![]()
أ. د مصطفى الزائدي
العمود الفقري للديمقراطية التي يريد العرب فرضها على العالم هي الحزبية .. حيث حرية إنشاء الأحزاب وتعددها وتداول السلطة بينها هو السمة السائدة في العالم اليوم.. وهو الصوت الطاغي على كل الأصوات حتى انه يمكن اختزال الحالة السياسية في عملية صراع مستمر بين الأحزاب.. فكيف بدأت ظاهرة الأحزاب .. وما هي نشأتها وأهدافها وأين موضعها من الدساتير الحديثة التي تحكم العالم.. وبالرغم من الانتشار الواسع للأحزاب في العالم إلا أن الدراسات حولها محدودة جداً.
يقول ديفرجيه – وهو من أوائل من تعرضوا للأحزاب بدراسة جادة مقارنة حوالي سنة 1950- إن الموضوع جديد وتكتنفه صعوبات .. وسبب ذلك أن تنظيم الأحزاب يرتكز أساساً على عرف وعادات غير مكتوبة .. وحتى لو وجدت نصوص مكتوبة منظمة لكيفية سير العمل داخل الحزب فإنها لا تتعرض إلا للقليل من المسائل.. ونادراً ما تعكس ما يجرى من الناحية الواقعية لأنها نادراً ما تطبق تطبيقاً جامداً.. ومن ناحية أخرى فإن طريقة سير وحياة الأحزاب تكون عادة محاطة بغموض، وليس من السهل الحصول على معلومات من القائمين على الأحزاب لأنهم يتعمدون الاحتفاظ بأسرارهم وعدم البوح بها.. وفي رأى ديفرجيه يعني هذا أن النظام القانوني للأحزاب بدائي.. قوانينه وطقوسه سرية .. يحاول القائمون عليه جاهدين إبقاءه بعيداً عن أنظار عامة أفراد الشعب .. بل إن معرفة أسرار ومناورات الأحزاب لا تتوفر إلا لدى المناضلين القدامى من كل حزب .. وهؤلاء ليس لديهم قدرة على تقديم صورة موضوعية لما يجري داخل الأحزاب .. كما أنهم يرفضون التحدث والإدلاء بالمعلومات التي لديهم .. ومن هنا لا تتوفر معلومات من مصادر حزبية تكفي لإعداد دراسة موضوعية عنها..
أصل الأحزاب في الدول المتقدمة :-
بدأت الأحزاب في الظهور مع الثورة الفرنسية بعد التحول التاريخي حيث صار الشعب يختار الملك .. وقد نشأت الأحزاب من خلال طرق مختلفة :-
1- أحزاب نشأت داخل البرلمانات ومن تنظيم الناخبين :
تتلخص هذه الطريقة في أن مجموعة برلمانية تتكون ثم تظهر جماعات منظمة من الناخبين Les comites electoraux تسمى لجان الناخبين ويتبع ذلك إقامة علاقة دائمة بين العنصرين.
وهذه الطريقة تتمشى مع طبيعة سير الأمور داخل المجالس النيابية وهو تعداد الآراء ، وتجمع الأعضاء المثقفين في الرأي وظهور انقسامات داخل البرلمان ، ثم تنظيم هذه الانقسامات في الرأي في شكل مجموعات برلمانية .
وقد يرجع الانقسام في الرأي إلى اختلاف الإيديولوجيات أو إلى اختلاف المصالح ، والأمثلة على ذلك كثيرة .
بدايتها داخل الهيئة التأسيسية في فرنسا في سنة 1789 انقسمت آراء أعضاء الهيئة وتجمع ممثلو كل إقليم في مجموعة برلمانية .. ومن هناك بدأت فكرة اليسار واليمين .
2- أحزاب نشأت من النقابات والكنائس والجماعات الدينية :
توجد أحزاب نشأت نتيجة لمساندة قوية من هيئات متعددة مثل النقابات والكنائس والجماعات الدينية والخلايا السرية .
ولعل أهم مثال على حزب نشأ من النقابات هو حزب العمال البريطاني فقد نشأ على إثر قرار اتخذه مؤتمر الانتخابات العمالية والذي أنشأ تنظيما من البرلمانيين Trades unionsسنة 1899 من الناخبين .. ولعل هذه النشأة هي التي تفسر لنا العلاقة الوطيدة بين حزب العمال والنقابات حتى الآن.. ومن هنا يميز الفقه بين نوعين من الأحزاب الاشتراكية: الأحزاب الاشتراكية ذات النشأة النقابية وهذه تعتبر أحزاباً اشتراكية بمعنى الكلمة وأحزاب اشتراكية أنشأها برلمانيون مثقفون وهذه تعتبر أحزاباً اشتراكية نظرية وأقل واقعية من الأحزاب الأولى.
أما الكنائس والجماعات الدينية فأثرها هام في نشأة الأحزاب في أوروبا.. فقد تدخلت الكنيسة الكاثوليكية في نشأة الأحزاب قبل سنة 1914 وفي نشأة الأحزاب الديمقراطية المسيحية المعاصرة لقد كانت الكنيسة وراء الحزب المحافظ الكاثوليكي في بلجيكا.. وكذلك الحال بالنسبة للحزب الديمقراطي المسيحي الإيطالي .. والحزب الديمقراطي المسيحي الألماني . وغيرها ومهما تعددت الأحزاب إلا أنها لا تعدوا كونها : -
( أ )أحزاب القلة المختارة Les parties de cadres:
كانت أحزاب القلة المختارة أسبق إلى الظهور في الحياة السياسية، وهي أحزاب تهدف إلى جمع الشخصيات البارزة ذات النفوذ، فهي تهتم بنوعية الأعضاء ولا تلتفت إلى كثرة عددهم
La qualite leur impore plus que la quantite
(ب) أحزاب الجماهير les parties de masses:
ظهرت أحزاب الجماهير في الدول الغربية مع انتشار الاشتراكية ثم الشيوعية .. وقد كان للأحزاب الاشتراكية فضل ابتكار هذا الشكل من أشكال الأحزاب مع بداية القرن العشرين .. ثم نقلت الأحزاب الشيوعية والأحزاب الفاشية عن الأحزاب الاشتراكية هذا الشكل الجماهيري للحزب مع إدخال تعديلات غير جوهرية على النظام .. بل أن بعض الأحزاب المحافظة والليبرالية والمسيحية حاولت تقليد هذا الشكل متخلية عن نظام حزب القلة .
الأحزاب الجماهيرية الاشتراكية : تبنت أغلب الأحزاب الاشتراكية شكل الحزب الجماهيري، حتى أن حزب العمال البريطاني بدأ منذ سنة 1927 يقبل العضوية المباشرة في الحزب .. بحيث أصبح الحزب مركبا من تشكيلين : أحدهما غير مباشر وهو التشكيل الذي أوضحناه
والذي يقبل أعضاء من الأشخاص البارزين في نقابات أو جمعيات وتشكيل مباشرة مكون من جماهير أنظمت إلى الحزب دون اشتراط انتمائها إلى نقابات أو جمعيات.
الأحزاب السياسية في الدساتير :-
بالرغم من أهمية الحزبية في النظام الغربي إلا أنها لا تظهر في الدساتير السائدة وهذا أمر يبدوا غريباً فعلى سبيل المثال لم يرد ذكر للأحزاب في دستور الولايات المتحدة سواء الدستور الأصلي الصادر من 1787 أو تعديلاته التي تزيد على عشرين تعديلاً .
في فرنسا المادة 4 من دستور 1958 الفرنسي تنص على أن " تسهم الأحزاب والجماعات السياسية في التعبير عن الرأي بالاقتراع وهي تتكون وتباشر نشاطها بحرية.. ويجب عليها احترام مبادئ السيادة الوطنية والديمقراطية " وهي المادة الوحيدة في الدستور الفرنسي التي ورد فيها ذكر للأحزاب السياسية.. أما بقية الدساتير فلا يكاد يعثر لها على أثر.. مع أنها صلب العملية السياسية التي تقوم عليها تلك الدساتير.
تمويل الأحزاب
من أهم الأسرار التي تحيط بالأعمال الحزبية عدم وضوح التمويل وغياب الشفافية بها.. وغموض آلية التصرف.. الأمر الذي أدى إلى عديد المسائلات القانونية لقادة الأحزاب لن يكون آخرها استجواب عبد الله جول رئيس الجمهورية التركية .. أو استجواب هلموت كول أو الاتهامات الموجهة إلى جاك شيراك .. أو السؤال عن مصدر المليارات التي صرفها أوباما على حملته الانتخابية .. لكن المعلن أن مصادر التمويل هي:-
1- اشتراكات الأعضاء.. وهي في العادة قيم رمزية ضئيلة لا تفي بمتطلبات العمل الحزبي .. وهي فقط لضمان استمرار انتماء الأعضاء إلى الحزب .
2- تبرعات من الأشخاص أو الشركات بشرط أن تكون معلنة وأن تكون من مصدر مشروع إذ تجرم القوانين التبرع من عائد القمار أو أي تجارة غير مشروعة.. وهي المصدر الرئيسي للأموال التي تجنيها الأحزاب حيث تنظم حملات معلنة لجمع التبرعات في كل المناسبات.
3- دعم مخصصات مالية من الدولة لصالح الأحزاب وفي اغلب الدول تحصل الأحزاب الكبرى المهمة على نصيب الأسد منها .. وعادة ما تكون تلك الأحزاب هي الحكومة لفوزها في الانتخابات أو متربصة بالحكومة أي أنها أداة السيطرة على السلطة .
4- التمويل الخفي.. وهو الدعم الخارجي السري في اغلب الأحيان للأحزاب خاصة في الدول النامية من قبل جهات ذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالحكومات الغربية .. حيث أن اغلب الأحزاب في العالم الثالث تمول من جهات غربية مشبوهة .. لخدمة أجندة الدول الغربية والدفاع عن مصالحها ..
نهاية الحزبية
لقد انتهي فعلياً عصر الحزبية .. ولن يمضي وقت طويل حتى تصبح من ضمن التاريخ الإنساني .. لقد ظهرت الحزبية عام عملياً 1850 م مع بداية تطور النظام السياسي والتحول نحو مشاركة الناس في اختيار حكامها ضمن منظومة النظرية الجمهورية .. ولعبت الأحزاب دوراً مهماً في ترسيخ النظام الجمهوري .. وساهمت بالتأكيد في تحقيق تحول نحو المشاركة الشعبية في السلطة .. لكنها تحولت بعد وقت ليس طويل إلى حجز عثرة أمام التحول الحقيقي نحو الديمقراطية .. فتجاوزتها الشعوب .. وبنظرة معمقة في المشهد السياسي اليوم في العالم .. ودور الأحزاب فيه ورغم محاولات التشبت العبثي بالحزبية كمكسب مهم للديمقراطية .. نلاحظ بوضوح الواقع السيئ للأحزاب السياسية في الدول الغربية التي أخذت في التلاشي بسرعة عالية لم يتوقعها الكثيرون حتى قبل عقود قليلة من الزمن .. وانهارت بنفس سرعة انهيار منظومة الاتحاد السوفيتي في التسعينات .. حتى أننا لا نجد لها اثر عملي في كثير من البلدان الغربية التي لعبت فيها الأحزاب السياسية دوراً محورياً .. وحل محلها منظومة جديدة من المؤسسات ما يعرف اليوم بالمجتمع المدني في شكل جمعيات وجماعات قاعدية .. وهذا يفسر تناول الإعلام الغربية لحال الأحزاب اليوم .. وحجم التقارير والكتابات التي تجمع أن الأحزاب انتهت عملياً في الغرب .. ويمكن الاطلاع على شبكة المعلومات الدولية وما تحويه من مواد إعلامية منشورة حول الموضوع .. إلا أنني أشير إلى تقرير للإذاعة الألمانية حول الأحزاب في ألمانيا نشر بتاريخ 11.9.2007 بينت أن التغيرات الدولية المحلية والدولية أدت إلى تضاءل عدد أعضاء الأحزاب الألمانية .. واهتزاز كبير في ثقة المواطنين فيها .. ولم تستثني الأحزاب العريقة " كالحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاجتماعي الديمقراطي " فهذه الأحزاب أصبحت تغير مواقعها ولم تعد هناك حدود اختلاف أيديولوجيه تحدد المسافة الفكرية بينها .. فبرامجها في مجملها نسخة مكررة .. والسياسة الناتجة عن سيطرة الأحزاب تقريباً واحدة .. سواء كان تحالف كبير بين الأحزاب الكبرى وتحالف بين حزب كبير وآخر صغير .
يقول التقرير: الكثير من الألمان أصبحوا ينأون بأنفسهم عن الأحزاب الكلاسيكية .. ويسأل التقرير هل هذه هي بداية النهاية للديمقراطية الحزبية ؟..
النائب الألماني عن حزب الخضر أو ميدنوريبور.. يري أن الحالة السياسية السائدة اليوم هي عبارة عن أحزاب محبطة وديمقراطيون منهكون .. أما الدكتور ديتمار جورجن رئيس المؤسسة الليبرالية يقول في حوار له مع الإذاعة الألمانية 13.9.2007 .. أن مؤسسات المجتمع المدني الناشئة هي بديل للأحزاب السياسية .. وتضعها أمام اختبار صعب.. ويرى أن الشباب لا يعيرون أي اهتمام للأحزاب السياسية.
الأستاذ توماس ماير أستاذ العلوم السياسية في جامعة دور تموند الألمانية .. يرى أن بروز ظاهرة يمين الوسط .. ويسار الوسط .. يعني انتهاء الحد الإيديولوجي بين الأحزاب اليمنية واليسارية .. ويرى أن الأحزاب الكبرى في ألمانيا تعاني من أزمة العضوية .. أما في أمريكيا .. فالأحزاب أصلاً غير موجودة بالمفهوم الأوروبي.. وتحولت إلى جماعات وكتل تصويتيه متغيرة فمنذ انتخاب عام 2000 م أصبحت الانتخابات الأميركية عبارة عن كثل تصويتية .. فالرئيس المنتخب لا يعتبر مرشح لحزب ما أو مدافعاً عنه .. وإنما يعبر عن مصالح كيانات اقتصادية عملاقة تنتظم فيما يعرف بجامعات المصالح .. الحزبان في أمريكيا ليس سوى قناتين لتوصيل المرشح إلى الرئاسة بغض النظر عن انتمائه الحزبي .. والمتابع للسياسة الأمريكية يرى كيف أن أغلبية ديمقراطية في الكونغرس .. لم تغير توجهات سياسية الإدارة الأميركية الجمهورية ..وحملات ماكين .. وأوباما .. لا تختلف فيما يخص المحاور الرئيسية للسياسة الداخلية والخارجية.. من دعم لدولة الكيان الصهيوني .. إلى المناداة بخفض الضرائب .. والحرص على السيطرة على مواقع الطاقة .. وغيرها . فهل توجد حياة حزبية .. بالمعنى السياسي والإيديولوجي للكلمة في الولايات المتحدة .. الحزب في أمريكيا لا يعتمد على فئات اجتماعية معينة.. فهو يضم شرائح متنوعة .. ونجاح المرشح الحزبي لا يعتمد بالأساس على أعضاء الحزب .. فمركز الثقل ليس الأعضاء المنتمين للحزب.. وإنما الفئات والكتل التصويتية التي يلتمس المشرح أصواتها .. وبعدها بتحقيق مصالحها وعلى سبيل المثال .. منذ اغتيال كيندي 1963 م لم ينجح أي مرشح ديمقراطي في الوصول إلى الرئاسة من الشمال .. فكارتر وكلينتون من ولايات الجنوب التي تتميز بالاتجاهات الاجتماعية والدينية المحافظة .. ويجمع المحللون أن الحزب الجمهوري .. لا يحكم في الفترة من 2000 إلى 2008 وإنما يحكم تحالف المحافظين الجدد واليمين الديني الجديد .. في أمريكيا لم يعد وجود فعلي للأحزاب حيث حل محلها جماعات المصالح والكتل التصويتية .
أما في بريطانيا حيث قاد توني بلير ثورة في حزب العمال لينهي التوجه اليساري وسيطرة نقابات العمال .. ويحوله إلى حزب جديد لا يختلف كثيراً عن حزب المحافظين .. وبالرغم من أن بلير الذي اجتاح الانتخابات النيابية في التسعينات وفاز بأغلبية ساحقة لم يتمكن من الحفاظ على سيطرة حزبه لفترة طويلة .. وبدأ تصدع الحزب والانقسامات داخلة .. وأضطر للتنازل عن القيادة لبروان الذي يواجه الآن مصاعب حقيقية .. سببها انتهاء الحزب من الناحية العملية .. الأمر الذي شجع ديفيد ميليباند وزير خارجية بريطانيا للتخطيط للإطاحة ببروان وخلافته في حكم بريطانيا وهو يهودي الديانة .. بالتأكيد سوف يستخدم سيطرة اليهود على المؤسسات الاقتصادية والإعلامية في بريطانيا لاستخدام حزب العمال الذي لم يعد كذلك مطيه للوصول إلى حكم بريطانيا.. مايكل هاورد وهو يهودي أيضاً وصل إلى قيادة حزب المحافظين " المفترض أن المجتمع البريطاني بروستانتي " وهذا يبين التغيير المهم في بنية ذلك الحزب ..
أما فرنسا .. فإن المعطيات السياسية السائدة تبين أندماج شامل بين يمين الحزب الاشتراكي ويسار الحزب اليميني .. وبروز قوة جديدة يمثلها ساركوزي وكوشنير .. وهي قوة ليست حزبية بالتأكيد وإنما هي نتاج سيطرة قوة اقتصادية وإعلامية معينة على الساحة السياسية .. لقد حاول لوبان تأسيس حزب يميني حقيقي خاصة بعد اضمحلال الحزب الشيوعي .. لكنه باء بالفشل لأن الإيديولوجية الحزبية لم تعد تستهوي الشباب .. هل يمكن تصنيف شيراك بأنه يميني .. وميتران يساري سواء في السياسة الخارجية أو الداخلية ؟.
الحقيقة الوحيدة أن مؤسسة الحزب العريقة في فرنسا .. لم تعد موجودة .. ويتم استغلال مؤسسات التواصل مع الجماهيرية لتمكين أفراد معينين من السيطرة على الحكم .. والحالة أكثر وضوحاً في إيطاليا .. فإن إيديولوجية المال وحدها مكنت بيرلسكوني من السيطرة على المشهد السياسي الإيطالي .. لا أحد في إيطاليا يقدم بيرلسكوني كممثل لليمين أو يمين الوسط .. هو فقط نتاج تمكين مجموعة المصالح من فرض إرادتها على ايطاليا .. والحال واحد تقريباً في كل أوروبا الأمر الذي أدى إلى اختفاء الزعماء الذين يتمتعون بشخصية كاريزمية قيادية تسمح لهم بفرض توجيهات إيديولوجية معينة .. وحل محلهم موظفين ساميين يخضعون بالمطلق لسيطرة أصحاب المال والقوى المالية التي تسيطر على الإعلام .. وبكل بساطة لو ذهبت إلى أي مدينة أوربية فلن يسترعى انتباهك المنظمات الحزبية.. ولن تستهويك المناشط الحزبية المنعدمة ..
السلطة في الغرب هي سلطة الموظفين الذين يوجهون من قبل إفرازات أصحاب المصالح .. وهذا سبب كاف لعدم تغيير سياسات الدولة الغربية ليس لأنها مؤسسة ثابتة .. وتقوم على استراتيجيات كما يدعي البعض .. أو لأنها إفراز لاستقرار التجربة الحزبية .. إذ لو كانت الأحزاب تتداول على السلطة في الغرب كما يدعي أصحابها .. لما كانت السياسات الداخلية والخارجية ثابتة .. ولتغيرت جذرية مع كل تداول جديد على السلطة .. على أساس أن الأحزاب الكبرى تطرح نفسها وكأنها متناقضة كلياً مع بعضها البعض.. عندما فاز حزب يميني في النمسا وتمكن من المشاركة في الحكم.. ثم فرض حضر أوروبي على النمسا حتى سقط ذلك الحزب أو أسقط.. ولكن التحليل الموضوعي لتلك الأحداث يبين أن الأحزاب سقطت أو أسقطت بواسطة مؤسسات أو شخصيات دكتاتورية هي أشد عسفاً وجبروتاً من دكتاتوريات العالم الثالث .
في الوطن العربي..
في الوطن العربي .. لا توجد أحزاب أصلاً لنتحدث عن نهايتها .. فهي في معظمها ليست سوى مسميات أطلقت في إطار تقليد الدول الغربية.. الواقع في اغلب الدول العربية يختصر المشهد السياسي في شخص حاكم مفرد .. بمسميات متعددة وأجهزة أمنية تعمل على تأمينه وتتبعه شخصياً .. وعندما يتغير ذلك الحاكم بالقضاء والقدر .. يتغير جذرياً ولاء أجهزة الأمن .. أما التسميات الأخرى لأجهزة ومؤسسات الدولة فهم لا يتعدون كونهم موظفون بدرجات مختلفة لا يقدمون ولا يؤخرون سواء كانت صفاتهم رؤساء حكومات أو وزراء أو مدراء أو أحزاب أو نقابات .
وهكذا حال الأحزاب التي ظهرت في الوطن العربي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى صدفة.. ومن الطريف أن أهمها لم تكن سوى حركات جماعية بدأت كوفود تطالب المستعمر بتحقيق الاستقلال عن الدول التي انتصرت في الحرب .. ولقد احتفظ حزب الوفد المصري بهذه التسمية إلى اليوم .. خلافًاً للحزب الدستوري الحر التونسي .. الذي تكون كوفد من الوطنيين التوانسه ذهب إلى باريس أسوة بوفد سعد زغلول .. وضم كلاً من عبد العزيز الثعالبي ، صالح فرحات، محي الدين القليبي ، أحمد توفيق المدني ، حمودة المستيري والحبيب زويتين.. وحول بعد ذلك إلى حركة سياسية ..
وحزب الاستقلال في المغرب .. الذي نتج عن وفد من عبد الرحيم أبو عبيد والمهدي بن بركة .. وآخرون ذهبوا ليطالبوا بالاستقلال وعودة الملك المنفي محمد بن يوسف الذي قد انضم إلى الحركة الوطنية .
لقد هيمن حزب الوفد المصري الذي تأسس عام 1924م.. بعد أن اعتقل سعد زغلول في مالطا عام 1919 م وما تبعها من انتفاضة شعبية هيمنت على الساحة المصرية من 1924م.. أما الحزب الدستوري التونسي الجديد الذي أعلنه الحبيب بو رقيبة بدل الحزب الدستوري التونسي الحر الذي أسسه عبد العزيز الثعالبي .. فقد تخلى عن مبدأ الاشتراكية عام 1969 م .. ثم سمح بتكوين أحزاب كلها خارجة عن عباءته تقريباً .. أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المغرب الذي انشق عن حزب الاستقلال فقد تمكن من الصمود في الساحة السياسية المغربية لفترة طويلة .. لكن المرء لن يجد فارقاً أيديولوجيا يميزه عن حزب الاستقلال الذي تفرغ منه .
هذه هي الأحزاب العربية التي توازي الأحزاب الأوربية سواء الديمقراطية المسيحية أو الديمقراطية الاشتراكية.. أي ذات التوجه الليبرالي.. فهي تجمعات تضم عناصر تعمل في بعض الأحيان لمصالح وطنية.. وظهرت كنتاج لنضال الشعب من أجل الاستقلال .. وتمكنت بعد خروج المستعمر من بسط هيمنتها السياسية على البلاد العربية.. وحافظت على ما قام به الاستعمار من تجزئة وتبعية.. فمكنت للإقليمية .. ونظرَّت للتشرذم ، وهي لم تنتج عن تباين طبقي أو اختلاف إيديولوجي ، ولم تعبر على فئات اجتماعية محدودة .. إنها مزيج من أفراد يختلفون على كل شيء.. ويجتمعون على الحكم .. الذي لم يصلوا إليه .. أما الأحزاب الإيديولوجية .. التي تبنت أطروحات نظرية للتعامل مع الواقع العربي على أسس قومية أو دينية .. فنظرة على تكوينها .. نرى أن حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تأسس في سوريا في 7/4/1947 م بواسطة زكي الأسوزي وميشيل عفلق ونديم البيطار متأثرين بثورة رشيد على الكيلاني في العراق ضد الإنجليز عام 1941 م .. ويقدم طرحا هو عبارة عن مزيج بين القومية والاشتراكية والعلمانية.. ظهر كمحاولة لبناء الدول العربية الواحدة وحاول تعبئة الطاقات العربية الشابة تحت شعار الوحدة والحرية والاشتراكية.. إلا أن المجتمع العربي المؤسس اجتماعياً لم يستطع استيعاب الطرح البعثي كآلية لقيام الوحدة العربية ، وكانت الثورة الناصرية الشعبية نهاية عملية البعثيون على المشروع القومي ، ولم يتمكن البعثيين من الصمود كحزب ذو إيديولوجية قومية محددة .. وكان لإتباعه أسلوب الانقلابات العسكرية للوصول إلى الحكم الضربة القاضية التي حولته إلى مؤسسة فاشية تتكون من الموظفين ، وسقط البعثيون الحقيقيون أمام الانتهازيين ..
أما الأحزاب الشيوعية التي رأت في استيراد المشروع الماركسي حلاً أممياً لمشاكل الإنسانية .. فلم تجد قاعدة شعبية حقيقية ولم نتمكن من تكوين تواجد سياسي على الأرض .. وتحول شيوعيو الأمس إلى أشرس المدافعين عن النظام الليبرالي اليوم.. ويمكن مراجعة الأسماء والمسميات التي لا مجال لحصرها ..
وعن الأحزاب الإسلامية .. التي تأسست من خلال جماعة الإخوان المسلمين بواسطة حسن البنا عام 1928 م في مصر كمجموعة للدعوة والإصلاح .. ما لبث أن تحول إلى أداة للبحث عن السلطة.. إن أعضاء الأحزاب الإسلامية قليل جدا ًمقارنة بأعداد المسلمين.. يقول د. عبد الستار الميليجي القيادي في جماعة الأخوان المسلمين في حوار مع جريدة " المصري اليوم " بتاريخ 25/7/2008 م .. أن عدد أعضاء الجماعة في مصر لا يتجاوز 5000 فقط خمسة آلاف عضو لا غير .. منهم فقط 85 أعضاء مكتب الإرشاد الذي يعتبر القيادة الدكتاتورية المركزية للحزب فيه يختزل نظام الشورى لمجموع أعضاء الحزب.. يمكن القول أنه خرج بوجوه متعددة وبشعارات فضفاضة.. ويمارس أعمالا ًمتناقضة .. أولها تأييد الأنظمة القمعية القائمة .. ثم مقاومة ثورة 23 يوليو القومية .. وارتباطه بالنظام الرجعي الكهني العربي في الجزيرة .. ثم ارتمائه في أحضان الغرب .. وعقد تحالف خطير معه بحجة مقاومة المد الشيوعي .. إلا أن معركة أفغانستان قبلت الأمور وخلطت الأوراق فبعض الإسلاميون تبينوا إنهم قد خدعوا .. وتحولوا إلى قوة انتحارية تنتقم من الغرب وأدواته .. وانقسمت الأحزاب الإسلامية إلى مسميات عديدة والمشكلة التي تواجه الأحزاب الإسلامية أنها في واقع الأمر تطرح أن الناس الذين هم ليسوا أعضاء في الحزب .. هم ليسوا مسلمين .. مع أن أعضاء الأحزاب الإسلامية قليل جداً مقارنة بأعداد المسلمين ولم تتمكن من تأسيس مرجعية دينية أو سياسية .. فصار صراع الأحزاب الإسلامية وجرائم بعضها ضد الناس وصمة عار تسيء للإسلام والمسلمين .. إن الصراع في العراق بين الأحزاب السنية والشعبية وبين الأخوان المسلمين والوهابيين .. يبين أن تلك الأحزاب هي أسماء بلا مسميات .. إنها فقط واجهات لتقسيمات طائفية أو اجتماعية قديمة..
الوطن العربي لا توجد به أحزاب.. إنها محاولة يائسة لتطبيق المشروع الغربي على الواقع العربي الاجتماعي .. وهي نسخة كربونية واحدة ضمن منظومة السلطة .. رغم تعدد الأحزاب في بعض الدول العربية إلى حد الإفراط .. ورغم انعدامها في دول أخرى .. فإن حال الوطن العربي واحد حاكم فرد .. ومحكومين ..
قد يقول قائل هذا تجني .. ولكن مرجعيتي هي واقع حال الأحزاب العربية .. ووضعها الراهن .. برامجها المكتوبة.. أدائها السياسي.. قياداتها..
فالأحزاب السياسية الرئيسية في الوطن العربي من حزب الاستقلال المغربي إلى حزب حركة التحرير الجزائري الى الحزب الوطني المصري الى تيار المستقبل اللبناني الى حزب البعث السوري .. ليست تجمعات اجتماعية تضم القوى السياسية الفاعلة في تلك الدول لضمان استقرار الدولة .. داخلها أقصى اليمين واليسار .. وهي أقرب للحركات الاجتماعية منها الأحزاب السياسية .
في أفريقيا ..
يقول السيد صالح كازابوي .. رئيس الحزب الديمقراطي التشادي المعارض أن عدد الأحزاب في هذا البلد الأفريقي الذي يعاني صراعاً دموياً على السلطة وأطماعاً دولية متباينة وصل إلى 100حزب، وتم إجراء عدد من الانتخابات وفق النموذج الغربي وفي إطار ما يسمى بالشفافية.. لكن حال تشاد بات على ما هو عليه.. سألته في ماذا تختلف هذه الأحزاب ؟
الشيء القطعي أن هذه الأحزاب هي تسميات لمكونات اجتماعية .. ولا تحمل مفاهيم إيديولوجية مختلفة .. ولأن الأفارقة يستخدمون الحروف اللاتينية كرموز مختصرة للأحزاب فإن قائمة الحروف اللاتينية ربما لم تعد تكفي .. لتغطي هذا الكم الهائل من الأحزاب.
الموضة في أفريقيا هي تعدد الأحزاب .. ودعوة مراقبين لحضور الانتخابات.. لكن التدخل الأجنبي لا يترك الأمور تمر بهدوء .. فتحدث الكارثة .. وتتعرى الأحزاب الوهمية من ورقة
التوت .. وتظهر الصراعات الاجتماعية والأثينية وتشتعل نار الفتنة .. وهذا هو حال القارة اليوم .. في كل أقاليمها من جنوبها إلى شرقها وغربها .
الدكتور. محمد عبدي جامع .. نائب المدير العام الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لمنطقة الشرق الأوسط .. وهو صومالي يتحدث عن حالة الدمار والخراب التي يشهدها الصومال من جرأ الصراع الحزبي على السلطة .. ويقول باستغراب: الصوماليون هم مجموعة أثنية واحدة..
وكلهم مسلمون .. وكلهم سنة ومعظمهم شافعية .. فلماذا هذا الصراع ؟ ومن يذكيه ؟ كيف يتسلل الوهابيون إلى هذا البلد السني ليقسموه إلى مجموعة مؤمنة وهابية .. وكثرة سنية كافرة.. لأنها لا تطبق السنة النبوية بمنظور الوهابين ؟ وكيف يمكن أن يندلع هذا الصراع الرهيب.. وهذه المذابح المريعة لبلد لم يشهد تاريخه أي نوع من النزاع بين قبائله ؟
الإجابة الشافية للدكتور . محمد عبدي جامع .. تتجه نحو الحزبية .. والصراع الحزبي.. علاوة على أطماع الدول الأجنبية .
الأحزاب في أفريقيا عموماً نوعان .. أحزاب وطنية ورثت حركة المقاومة ضد الاستعمار وقادت مرحلة التحرر الوطني .. وأجبرت بحكم الضغط الخارجي من الدول الاستعمارية السابقة إلى التحول إلى أحزاب .. والنوع الآخر .. أحزاب أسستها الدول الاستعمارية السابقة في أطار فرض النموذج الليبرالي بهدف استمرار سيطرتها على مستعمراتها السابقة .. وبين النوعين أعداد هائلة من الأحزاب التي يعتقد بعض أعضائها أن الحزب شيء حقيقي وليس وهم.
الأحزاب الأفريقية جميعاً تمول من مصدر واحد وهو الدول الاستعمارية السابقة .. وتلك الأحزاب التي تستدر أكبر قدر من التمويل تضع لنفسها موطأ قدم في السلطة .. ولأن مصالح الدول الاستعمارية تتناقض أحياناً فإن ذلك ينعكس على الأحزاالأفريقية. .
يمكن القول لا توجد اليوم أحزاب أفريقية ذات إيديولوجية محدد سواء على الصعيد السياسي والاجتماعي أو الاقتصادي.. وإنما توجد مجموعات مصالح .. ترتبط بمصالح خارجية في أغلب الأحيان .
فالأحزاب الأفريقية تأسست وفق معطيات إقليمية حسب الحدود الاستعمارية.. وتأسست لتأمين مصالح الطبقة الحاكمة التي ورثت الاستعمار .. وتعمل بتمويل في معظم الدول الاستعمارية وهذا يفسر أسباب الصراعات المدمرة التي تعصف بالدول الأفريقية واحدة تلو الأخرى من جرأ صراع مصالح الدول الاستعمارية .
ربما يصدق البعض أن الصراع في روندا له أسباب عرقية تكمن في خلاف بين التوتسى والهوتو.. لكن ذلك لم يفسر الصراع في الكونغو ولا زيمبابوي ولا كينيا .. لقد تبين الآن دون مجال للشك أن أيدي المستعمر كانت لاعب رئيسي في روندا .. والأيادي الأمريكية ليست بعيدة عن صراع دارفور وجنوب السودان والبلجيكيين دائماً تظهر في الكونغو ..
عند ما كان صالح كازابوي يتحدث في محاضرة حول مستقبل تشاد يحلم أن يتطور نظام حزبي يمكن أن يشكل حلاً للمشكل التشادي لكنه غفل أن الصراع في تشاد ربما كانت وراءه دائماً مصالح دول أخرى .. وينفذ بأدوات مختلفة .
في موريتانيا كان التهليل للتعددية الحزبية والانتخابات الديمقراطية منقطع النظير لكن بضع أشهر موريتانيا كانت كفيلة بفضح النظام الحزبي.. وتبيان حقيقة التعددية .. وصدقية الانتخابات النزيهة .. وماهية عشرات الأحزاب .. وارتباطاتها الداخلية والخارجية.. وأسباب هذا التحول الكبير للأحزاب من هذه الخانة إلى تلك .. السلطة الموريتانية الذي لم تكن سوى ديكور لنظام حكم معين .. ولصراع مصالح بين دول ومجموعات .. وربما يقدم حجة مقنعة حول هذه العلاقة العار بين موريتانيا ودول الكيان الصهيوني.. هل يمكن فهمها في غير إطار مصالح الدول الكبرى في المنطقة .. وارتباط الأحزاب والمجموعات بدوائر الدول الاستعمارية ..
روبرت موجابي ذلك المكافح العتيد ضد العنصرية .. والعدو اللدود للإمبريالية الذي تمكن من قيادة الشعب الإفريقي في معركة تحرر بطولية فكان أول من أسقط العنصرية في أفريقيا .. وصار نموذجاً لمقاومة سياسة التمييز ..موجابي ربما توقع أن تبني الحزبية المتعددة ربما تساعده في نيل رضاء العنصريون السابقون .. لكنهم استغلوا ذلك للثأر من موجابي .. وتشويه تاريخه وتحويله من رمز للتحرر في زيمبابوي إلى دكتاتور ضد الديمقراطية .. وبتمويل من العنصريين السابقين أشعلت نار الفتنة في زيمبابوي .. وصار هذا البلد الأفريقي نموذج التحرر واسترداد الحق الأفريقي .. وإنهاء العنصرية.. واسترجاع الأراضي للسود.. صار على حافة الهاوية .. الشعب الأفريقي كيانات اجتماعية لها انتماءات قبلية .. لكن حالة تعايش دائم بين القبائل الأفريقية هي السمة السائدة للعلاقات بين أفراد الشعب الأفريقي.. ولم تشهد أفريقيا في تاريخها صراعاً دموياً بين قبائلها ومكوناتها الاجتماعية .. كذلك الصراع الذي شهدته القارة الأوربية أو الآسيوية ..
الشعب الأفريقي شكل نسيج متجانس من قبائله ومكوناته .. وأوجد آليات عملية للتعامل مع المشاكل .. لم يكن بينها الحرب والصراع .. فكان الإنسان الأفريقي دوماً مسالماً .. هادئاً..لكن فرض المشروع الحزبي على القارة الأفريقية هدد ذلك وحول القارة الأفريقية إلى برميل بارود ينفجر كل يوم في مكان ما.
كل الأحزاب الأفريقية التي يصعب حصرها تدعي الديمقراطية والعمل من أجل الشعب والتنمية والعدل .. وكلها تدعوا إلى الوحدة والاندماج الأفريقي لكنها عملياً ليست كذلك .. إنها بؤرة صراع .. وهكذا اتضحت أنها حاجز ضد الديمقراطية وهي بالتأكيد حائل دون التنمية .. ولا تسمح بالعدل والمساواة .. وهي عائق ضد الاندماج الأفريقي .. فالخطوة الأولى نحو أفريقيا موحدة ديمقراطية صاعدة .. تبدأ بالنضال ضد الحزبية .
الخلاصة
الصخب الطاغي اليوم حول الأحزاب ودورها وأهميتها وصراعها سبب في توجيه الشعوب المتطلعة إلى الحرية حالة من انعدام الوعي وفقدان الثقة في النفس .. ومكن للفشل والتخلف والتبعية .. لكن الحزبية المنهج الغربي في ممارسة الديمقراطية يفرض بكل الوسائل كأمر واقع .. حتى صار مناهضوه يتوقعون أن تمكنهم منه لن يتم إلا بإتباع منهجه وهذا تناقض رهيب وخطير .. انه فعلاً أفيون العصر الحديث .. أصاب السياسيين والمثقفين وقادة الرأي والفكر .. الكل يتوهم أنه الطريق الوحيد نحو الديمقراطية مع أن واقع الحال يبين أن الحزبية إجهاض للديمقراطية.. وهي السد الذي يحول دون الجماهير وممارسة السلطة .. انه أداة تكبيل حرية الأفراد والجماعات ومن غرائب الأمور أن الأحزاب هم أكثر الناس معاناة لتعسفها وجورها وظلمها .
إن المعركة ضد المشروع الغربي تستدعي معركة ضد النماذج الحزبية .. وهي عملية صعبة ومعقدة وخطيرة .. أشبهها بمعارك التحرر عن الاستعمار .. إن إقامة نموذج جديد للديمقراطية تتحقق فيه حرية الأفراد والجماعات يتطلب ثورة عالمية جديدة قد تحتاج لاستخدام كل الوسائل المتاحة.. فلقد صارت الحزبية حصن كبير لا بد من تحطيمه أولا لتحقيق الحرية وهذا يحتاج إلى تضحيات جمة .. المعركة القادمة في رأيي هي الحرب على الحزبية وعلى التعددية حتى تسقط المشروع الغربي الذي يفرض علينا بالقوة .












