إلى ممثليه على الأقل ، غير إن ما آل إليه النظام النيابي هو التنامي السديد لدور الحكومات على حساب المجالس النيابية التي تحولت إلى أجهزة لإضفاء الطابع الشرعي على إعمال الحكومات ، فرغم الصورة البراقة التي تحاول إيهامنا بان المجالس النيابية هي مستودع السلطة ومحط السيادة إلا إن التحليل القانوني يظهر هشاشة دور البرلمانات .

 

إن الأمر لا يستحق التفكير الواسع آو التحليل المعمق لإثبات محدودية دور البرلمانات مقارنة بالحكومات ، وهي غير منتخبة شعبيا.

 

إن البنيان الدستوري الحديث ، في جميع الدول النيابية، بصرف النظر عن أنواعها ، يظهر بصورة واضحة وصريحة أن السلطة التنفيذية هي المحرك الفعلي للدولة المعاصرة، فالنظرة السريعة للدستور الفرنسي تبين إن الحكومة وليس الجمعية الوطنية هي المشروع والسيد الحقيقي، وليس للجمعية الوطنية غير دور تشريعي محدود مقارنة بتشريعات الحكومة ، وفي بريطانيا فإن الوزارة المصغرة "الكابنت" هي السلطة الحاكمة ، وحتى الولايات المتحدة ، التي يقوم نظامها على أساس فصل السلطات ، فان الرئيس وحكومته هما من يمارس السيادة والتشريع.(4)

 

أن تحليل النظم النيابية بالدقة السياسية والقانونية يظهر المزيد من مراكز التناقض بينها وبين الديمقراطية الحقيقية، وهي مراكز تعمق وباستمرار هذا التباعد ، فظهور الأحزاب وقوى الضغط وسطوة وسائل الإعلام الخاصة وتزايد أهمية رؤوس الأموال في صناعة الحكم اضعف بدرجة خطيرة النظام النيابي وذهب بما تبقى من روح الديمقراطية فيه.

 

أن هذا يقودنا إلى إجراء تقييم تاريخي لأداء النظام النيابي، حيث تطوره أو انتكاسه....

 

النظام النيابي مزيد من التدهور

كما قلت سابقاً، فان المضمون الديمقراطي للنظام النيابي كان ضعيفاً في الأصل عند استخدامنا للقياس التاريخي، ومع ذلك فان هذا النظام يسير نحو المزيد من التدهور .

 

 

 

لقد مر النظام النيابي ، خلال تاريخه ، بثلاثة أطوار رئيسية ، الطور الأول هو طور البناء الذي استمر معظم القرن التاسع عشر وكانت ديمقراطية مولودة ضعيفة لكنها أكثر صفاء من نظام اليوم ، كانت نيابة صادقة وأكثر تمثيلاً للطبقة البرجوازية الحاكمة ، لم تتشوه كثيراً بألاعيب الأحزاب وسطوة رأس المال وكان يمكن أن تتطور في طورها الثاني في النصف الأول من القرن العشرين عندما وسعت حق الاقتراع العام وابتكرت وسائل جديدة للاقتراب من النظام الديمقراطي  كالاستفتاء والاعتراض الشعبي ...

 

إن النظام النيابي بدأ يتدهور بشكل شديد في النصف الثاني من القرن العشرين ليتحول إلى احد إشكال الأنظمة الطغيانية ويتجرد من الثقة ليس من الجماهير التي أصابها الإحباط واليأس بل من المفكرين والسياسيين الذين فقدوا الأمل في تطوره.. في مطلع الستينيات كتب الأستاذ الفرنسي الأصل الأمريكي الجنسية " أموري.د.رينكور" كتب أحد أفضل الكتب في تقييم الديمقراطية الغربية ، كتابه "القياصرة القادمون" انتهى فيه إلى إن النظام النيابي قد بدأ في التحول نحو النظام القيصري، وهو تحول لن يتم عن طريق الثورة والاستيلاء على السلطة بالقوة أو نتيجة لطموح فرد طموحاً جارفاً ، بل أن النظام النيابي سيتحول بشكل غير محسوس للحكم الأوتوقراطي..

 

وتقوم أطروحة "رينكور" على المقارنة التاريخية بين ما آلت إليه الديمقراطية الكلاسيكية في اليونان إلى الحكم القيصري في الإمبراطورية الرومانية ، وما ستؤول إليه الأنظمة النيابية التي نشأت في أوروبا إلى القيصرية الحديثة التي ستنشأ في أمريكا .

 

ان أوروبا اليوم هي يونان العصور القديمة وأمريكا اليوم هي روما العصور القديمة ، ومثلما ظهرت الديمقراطية وازدهرت في اليونان وانتكست في العصر الروماني وتحولت الى القيصرية ، فأن التاريخ سيعيد نفسه ، فالنظام النيابي الذي ظهر في أوروبا، في الطور الديمقراطي الأول ، بدا ينتكس في الإمبراطورية الرومانية الحديثة ، الولايات المتحدة الأمريكية ، مهد الحكم القيصري الحديث.

 

ان تحليلات "رينكور" لا تستند فقط على المقارنة التاريخية ، بل على التحليل المعمق لسير مؤسسات الحكم النيابي التي تميل الى التركيز المستمر للسلطة في يد الأقلية ثم الفرد وذلك بشكل بطئ وغير محسوس ثم تتسارع وتيرته بالحروب والثورات والأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

 

ان تحليلات "رينكور" قد صدقت تماماً عندما يقول "سوف يظهر قياصرة المستقبل في واشنطن لا في لندن أو باريس أو برلين" فالواقع ان النظام النيابي الأكبر قد أصبح نظاماً قيصرياً تتركز فيه السلطة في الواقع. في يد رجل واحد .

 

ان "رينكور" ليس مفكراً معزولاً فقد ظهرت في العالم الغربي سلسلة من الكتابات المشابهة ، وهي مازالت تتدفق ، ومن بينها ما كتب الأستاذ الفرنسي "جان ماري جيهنيو" في كتابه الشهير "نهاية الديمقراطية" فالديمقراطية الغربية في نظره في طريقها للنهاية لأسباب ذاتية كامنة فيها وعلل تنخرها من الداخل ، وهي في حقيقتها ليست نهاية التاريخ ، كما ذهب البعض ، بل أنها ليست سوى فصل من فصول تاريخ التطور البشري وتنظيمه السياسي، لذلك فأنه يدعو إلى البحث عن نظام ديمقراطي حقيقي يقوم على أسس عقيدة جديدة تستوحي من العصر المؤسساتي الآفل ، قاصداً العصر اليوناني.

 

إنني لا أريد الإفاضة ومتابعة ما يقول أهل الفكر والسياسة في العالم الغربي عن أزمة هذا النظام ومحنته ،بكفي ان نحيل على "الفن توفلر" عن تحول السلطة الحاجة الى قفزة جديدة للتاريخ "نعوم تشو مسكي" في "ردع الديمقراطية" وختاماً ما يقول "جيسكارديستان" في "الديمقراطية الفرنسية" أو الرئيس السابق "جاك شيراك" في كتابه المعروف "فرنسا جديدة فرنسا للجميع" ، فكلهم يجمع على أزمة هذا النظام والحاجة إلي تغييره، أما كيف ؟ فذلك لا يعلمونه بدقة..

 

عودة إلى تناقض القيم والمؤسسات...

إن مكمن الخلل في النظام النيابي والفكر اللبرالي بشكل عام هو حجم التناقض الهائل بين ما يطرحه من قيم نظرية وعجز المؤسسات التي يقيمها عن استيعاب هذه القيم وترجمتها علمياً، فلا يمكن الجدل كثيرا حول سلامة معظم القيم النظرية المطروحة في الفكر الغربي ، لكن المؤكد هو عطب المؤسسات وعدم مقدرتها على التجاوب وتجسيد ما هو مطروح من قيم نظرية وكذلك في كل الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

إننا في هذا البحث القصير، لا يمكننا عرض جميع القيم النظرية وكيفية تناقضها مع المؤسسات المقامة لتجسيدها، لكننا نورد بعض الأمثلة التي يصح القياس عليها لإظهار التناقض بين القيم والمؤسسات.

 

* المشاركة السياسية:

 

تزعم النظم النيابية إن هدف النظام النيابي هو إقامة نظام يقوم على المشاركة السياسية بإتاحة الفرص أمام الموطنين جمعياً بالمشاركة في الشؤون العامة وتتضمن الدساتير النصوص الواضحة التي تعطي الموطنين حق المشاركة على قدم المساواة وعدم حرمانهم من تولي الوظائف العامة أو ترشحهم للمجالس النيابية، فما من دستور يحرم على المواطنين هذه الحقوق، إلا بشكل ضيق ، ولتجسيد هذه المشاركة فقد أقيمت المجالس النيابية والحكومات للتمتع بهذه الحقوق ، وهي مفتوحة إمام الموطنين جميعاً ، ان القيمة النظرية هنا سليمة تماماً، أما المؤسسة السياسية "المجلس النيابي" فهو عاجز تماماً عن تجسيد هذه المشاركة ، فحق المواطن ، هنا يغدو نظرياً لا قيمة له فأقصي ما يتيحه النظام النيابي للمواطن هو حق الانتخاب كتعبير عن المشاركة، فإذا أضيف إلى ذلك الأعباء المالية، وهي كبيرة جداً، في العصر الحديث ، فإن التناقض يظهر جلياً بين القيمة النظرية والمؤسسة التي شيدت من اجل تجسيدها.

 

 

* حرية التعبير:

 

تزعم النظم النيابية أنها نظم تضمن حرية التعبير ، فكل مواطن الحق في التعبير عن رأيه والجهر به وتضمن الدساتير والقوانين هذه الحرية وتسمح من اجل ممارسة هذه الحرية ، بإنشاء الصحف الحرة ووسائل الإعلام المختلفة، فالمواطن حر في إقامة هذه الصحف واتخاذها منابر للتعبير عن رأيه والدفاع عن أفكاره.

 

ان القيمة النظرية هنا سليمة تماماً، إما مؤسسة تجسيدها فهي معطوبة كلياً ، فحرية إنشاء الصحف أو المجلات والإذاعات مجرد حرية نظرية لا قيمة لها في ظل نظام احتكاري من الناحية الواقعية لا يسمح لغير الأغبياء بإقامة هذه المؤسسات وبالتالي فان حرية التعبير تصبح لهم وحدهم.

 

 * حرية الملكية:

 

تدعي النظم الليبرالية احترامها وتقديسها لحرية الملكية للمواطنين على قدم المساواة وتضمن ذلك نصوص الدساتير والقوانين، فالمواطن له حرية التملك وبدون حدود، لكن الملكية كغيرها من الحقوق والحريات لا تتجاوز الحق النظري ، فطبيعة النظام الاقتصادي الاحتكارية لا تسمح لغير القلة واقعياً، بالتملك فهم وحدهم من يملك ومن يحكم في نهاية المطاف، فالتناقض واضح تماماً بين الأطروحة النظرية والمؤسسة المفترضة للتعبير عنها.

 

  ان معددناه ليس سوى أمثلة يصح القياس عليها ، فالخلل الأساسي في النظام النيابي هو التناقض الصارخ بين قيمه ومؤسساته، وعجز هذه المؤسسات عن تجسيد هذه القيم وتفعيلها علمياً .

 

نتائج التطبيق العلمي للديمقراطية الغربية في دول العالم الثالث

 

بصرف النظر عن نتائج تطبيق الديمقراطية في العالم الغربي، فلا جدال في أن تطبيق هذا النظام في بلدان العالم الثالث قد انحدر بهذه البلدان نحو الكوارث والتوترات والصراعات المريرة والحروب الأهلية الطاحنة، وكل تطبيق جديد لهذا النظام في بلد ما من بلدان العالم الثالث يؤكد هذه الحقيقة، بل إن هذا النظام قد أصبح الوصفة الجاهزة لتخريب هذه البلدان والطريق المأمون لزعزعة استقرارها .

 

  ان الدول الغربية التي رفعت خلال السنوات الماضية شعارات الإصلاح السياسي حثت على انتهاج الأسلوب الغربي كسبيل لهذا الإصلاح كانت تمارس عملية تخريب واعية لبلدان العالم الثالث لخلق التوترات والصراعات مما يمكنها من السيطرة عليها ويمنحها حق التدخل في شؤونها الداخلية والعبث باستقرارها وضمان تبعيتها الدائمة، فالدول الغربية التي أجبرت على الخروج المادي من مستعمراتها القديمة لم تعجز عن إيجاد حيل جديدة لعودتها الاستعمارية ، وقد رأت أن أفضل سبيل لذلك هو إغراق مستعمراتها القديمة في الصراع والفوضى ، كما أدركت إن أفضل طريق لذلك هو حثها على انتهاج الأسلوب الغربي .. لذلك فقد تعالت في السنوات الماضية دعاوى الإصلاح وهي دعاوى لتوفير الغطاء الأخلاقي لهذا الإفساد والتخريب المتعمد لبلدان العالم الثالث .

 

    إننا في هذا البحث لن نتابع "ديمقراطيات الكوارث" في مختلف بلدان العالم الثالث بل نكتفي بأمثله بارزة، ونعرض لبعض الحالات التي يبدوا إن شروط نجاحها كانت أفر من غيرها، ومع ذلك فقد قادت هذه التجارب إلى كوارث وطنية مريعة.

 

ففي لبنان الذي يبدو متوفرا على أفضل شروط الديمقراطية، انحدرت هذه البلاد نحو الكارثة والحرب الأهلية منذ فجر استقلالها، وهي إلى اليوم منغمسة في كارثة وطنية تبدو بلا نهاية.

 

  إن لبنان هو بلد غني روحيا وثقافيا وماديا، وقد كانت قبل الكارثة مزدهرة اقتصاديا واستطاعت ان تبلغ درجة عالية من التطور الحضاري والثقافي، إذ بلغت المستوى الأوروبي تقريباً، فظهرت فيها وفرة اقتصادية تسمح بالاستقرار وازدهرت ثقافيا حتى تحولت إلى بؤرة الوعي الثقافي في المنطقة فازدهرت صناعة الثقافة والفن والأدب، وأصبحت الدولة القائدة تقريبا في محيطها العربي ، لكنها نتيجة لاستنساخ التجربة الفرنسية واستيراد نظامها الدستوري سرعان ما انحدرت نحو الكارثة والصرع...

 

    إن سبب الفشل اللبناني بالإضافة إلى عجز النظام النيابي ، يعود إلى البيئة اللبنانية الهشة والبناء الاجتماعي الذي لا توافقه قواعد السلطة في النظام الغربي ، فلبنان هو بلد الطوائف والأديان والمذاهب المتعددة، وقد صممت الآلة السياسية اللبنانية كانعكاس لهذه الهيكلة الاجتماعية ، وجاء الدستور انعكاسا لهذه البنية وظهرت الأحزاب السياسية كتعبير عنها.

 

  إن الصراع على السلطة في لبنان ، الذي يبدو في ظاهره صراع بين أحزاب عصرية ، هو في حقيقته صراع اجتماعي بين الطوائف والأديان والمذاهب، وإذا كانت الأحزاب في فرنسا انعكاس لأصحاب المصالح الوحدة أو الرؤى والعقائد، فان أحزاب لبنان هي أحزاب الطوائف والاديان والمذاهب حتى وان تخفت وراء أسمائها العصرية ، فحزب الكتائب هو حزب الموارنة والاشتراكي للدروز وحزب الله للشيعة وأمل لمن يظن إنهم من المحرومين الشيعة... وهكذا ما تبقى من أحزاب .

 

    إن لبنان الذي كان يصنف باعتباره النموذج المثالي لدولة عصرية في العالم الثالث ينغمس في الكارثة منذ عقود ولم يستطيع إجراء انتخاباته البرلمانية أو الرئاسية عدة مرات واغتيل الكثير من زعماءه ووزراءه وساسته وكتابه وصحافييه وعشرات الألوف من أبناء شعبه وشرد منهم مئات الالوف وحول نفسه إلى ساحة للصراع الدولي والإقليمي وعرض بشكل خطير استقلاله الوطني للزوال... بل انه في السنوات الأخيرة لم يستطع عقد المصالحات المؤقتة الاَّ تحت عباءات الخليج ، وهي مصالحات يفوح فيها المال سواء في الطائف أو الدوحة.

 

   لقد كان لبنان قادراً على خلق وطن اللبنانيين جميعاً وحفظ تماسكه وستقراره لو افلح في إيجاد النظام الديمقراطي الملائم له، اما وقد استنسخ النظام النيابي فليس أمامه سوى استمرار صراع الطوائف .

 

   * ان الجزائر هي النموذج الثاني ابلد يمتلك شروط الاستقرار والتطور ، لكن أممثولة الكفاح في القرن العشرين انغمست في العنف بسبب " ديمقراطية الكوارث" لقد خرجت الجزائر من محنة الاستعمار سليمة معافاة، وما من دولة خرجت من أتون الحرب بوحدة وطنية متماسة مثلما كانت الجزائر ، بل إنها دخلت بسرعة مذهلة عصر التنمية ، وكانت على وشك الخروج من دائرة الخلف لتتحول إلى أمل ليس جزائرياً بل قومياً ، كما أصبحت دولة فاعلة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

 

 لكن الجزائر ، لسبب ما ، قد يكون المؤامرة أو الجهل ، اختارت في وقت عصيب النموذج الغربي ، بحجة الإصلاح السياسي وولوج عصر التعددية.

 

ان الانفجار قد حدث في الوقت الذي اختارت فيه الجزائر التعددية بالمفهوم الغربي كطريق للخروج من أزمة الشرعية .

 

 إننا لا نستطيع الافاضة في تحليل تجربة الجزائر ، لكن المؤكد أن لجوئها للنموذج الغربي هو الذي قادها نحو كارثة الحاضر التي نأمل الآ تطول. (5)

 

 

 

 إن لبنان والجزائر ليستا البلدين الوحيدين فمن تجارب الكارثة ما يحدث في  موريتانيا الشقيقة التي انجرفت نحو النموذج الغربي لتصنع لشعبها قيداً لا يمكن احتماله، فالشعب الموريتاني ، وهو بدوي حر في معظم مكوناته، كبلته الأحزاب وتوجهاتها المحدودة وصادرت حريته الطبيعية ، مؤسسات جاءت من وراء البحار أصابتها الرطوبة والعفونة فور أن دبت في صحاري موريتانيا الحرة، وليس من سبيل أمام موريتانيا إلا إعادة تأمل تجربتها المرة قبل أن تغرق في الفوضى وتنغمس في الكارثة .

 

 ان دولة فلسطين تقدم لنا نموذج مؤسفاً ، لدولة ما زال وجودها افتراضياً تغرق في الفوضى والصراع والكارثة ، قبل ان تحقق استقلالها وقبل الحصول على سلطة قابلة للصراع عليها ، فالمشهد المجيد لبطولة الشعب الفلسطيني ، أصبح يتوارى أمام كوارث الصراع الداخلي، فالثورة الفلسطينية التي صنعتها جبهة متماسكة للتحرير ، بدأت في الانفجار بعد التلويح بدولة، والتماسك الذي صنعه الكفاح الثوري ، بدأ في التناثر فور ولوج تجربة التعددية ، فقد سقطت الدولة الفلسطينية مع أول انتخاب نيابي ، رغم ما شهد به العالم من نزاهة الانتخاب فها هي الدولة الفلسطينية تغرق نحو الكارثة قبل ولادتها.

 

    إن تدمير دولة من العالم الثالث لا يستحق سوى وصفة واحدة ، زرع النظام النيابي ، فهو يتكفل بالباقي ... هذه هي الوصفة المؤامرة ، التي طبقت على الشعب الفلسطيني وهلل لها لا الزعماء على أمل إثبات حسن السلوك ... لكن الدولة كلها أصبحت في مهب الريح ، ولا حاجة بعد ذلك لسلوكها .

 

إن إفريقيا زاخرة بتجارب (ديمقراطيات الكوارث) الكونغو ، زمبابوي مدغشقر ، بور ندي ، رواندا ، كينيا ، غينيا كوناكري.... الخ .

 

ان هذه الدول جمعياً قد انزلقت نحو الكارثة والتوترات والصراعات والحروب بعد أن زين لها الغرب طريق الحكم النيابي وألزمها بالسير فيه إذا أرادت الترخيص لها بالاندماج في المجتمع العالمي.

 

   وكما في إفريقيا فان التجربة دلت على صحة هذا الاستنتاج في كل مكان من العالم الثالث ، الفلبين ، باكستان ، أفغانستان ، العراق وحتى في الدول الأقرب إلى العالم الغربي ، أوكرانيا ، جورجيا ، فان وصفة النظام النيابي هي الوصفة الصالحة لتمزيق المجتمعات .

 

   إن هناك من قد يجادل ، في أن تجربة الحكم النيابي قد نجحت في خلق الاستقرار في بعض بلدان العالم الثالث ، فها هي دول ، ليس من الضروري إن أسميها ، تعيش في كنف النظام النيابي مستقرة إلى حد كبير وآمنة تقريبا 

 

   إن هذا الاستنتاج غير صحيح نهائياً ، فالدول المعنية لا تحقق سوى استقرار وقتي مفروض ، تحرسه القوة وسلطة طغيا نية ، لا تأخذ من النظام النيابي سوى شكله الخارجي وآلياته الانتخابية ، فرغم وجود مجالس نيابية شكلية في هذه البلدان ، الا إن السلطة الحقيقية بيد فرد أو عائلة، إما المجالس النيابية فليست سوى تبرير لسلطة الحاكم الفعلي وتزييناً لها.

 

  إنني كما قلت لا أستطيع أن أتابع تفاصيل ما يجري في كل هذه البلدان لأبين مقدار الخلل الذي ولدته التجربة النيابية وكيف قادت المجتمع نحو قدره المحتوم (العنف والتمزق وعدم الاستقرار) ذلك أن كل مثال من هذه البلدان يؤكد دقة وصفة التخريب الذي يحدثها النظام النيابي ، وسأكتفي، على المستوى العالمي بتناول أربع دول تتدحرج نحو الكارثة هي الباكستان ، العراق ، السودان ، أوكرانيا ، وهذا لا يعني استبعاد غيرها لكنها تعد أمثلة صادقة في إثبات قوة التخريب التي يزرعها النظام النيابي .

 

 فالباكستان ، التي كانت أمل إسلامي اندفعت بعد وقت وجيز من استقلالها نحو العنف والكوارث بانتهاج النظام النيابي الذي لم يولد غير الانقلابات الدامية والمتتالية ، لأن هذا النظام النيابي ، ببساطة تامة لم ينجح في إرضاء شعبها ويمكنه من المشاركة في حكم هذه البلاد الواعدة ، ورغم أن باكستان هي بلد إسلامي متماسك وبلغ درجة عالية من التطور العلمي والتقني وصلت إلى حد الدخول إلى النادي النووي ورغم حجم الموارد المواتية لبناء دولة عصرية مقتدرة ، الا أن انتهاج أسلوب الحكم النيابي انزلق بالبلاد مبكراً نحو العنف والكوارث ، وها هي اليوم تدخل مرحلة خطرة من (تآكل الوطن) وتفقد سيطرتها على أجزاء مهمة من ترابها وشعبها بسبب نوع نظام حكمها لا غير  وهي لن تكون قادرة على تجاوز محنتها بغير ولوج نهج جديد واختيار نظام الحكم المناسب لروح وتكوين شعبها . 

 

إن العراق تقدم لنا النموذج الثاني المماثل ، فهي تغرق منذ سنوات في العنف والكوارث بسبب إجبارها على اختيار النظام النيابي من قبل محتل لم يكتف بتحطيم البلاد الآني بل زرع النظام الكفيل بإعاقة النهوض في المستقبل .

 

  إن المحتل الأمريكي ، مهما أورد من ذرائع ، لم يكن له من هدف سوى تحطيم الكيان العراقي وإخراجه نهائياً من معادلات التوازن في الشرق الأوسط وذلك لمصلحة صهيونية واضحة وبتخطيط صهيوني لا شك فيه ، ورغم نجاح هذه الدوائر في تحطيم العراق ، الا أن هذه الدوائر مدركة تماما لإمكانية تعافي العراق وعودته إلى ميدان الصراع مستقبلا، لذلك فقد قدمت وصفة الإجهاز على الكيان العراقي بصياغة دستور (بول بريمر) وحكومته النيابية .

 

وفور صياغة هذا الدستور (قانون إدارة الدولة) اندفعت البلاد نحو العنف والكوارث بظهور الأحزاب الطائفية والمحاصصة في الحكم والتقسيم الفدرالي المقيت .   

 

   إن المحتل في العراق اليوم ، يعرف انه سيخرج مكرهاً ذات يوم ، فالقاعدة التاريخية تقول (أن الاحتلال يؤسس المقاومة) وأن المقاومة لابد وان تقضي على الاحتلال مهما كانت قوته وقسوته، ولانه يعرف ذلك فقد قدم وصفته الجاهزة (الحكم النيابي)، وهي وصفة قادرة على عطب العراق والإجهاز عليها .

 

   إن السودان ، هي لسوء الحظ ، تجربة مأسوية مماثلة ، فقد اندفعت منذ استقلالها نحو تجربة الحكم النيابي نتيجة وهم زرعه المستعمر في ذهن زعماء استقلالها دون أدراك حقيقي لتكوين الشعب السوداني ونزعته نحو الحرية فتم تكبيله بالمجالس النيابية والأحزاب ونظم الانتخاب الغربية ، ولقد كانت النتيجة سلسلة من الانقلابات الدامية والحروب الأهلية المستمرة وأزمة مازالت مستفحلة إلى اليوم ، وهي أزمة قد تقود نحو تآكل الوطن السوداني برمته .

 

 أما خارج العالم الثالث المألوف فتنتصب "جمهورية أوكرانيا" شاهدة على فشل النظام النيابي ، فبعد أكثر من سبعين عاماً من الانضواء تحت الاتحاد السوفيتي استعادت هذه الجمهورية استقلالها وبدت ، لأول وهلة ، على أبواب عصر جديد وقادرة على بناء امة لها شأنها، فهي امة ذات تراكم تاريخي طويل وقد بلغ شعبها قمة التعلم والتطور في العهد السوفييتي وتحتوي البلاد على موارد اقتصادية هائلة ومتنوعة ، زراعية وصناعية، فقد كانت هذه البلاد سلة الغذاء للاتحاد السوفيتي في مجمله وزهرة بلدانه الصناعية وفيها أجمل منتجعاته السياحية وهي فوق ذلك جبهته المطلة على العالم الغربي التي يمكنها امتصاص أفضل ما فيه ، لكنها فور الاستقلال اندفعت نحو الحكم النيابي بكل مؤسساته وآلياته ، ولقد كانت النتيجة هي الفشل الذريع والانحدار نحو العنف والصراع الذي لم توقفه الثورة البرتقالية بل فتحته نحو عنف متتالي وبألوان جديدة .

 

إن ديمقراطية الكوارث ليست مقصورة على العالم الثالث وحده، فهي تخلخل الآن المجتمعات الغربية نفسها، غير أن أثارها على بلدان العالم الثالث اشد خطورة، لأسباب عديدة ومتنوعة، لكن أهمها هو بنيانه الاجتماعي الخاص الذي لا تناسبه سوى الديمقراطية الحقيقية.

 

   إن بلدان العالم الثالث تتميز بطبيعتها الخاصة باعتبارها  مجتمعات طبيعية لم تعبث بتكوينها ضرورات المجتمعات الصناعية وتركيبها ، فالاختلاف بيَّن بين المجتمعين ، مجتمعات العالم الثالث مازالت في جوهرها مجتمعات "الأرياف" أما مجتمعات الغرب الصناعي فهي مجتمعات "المدن" والفارق شاسع بين المجتمعين في القيم ولذلك فإن من العبث فرض المؤسسات عند اختلاف القيم (6)

 

       سأتناول في مناسبة أخرى مجتمعات ألأرياف ومجتمعات المدن من حيث قيمها ومؤسساتها

 

     إن السبب الرئيسي للفشل السياسي في بلدان العالم الثالث هو استيراد مؤسسات الغرب لتطبيقها في

 

 مجتمعات مختلفة القيم مما أدى ظهور ديمقراطيات الكوارث ، فإذا كانت الديمقراطية الغربية قد فشلت في بلدانها بسبب عجز المؤسسات عن "استيعاب" القيم ، فأن فشلها في العالم الثالث يعود إلى "تصادم" المؤسسات والقيم، وهذا هو ما يجعل الديمقراطية الغربية في العالم الثالث ذات اثر كارثي .

 

 إن الديمقراطية النيابية قد فشلت في الحالتين، غير أن الاختلاف كان في درجة الفشل لا في نوعه .

 

 إن الحل المطروح أمام دول العالم الثالث هو البحث عن الديمقراطية الحقيقية الملائمة لقيم مجتمعات الأرياف ومؤسساتها الاجتماعية وهي الديمقراطية المباشرة ، أما الإصرار على استيراد النموذج الغربي فلن يجر هذه البلدان.

 

الاَّ للصراع والعنف والكوارث .  

 

 

المراجع

 

     (1)  كتابنا الديمقراطية الغربية والعالم الثالث – منشورات مكتبة دار العلوم –بغداد – 1997م

 

(2)  غوستاف لوبون(روح الثورات الفرنسية)ترجمة محمد عادل زعيتر– المطبعة العصرية– مصر-      ط2سنة1924ص33.  

 

 (3) جان جاك روسو_ العقد الاجتماعي

 

(4) للإلمام بتفصيل ذلك يمكن مراجعة كتابنا –الوسيط في القانون الدستوري-منشورات دار الكتاب الجديد المتحدة- بيروت 2001 م

 

(5) لمن يريد التعرف على تجربة الجزائر المؤسفة يمكن مراجعة –العياش عنصر-سوسيولوجيا الأزمة الراهنة في الجزائر- الازمة الجزائرية-او-منعم العمار-الجزائر والتعددية المكلفة-الأزمة الجزائرية-منشورات مركز الدراسات الوحدة العربية- سلسلة كتاب المستقبل العربي-ط(1)-بيروت 1996 م .

 

الندوة الدولية حول الديمقراطية في إفريقيا الواقع والأفاق والتي عقدت بمدينة أسمراء عاصمة إريتريا في الفترة من  21 إلى 23 الماء مايو 1377 و.ر 2009ف بحضور دولي كبير من المفكرين وأساتذة الجامعات من مختلف أنحاء العالم وبمشاركة المثقفين والكتاب والصحفيين من أبناء اريتريا وطلاب الجامعات بها ، وتميزت بحضور الرئيس " أساسي أفورقي في افتتاح الندوة واختتامها وتناولت دراسات مقارنة بين نظريات ما يسمى بالديمقراطية النيابية وأشكالها المتعددة والتي تعود لجوهر واحد وما ترتب عنها من إشكاليات اجتماعية رهيبة ومروعة وخطيرة هددت السلم والأمن الاجتماعي لشعوب أفريقيا بل أدت إلى تمزق كياناتها الوطنية وتهديد وجودها الاجتماعي الحاضر والمستقبلي ، وكشفت هذه الندوة الدولية حول الديمقراطية في أفريقيا الضغوط المادية والمعنوية التي تمارسها الدول التي كانت تسيطر على أفريقيا وتقايضها اليوم بمحاكاة النموذج الغربي مقابل المساعدات التي تحتاجها الدول الأفريقية ، وعرضت الدراسات المعمقة للنظرية الجماهيرية نظرية الديمقراطية المباشرة " سلطة الشعب "  وللأهمية القصوى للبحوث والدراسات التي قدمت في هذه الندوة نستعرض الورقات المقدمة لما له من فائدة عظيمة تعم على كافة الثوار والباحثين عن الحرية في العالم .

 



أضف تعليقا

اضيف في 01 يونيو, 2009 03:05 م , من قبل mesterhewar
من فلسطين said:


العلوم الاجتماعية وليدة ظروفها فهي تخضع للمكان والزمان

ونجاح تجربة في ظرف معين ومكان وزمان معينيين لا يعني نجاها

في ظروف وامكنة مغايرة...

لو انطلقنا منذ اللحظة التي توفي فيها سيدنا محمد عليه السلام

سنجد ان المسلمين ما زالوا يناقشون قضية الخلافة ومن يحكم

وكيف يحكم ...؟؟؟؟

وان الاجتهاد احيانا اصاب واحيانا فرق ...

ومن ديقراطية اثينا القديمة ...

المهم ان نتعاقد من جديد على طريقة

تحياتي لكما

وشكرا لاقلام جيران الجادة

مستر حوار



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية