مؤتمر دولي حول العنصرية .. محاولة من الأمم المتحدة لتحسين صورتها في العالم بعدما صارت أداة لبعض الدول المتمكنة في العالم .. لكن الرياح ذهبت بما لا تشتهي السفن .. هدف المؤتمر المعلن فضح العنصرية ووضع الخطط اللازمة لمقاومتها والتخفيف من آثارها المدمرة للإنسانية.. ومتابعة الخطوات التنفيذية لما اتفق عليه منذ مؤتمر دربان ..
لكن وقائع المؤتمر لم تتحمل أن يشار بالبنان .. أو من طرف اللسان إلى الممارسة العنصرية الأكثر وضوحاً للناس كافة .. في دولة الكيان المغتصب لفلسطين .. فأصحاب القرار في الأمم المتحدة الذين تتمحور حملاتهم الإعلامية حول حقوق الأفراد والجماعات .. وحمايتها والدفاع عنها لم يرق لهم أن يتهم ذلك الكيان بالممارسة العنصرية ولو من طرف خفي أو من وراء حجاب .. يتركون القاعة عندما ينطق أي متحدث كان من مشارق الأرض أو مغاربها اسم دولة الكيان بسوء حتى لو كان على استحياء .. أو في إطار التبرير والتمييع ..فذلك خط أحمر محروس .. جبروت القوة والبطش ...
لقد شاهد العالم كله على الهواء مباشرة .. أطفال غزّة وهم يحرقون أحياء بقنابل الفسفور .. واستمعوا إلى قادة الدولة العنصرية الوحيدة الباقية في العالم وهم يتبجحون بانجازاتهم في قتل الفلسطينيين وتشريدهم دون خجل .. بل أخذتهم الغزَّة بالإثم لينتخبوا حكومة من أفراد مهووسين بالعنصرية شعار حملتهم المعلن إبادة العرب ..
السؤال هل من معنى للعنصرية .. إذا كانت لا تنطبق على الاحتلال الغاصب في فلسطين .. رغم كونه الشكل السياسي الوحيد الذي يمتلك كل المقومات لاكتساب وصف العنصرية.. فهو ليس كياناً استعمارياً عادياً وفق لما عرفناه عن الاستعمار.. حيث خرج من الدول المستعمرة وتم استيعاب من بقى منه في المستعمرات.. وليس نتاج عمليات هجرة عادية .. هروباً من أمر ما .. أو طلباً لمعطيات حياتية جديدة.. حيث اندمج المهاجرون مع السكان الأصليين ليكونوا مجموعات بشرية جديدة .. ربما أفضل الأمثلة عليها سكان الأمريكيتين.. وهو ليس مجموعات عرقية تبحث عن فرض نظام قلة على أكثرية من مجموعات أخرى كما كان الحال في جنوب القارة الأفريقية.. إنه العنصرية في كامل أوصافها من ناحية الشكل والموضوع .. فهم مهاجرون بحثاً عن مطالب عنصرية دينية .. وهم اعتمدوا سياسة التطهير العرقي العلني بالقتل والتهجير القسري .. وهم دولة عسكرية كل سكانها الصهاينة تحت السلاح .. عقيدتهم قتل السكان الأصليين .. وهم يبحثون عن التوسع المستمر لاستيعاب مزيد المهاجرين .. ولا يتورعون في القيام بأي عمل يعزز فكرتهم العنصرية ..لعل آخرها جدار الفصل الإسمنتي الذي يمتد لمئات الكيلومترات ..
عندما طرحت فكرة السلام مقابل الأرض توهم البعض أنها طريقة لتهذيب النزعة العنصرية الصهيونية وإمكانية استيعاب اليهود .. في المنطقة العربية..وفقاً لمعايير التعايش السلمي بين الناس .. لكن العنصرية الصهيونية .. استخدمت الفكرة وسيلة لتثبيت أقدامها في الأرض العربية في فلسطين .. فسقط القناع عن ماهية المنظرين للمشروع الاستسلامي .. وانكشفت حقيقتهم .. لقد نظر دعاة ما يسمى بالسلام مستندين إلى الفوائد المادية التي ستجنى من ذلك.. توهموا إمكانية احتواء الفكرة العنصرية للكيان الصهيوني من خلال التلويح بالنمو الاقتصادي والاندماج الثقافي والاجتماعي .. لكن الفضل يرجع إلى العنصرية الصهيونية التي رفضت التعامل مع أولئك .. وتركتهم على قارعة الطريق .. يسبحون في أحلام اليقظة .. فازداد تبجحهم بالعنصرية .. وتصاعدت عملياتهم الوحشية البربرية .. ولم يتورعوا أن يأتوا أي من الأعمال مهما كانت منافية للإنسانية..
عندما فازت حماس في الانتخابات في فلسطين في إطار مشروع غزَّة أريحا... الذي لا يعدو كونه طرحاً جديداً لفكرة الحكم الذاتي التي تبناها السادات في اتفاقيات إسطبل داوود .. رفضت الدول التي رعت مشروع اتفاقية أوسلو.. نتائج الانتخابات.. وعملت كل جهدها لإسقاط سلطة حماس في أجزاء قليلة من الضفة والقطاع .. وفرضت عليها الحصار .. تحت حجة أن حماس تمثل شكلاً عنصرياً ما.. ولا تعترف بدولة الكيان الصهيوني .. يتم تجويع الشعب الفلسطيني الأعزل لمعاقبته على التصويت لحماس .. وتشترط تلك الدول الرعاية لما يسمى زوراً عملية السلام أن تتنازل حماس علناً عن حقها المشروع في مقاومة الاحتلال للتعامل معها .. لكن نفس تلك الدول ترفض مجرد الاستماع إلى كلمة واحدة تتهم الكيان الصهيوني بالعنصرية .. بالرغم من فوز عناصر يمينية متطرفة بالمعايير السياسية السائدة في الانتخابات .. وشكلت الحكومة الصهيونية الحالية .. والتي تتبجح علناً بأنها عنصرية بأعلى الصوت ولا تعير أي اهتمام لأي كان .. ويهدد وزير خارجيتها بضرب إيران وتدمير السد العالي .. وتهجير من بقي من الفلسطينيين ..
إن ما حدث في جنيف يطرح أسئلة جوهرية حول جدوى المؤتمرات الدولية في كنف الأمم المتحدة حول أي موضوع .. وعن أي عنصرية سيتحدث الناس إذا أسقطت دولة الكيان الصهيوني من هذا الحساب .. أي حقوق يمكن المطالبة بها إذا كان حق الفلسطينيين في مجرد الحياة البيولوجية مُصادر .. وماذا عساهم الحكام العرب فاعلون .. وهذا العنصري النتن .. يتبجح بأن فلسطين أرضٌ لليهود وحدهم دون سواهم .. وأن دولتهم يهودية خالصة دون أية شائبة .. ويطالبهم بالاعتراف العلني بذلك قبل أن يواصل معهم ما يسمونه عملية السلام .. أسفي على أمة يقودها بعض أبنائها إلى الذل والإهانة ... وحسرتي على آلاف الشهداء الذين قدموا أرواحهم ليكتبوا ملحمة الحرية .. هل من موقف عربي لمعاقبة هذا الصلف الاستعماري الذي يستهين بنا في كل شيء ... سؤالٌ .. ربما نشهد له إجابة في القريب العاجل ..
ولا حول ولا قوة إلا بالله .. وإلى لقاء ..
عن صحيفة قورينــــا














من فلسطين