بقلم : زيد ابوزيد
مثل انسحاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من منتدى دافوس الاقتصادي ،عملاً حظي بإعجاب وتقدير الكثيرين، بعدما اعتبروا أن رده على رئيس الكيان الصهيوني شيمون بيريز بطوليا وجريئا، في ظل ما يعتبرونه تخاذلاً عربياً أمام عدوان صهيوني سافر على أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة .
لقد قرأ أردوغان جيداً واقع تركيا ومكانتها ودورها في ظل موازين القوى الاقليمية والدولية، وقرر الدور المستقبلي لوريثة الامبرطورية العثمانية عبر المدخل المناسب،فالصراع العربي الصهيوني مرض عضال مستعصِ على الحل،والنظام العربي عاجز عن أخذ أي دور،والقنوات التركية مع الكيان الصهيوني مفتوحة منذ عقود،و غزة تذبح على الهواء مباشرة،وتركيا تفتقد القائد الملهم منذ أتاتورك ،وصور الأطفال الرضع وطلبة المدارس على كل شاشات التلفزة تظهر بشاعة العدوان الوحشي الصهيوني على قطاع غزة،فكان التحرك التركي صاخباً يعبر عن حلم بإعادة الدور لإمبراطورية أفل نجمها؟.
وتركيا التي لا تزال تناضل لاستكمال نموذجها، هي الآن أكثر قابلية للنجاح في المستقبل ،وهي نموذج لا يسعى للحرب،بل لبناء اقتصاد قوي ومزدهر،وإحداث تنمية مستدامة ،وعلاقات دولية لا تكون فيها بيد أحد،ولكنه أيضاً نموذج يسعى لتشكيل مركز اقتصادي وسياسي،وربما عسكري في المنطقة والعالم،معتمداً على إرث تاريخي ورؤية جديدة،في منطقة عرفت الدور التركي القديم فقاومته،وسعت إلى إخراجه من بين ظهرانيها.
والسؤال:هل تجاوز الدور الإقليمي التركي أخطاء الماضي، وسد ثغرات نموذجه ليستكمل نفسه ويجدد هويته، و ذلل العقبات الداخلية وهي كثيرة وجدية، لتكون تركيا احد مراكز القوة العالمية؟.
إنَ إجابة هذا السؤال تتطلب التدقيق في طبيعة الدور التركي في المنطقة، وماهية الأهداف التي يسعى لتحقيقها، وهذا للحكم على النموذج من الداخل والخارج،ولكن المؤكد هناك دوراً تركياً بدأ يتعاظم في المنطقة العربية، خاصةً في أعقاب العدوان الصهيوني الإجرامي على غزة، ،وهو أَمْرٌ مُتَوَقَّع، من دولة تبني نفسها بهدوء وعقلانية ومنطق، بناءً يقوم على أسس قوية، من نظام سياسي قوي، واقتصاد يشهد الكثيرون بتطوره، وقيادة أجبرت الجميع على احترامها، ولم تَبْنِ تركيا نفسها بإعلام مزيف يُضَخِّم الأمور ويكذب، ولا يعكس الواقع، كما تفعل العديد من نُظُمِنا العربية التي تجيد الصياح فقط ،ولكننا لا نستطيع أنْ ننسى التاريخ،ولا بد أنْ ندقق ونتابع جيداً هذا النموذج الذي يتشكل في ضوء مصالحنا كأمة عربية أولاً وأخيراً.
لقد كان من المنطقي أن يتطور الدور التركي عالمياً، ويلمع على مسرح السياسة، فنظامها السياسي يسعى بهدوء وبدون ظاهرة صوتية فارغة لبناء دور كبير يتناسب والتاريخ الأمبرطوري للدولة العثمانية الآفلة،ويحقق لتركيا السيطرة في منطقة ضعيفة ومصابة بعجز وجاءت نظمها السياسية دون إرادة جماهيرية،وقد أثار الدور والسلوك التركي الإعجاب الشعبي باعتباره معتدل ومتقدم ومتوازن ومصمم على النجاح ،وهو بالضبط ما تفتقده الأمة العربية في هذه المرحلة من تاريخها العاجز والمتهاون واللا متوازن ،حيث أخذت تركيا بعناصر القوة في موقعها ومكانتها واستخدمتها في المساومات من اجل مصلحة تركيا أولا.
لذلك قد لا يكون انسحاب السيد رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا من ندوة عقدت في إطار فعاليات منتدى دافوس الاقتصادي مفاجئاً بسبب عدم السماح له بالرد على مغالطات شمعون بيريز رئيس الدولة العبرية، حول عدوانها الأخير على قطاع غزة،فمن يسعى لدور كبير ،ويسعى لتحقيق حلم الأمة التركية ببناء إمبراطورية جديدة ،لابد أنْ يرسم خطواته بعناية فائقة،خاصة انه دافع عن شعب أعزل أدى العدوان عليه إلى استشهاد أكثر من ألف وثلاثمائة وخمسين شخصا، جلهم من الأطفال والنساء والشيوخ، في مواجهة حامل جائزة نوبل للسلام بيريز الذي يدافع عن العدوان الهمجي الوحشي،ويدافع عن قتل الأطفال بدم بارد ،ويدعي رغم ذلك بالرغبة والحرص على السلام ،فكانت مواجهة يتعطش العالم العربي على المستوى الشعبي لمشاهدة فصولها منتصراً لأردوغان.
أما بيريز فمعروف بكذبه وتزيفه للحقائق،وهو صاحب مجزرة قانا الشهيرة في لبنان،والتي راح ضحيتها المئات من الشهداء أغلبهم من الأطفال والنساء،ولكن الجديد هو دور وموقف أردوغان،فقد قال ما يسلّط الضوء على الدور التركي ونموذجه في ان يكون على الصعيد الخارجي خارج الاستقطاب ، فالمعادلة لم تكن مجرد قراءة سياسية أو عسكرية لتوازنات القوة، بل كانت دخولا تركياً في عمق المجال الحيوي للعالم العربي على الصعيد الجغرافي والحضاري والتاريخي فضلا عن الحسابات السياسية والاقتصادية والأمنية.
فعلى امتداد الفترة التي تلت وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا والتجاذبات التي حدثت مع العلمانيين المدعومين من الجيش التركي ،أظهر أردوغان حنكة ووعي كبير مكنه من تجاوز كثير من معيقات لعب دور اليوم الذي سيجنبه بالتأكيد المواجهة الداخلية لوقت طويل خاصة مع الجيش الذي يسعى بدوره لدور تركي إقليمي ودولي فاعل.
لقد طبق أردوغان رؤية إستراتيجية قائمة على الاستفادة من الأحداث في اتجاه ترسيخ سياسة تعدد البعد التي ينتهجها والتراجع عن سياسات سابقة خاطئة كسياسة الاستقطاب التي ورثتها تركيا عندما وجدت أنها ليست مفيدة.
إننا لا نتحدث هنا عن قوة عظمى، أو غير عادية، ولكننا نتحدث عن دولة عادية، لديها مشكلات، وتناقضات سياسية وخارجية جمة، وكانت نظمها السياسية التقليدية، التي هي إما عسكرية أو علمانية "كَمَالِيّة"، تأتمر بأمر العسكر،و تدور في دائرة مفرغة، نتيجةً لعيوب كبيرة في نظامها السياسي، وتعانيً الفساد الذي يأكل التنمية الاقتصادية، حتى جاءت جماعة سياسية لِسُدّة الحكم ، فعملتْ بوطنية وحب لبلدها على حل هذه التناقضات، حتى وصلتْ في ست سنوات إلى هذا المستوى، الذي جعل تركيا العادية صاحبة المشاكل الكثيرة، دولةً إقليميةً مؤثرةً، ولها كلمتها ووزنها،في الوقت الذي جاءت أزمة غزة لتكشف إلى أي حد وصل ضعف وهوان النظم السياسية العربية، التي وقفت عاجزةً تتفرج على المجازر الإسرائيلية والصمود الفلسطيني، والانتفاضة الشعبية في العالم العربي والإسلامي، كانت هذه الأزمة نفسها هي التي أكدتْ صعود نجم تركيا كدولة إقليمية مهمة في وقت عجز النظام الرسمي العربي عن عقد قمة عربية طارئة بقرارات نوعية توقف المجزرة والتنازل عن الحقوق والثوابت الذي بدأ ولم يتوقف.
إنً المواقف السابقة تؤكِّدُ أن تنامي وتعاظُمَ الدور التركي في المنطقة العربية، سواءٌ على الأسس الأخلاقية أو السياسية البحتة، كان تعاظُمًا منطقيًّا، وتستحقه تركيا وقيادتها الحالية،ورغم إدراك القادة الأتراك أنّ أي دور تلعبه تركيا سيكون محدودَ التأثير، بسبب المواقف المتعنتة للكيان الصهيوني، لاعتبارات أهمها المزاد الانتخابي الصهيوني الذي يتبارى ممثلي الأحزاب الصهيونية في إشعال المنطقة لحساب قادتها الانتخابية، في غياب كلي للضغط الأمريكي، وغياب عوامل الضغط الدولية الواضحة والصريحة، والقادرة على كبح جماح الكيان الصهيوني،ناهيك أنً ما يتم على أرض الواقع دعماً غير محدود لسياسات الكيان الصهيوني ،بالإضافة إلى القيود الإقليمية التي تُكَبِّل أي تحرك تركي وغير تركي، ومنها حسابات بعض الدول العربية، وعلاقتها السلبية والمنحازة ضد حركة حماس، ومع ذلك كله نقول أن الدور التركي مشروع حتى الآن في العدوان الصهيوني الجائر،و النظام الرسمي العربي المتواطئ، بل ربما المشارك أيضا في العدوان الصهيوني، ويتضح ذلك بجلاء من خلال سلوك مندوبيه وممثليه في المحافل الدولية، واستقبالاتهم الحارة للمبعوثين الأمريكيين، مثل جورج ميتشل وغيره ، دون أن يقدموا على الاحتجاج على تصريحاته وتصريحات رئيسه ورئيسته وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون المنحازة بالكامل إلى المجازر الصهيونية والبطش الصهيوني.
أما الأنظمة العربية التي تبدي إعجابا بالتقدم التركي وانتشار الدور ليس للاستفادة منه بل تعويضا عن تهاون وضعف في الإرادة، لا الإمكانيات، ورغبة في موازنة عجزوا عن تحقيقها ضد ما اعتبروه العدو الإيراني، فاستجاروا بالجار التركي والقوة التركية الصاعدة علها تحررهم من عدو ربما لا يشكل في النهاية سوى وهم.
نقول أننا يجب أن لا نحاسب القوة التركية والإيرانية النامية ،والدور البارز لهما في القضايا التي تخص العرب،بل يجب أن نكون نحن العرب جزء من المعادلة الجديدة وهي :كيف نحافظ على عوامل القوة المستقاة من تحالفاتنا الدولية والإقليمية الصحيحة كالاتحاد الإفريقي الذي يشكل رافعة هائلة للأمة العربية في حال تم نسج علاقات ايجابية معه، ؟،إن العلاقات التحالفية المستندة إلى وحدة الجغرافيا والتاريخ والأصول الديموغرافية فيها الحفاظ على الهوية ،وتعزز السعي نحو الوحدة التي ستبقى الأمل الوحيد للخلاص من حالة الوهن والهزال والتفكك.














من الأردن