نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
المنطق البرجوازي وقضية السلطة

بقلم:أ.د المهدي امبيرش 

 

 المنطق من الأساس تركيب يرتبط بالقوانين المادية (الفيزيقية) البحتة ، وكذلك بقوانين الحيوانية البحتة ، ونقصد بالقوانين الفيزيقية هي القوانين التي تحكم المركّبات الفيزيقية المادية ، أي الذرات والأجزاء التي يتركب منها الكل المتشيأ الذي يوصف بالكلية ، ولأنها مركّبات ، فإنها قابلة للتجزئة ، أي للتفكيك ، ولإعادة التركيب ، وكذلك للتحليل في الوصف بالتجزيئية ، والتفكيكية والتحليلية الذي نقرؤه ضمن مصطلحات بعض المدارس المتعلقة بالفكر وقضاياه ، أنما تكشف عن هذه النـزعة المادية الفيزيقية ، وأن تعميمها أو حتى استعارتها إلى الفكر وقضاياه إضافة إلى أنها تكشف منهج القائلين بذلك ، إنما تُحدث تشويشًا معرفيًا قد يزيف الوعي ويُحدث انحرافًا خطيرًا ليس في منهج التفكير ومنتجات الذهن الإنساني ، أي الأفكار ، بل في المعايير ومن ثم السلوك ، فالعلاقات الفيزيقية التي تتحكم في المادة الفيزيقية التي توصف أنها جامدة أو سائلة ، يقوم هؤلاء بسحبها على العلاقات الإنسانية ، وعلى طبيعة هذه العلاقات ، وعلى الفعل والسلوك الإنساني ومن ثم تؤثر تأثيرًا منفيًا على القيم الإنسانية إذ ستضع مكانها مقاييس وأوزان وغير المقاييس والأوزان مما يستخدم في قياسات ومعايير المادة ، ويمكن القول إن النـزعات الفيزيقية القديمة التي تأسست عليها أطروحات ونظريات ، ومواقف وسلوك بدءًا من الخرافات والأساطير حتى التقعيد الفيزيقي ، بدأت بسؤال العلاقة عن الوجود من خلال الموجود ، وبالضرورة فإن أصحاب النـزعة الفيزيقية سينـزعون عن الإنسان قدرته على الوعي ، كما ينـزعون إرادة الإنسان في الفعل فيتحول الإنسان إلى مخلوق فيزيقي جبري ، أي أنه يخضع لقواعد سلطة الفيزيقا (الفيزوقراطية) ، ومن ثم يعادي الفيزوقراطيون بعامة مشروع الحرية الإنساني ، كما يعادون الديمقراطية بداهة ، أن الديمقراطية تعطي الجماهير القدرة على إصدار الأحكام واتخاذ القرارات ، في حين أن هذه النـزعة الفيزوقراطية تلغي ذلك .

إن هذه النـزعة أوجدت على مستوى منهج الفيزوقراطيين المنطق التركيبي ، ونقصد بالمنطق التركيبي هو هذا الشكل ، أو بلغة أرسطو الأرغانون الذي يسمح بتنظيم أجزاء وعناصر المادة التي أذهلتهم بتكثرها ، وخاصية التغير ، والتبدل فيها ، فالمنطق التركيبي الشكلي يحاول أن يعالج هذا التكثر وهذه الحركة ، ومن ثم تحتاج إلى شكل Formيسمح بالحركة ولكن داخل الشكل ، فالشكلية Formalismتكشف عن هذه الأزمة في منهج التفكير الذي أدى إلى النظر إلى الكائنات الحية بعامة والإنسان على أنه مادة فيزيقية .

وقد ذهبنا في دراسات سابقة إلى جذور هذا المنهج في الخرافات والأساطير القديمة وتحديدًا في المنطقة التي يطلق عليها الشرق القديم ، في آسيا والمنطقة العربية التي تقع في الامتداد الآسيوي ، وقد كان منطق الخرافات والأساطير في حاجة إلى هذه النـزعة المادية التركيبية ، حيث شهدت هذه المنطقة قديمًا ممالك وإمبراطوريات اصطناعية ، أي أنها ليست مكونات طبيعية قومية ، جاء ذلك نتيجة الغزو والتوسع ، الأمر الذي أدى إلى القبول بالمنطق التركيبي ، فالغزاة يسعون في البداية إلى الاحتلال والإحلال ضمن وهم الفراغ ، ومن ثم فإن مصطلح الاستعمار المتداول حديثًا يقوم على إدعاء وجود الخلاء والخواء والفراغ الذي يحتاج إلى الامتلاء ، الامتلاء يفرض بداهة الإملائية والدكتاتورية ، ولأن الغزاة يعجزون على السحق بالكامل للسكان الأصليين المكونين طبيعيًا ، فإنهم يضطرون إلى البحث عن منطق تركيبي استعلائي يسمح بالبقاء العضو الفسيولوجي للسكان الأصليين ولكن يوضع هؤلاء في قاعدة المثلث ، الذي هو منطق السلطة الاستعلائية ، والبقاء في القاعدة محكوم بقانون الترسب والثفالة ، وكأن السكان الأصليين هم مادة رسوبية تبقى في قاع الشكل المنطقي التركيبي للسلطة الاستعلائية والتفوقية ، ومن ثم تأتي مصطلحات النجس ، والمدنس ، والشر ، والظلمة ، كما هي المصطلحات التي يستخدمها خطاب الغزو والاحتلال ، أو قل مصطلحات مركزيات السلطة والقوة والخطاب ، ولذلك تفرض الطبقية بشكل حاد ، ومن يتتبع تأريخ هذه الأشكال القديمة يكتشف أنها تأسست على الطبقية والتراكم الطبقي ، مع ملاحظة أن الطبقية والتراكم هي مصطلحات فيزوقراطية بحتة ، أي تتعلق بالأرض ، والطبقات الأرضية ، ومن ثم ندرك ظهور مصطلحات الحفر في الخطاب المعاصر ، وتدمير الطبقات في القاموس الفيزيقي الماركسي ، وبالمقابل نجد في الخطاب الأرستقراطي القول بالتراكم بما في ذلك ما يطلق عليه التراكم الثقافي .

إن هذا المنطق التركيبي الذي يتأسس على منهج تفكير فيزوقراطي هو الذي دفع بمن يطلق عليهم بالمثاليين إلى القول بالمفارقة ، أو بالحقيقة القبلية ، فأفلاطون ، على سبيل المثال ، هو منطقي برجوازي ، بالمصطلح المعاصر ، فهو ينتصر للمدينة ، والمدينة الدولة ، ولأن المدينة هي مركّب منطقي ، أي ليست مكونًا طبيعيًا ، فإن أفلاطون يقبل بهذا المنطق التركيبي في شكل (دولة) المدينة ، بشرط أن يتم تركيب جسد الدولة على شكل جسد الكائن الحي الإنساني كما توهمه ، فالجسد الإنساني عنده مركّب من مقاطع ثلاثة ، هي الرأس ، والصدر ، والبطن ، ومن ثم فإن هذا المركّب أو باصطلاحه الدولة الصغيرة يتأسس على العدل ، والعدل عنده هو في بقاء كل طبقة من طبقات الجسد في مكانها لا تتحرك ، لأن كل طبقة تحتل موضعها احتلالاً طبيعيًا في نظره ، فالدهماء أو الديموس أو العامة هم في قاع الشكل الاستعلائي الأفلاطوني لخصائص فيهم ، فهم قوة شهوانية مدفوعة بدوافع الغريزة الحيوانية ، والبوليس هو القوة الغضبية أو الثيموس الذي يأتي وسيطًا بين القوة الشهوانية أو هذه الثفالة المترسبة في قاع الشكل ، أو منطق السلطة التركيبي ، وبين الفلاسفة الحكام الحكماء الذين هم عقل محض ينصرف إلى الغيبي والنظري ، أي الثيوس في مقابل الديموس ، أو الدهماء والجماهير ، ومن ثم فإن المنطق الأفلاطوني ينتصر للشكل ، وللتجريد العددي ، أي ينتصر للهندسة والرياضيات والتعددية ، وبذلك ينـزع المنطق الأفلاطوني إلى السكون ومعاداة الحركة والتغيير ، فأفلاطون بذلك يستخدم المنطق الفيزوقراطي ، وإن كان ينتصر للتجريد العددي الرياضي ، أي أن منطقه يبقى منطقًا تركيبيًا ، ويمكن القول إن أفلاطون بذلك هو المؤسس للشكل الجمهوري السائد الآن في العالم ، ونقصد بالجمهوري هو هذا الشكل الطبقي الذي يقوم على التجزيئية ، أي يرفض الجماهير ويقبل بالتجزئة الجمهورية ، حيث الجمهور هو القلة في مقابل الجماهير ، وأطروحة أفلاطون في السلطة هي التي أوجدت في بداية الإمبراطورية الرومانية المنطق التركيبي لأطروحة هذا التوسع الروماني الإمبراطوري ، فقد أعيدت صياغة أطروحة أفلاطون في المدينة الدولة للتوسع إلى المدينة الإمبراطورية ، وهذه الإمبراطورية بما هي مركّب اصطناعي تحتاج إلى تبرير منطقي تركيبي بداهة ، ويمكن القول إن ما يسمى بالـ Globalization  أو ما يترجم إلى العربية على غير دقة على أنه العولمة ، هو آخر أشكال المنطق التركيبي ، أي من المدينة الدولة إلى المدينة الإمبراطورية ، إلى المدينة العالم ، وفي كل هذه الأوضاع يتم العداء للحركة والثورة والتغيير ، ويسمح بالصراع داخل الشكل تحت مبررات عدة ، ومن بينها أطروحات الانسجام ، والتكيف ، والتناغم ، وبالضرورة أن يكون هذا المنطق التركيبي إما تركيبًا لمقاطع ، أو العودة إلى قوانين الذرية ، أي تركيبًا ذريًا ، وهذا النوع من التركيب يحتاج إلى منطق ، أي على منطق ذري ، ومن ثم اشرنا إلى أن منطق هيغل على سبيل المثال هو منطق تفوقي ، أي يسمح بالتركيب الطبقي ، وبالصراع داخل الشكل ، أي بصراع الضدين ، الـ Thesis والـ Antithesisوهذا الصراع يتم المحافظة عليه داخل منطق السلطة التفوقي ، أي داخل الأرغانون الذي يجعل من قمة المثلث روح التاريخ Der Geist der Geschichteوقد أشرنا في مقالات سابقة إلى العلاقة بين مصطلح  Die Schichte التي هي الطبقة الأرضية في اللغة الألمانية ، وبينDie Geschichteالتي هي التاريخ أو السرد في الألمانية كذلك ، أي يلاحظ أن منطق هيغل هو منطق يتفوق على الطبقة الأصلية بما هي مكون طبيعي ، أي أنه يتقدم على الفيزيقي للميتافيزيقي الذي هو الروح ولكن داخل الشكل المنطقي الهيغلي ، وبذلك يتجه هذا المنطق الهيغلي التركيبي اتجاهًا صوفيًا ، فمصطلحDer Geist في الألمانية هو الروح ، فيكون الفرق بين المنطق الهيغلي والمنطق الأفلاطوني ، أن المنطق الأفلاطوني يتجه نحو التجريد العقلاني ، وأن الحقيقة مفارقة في عالم المثل في السماء ، وأن المنطق الذي يتأسس عليه شكل السلطة هو منطق خلاص ، أي مشروع لتخليص النفوس التي كانت في عالم المثل وسقطت إلى الأرض فدخلت كهف الغريزية والشهوات ، فعالم أفلاطون هو عالم لاهوتي ، أي أن خطاب أفلاطون كخطاب اللاهوت المسيحي الذي يرى أن الله في السموات ، وأن جهود التطهير أي القضاء على معسكر الشر هو النتيجة النهائية للتاريخ ، حيث سيصعد المتطهرون إلى السماء عندما يهبط المسيح الرب الذي اتحد فيه اللاهوت بالناسوت فيحملهم إلى ملكوته في الأعالي ، وبذلك يلتقي المنطق الأفلاطوني الذي يعتمد التجريد الرياضي والشكل الهندسي بالمنطق الذي يتأسس عليه الشكل الليبرالي المعاصر ، فالتعددية التي يقول بها الخطاب الليبرالي تستند على هذا التجريد العددي ، وكما نعلم فإن المركّب العددي هو مركّب شمولي ، وبذلك فإن الإنسان ليس سوى عدد مجرد ، هذا العدد المجرد هو جوهر مستقل ، ولهذا قلنا إن الليبرالية لا تسعى إلى الحرية بمفهومها القيمي والأخلاقي والإنساني ولكنها تنظّر للتجريد العددي العقلاني ، ولهذا تعتمد في آخر أطروحاتها المنطقية إلى الذرية المنطقية ، فالذرية المنطقية تعيدنا مرة أخرى إلى قاعدة المصطلح الفيزيقي المادي ، وهنا نذكّر بذرية ديموقريطس القديمة ، ولكن مصطلح الذرة في الفيزياء يتم سحبه على الإنسان الذرة ، واستنادًا إلى أطروحة لايبنتس في الموناد أو الذرة المستقلة فإن المنطق الذري الليبرالي يختلف إلى حد ما عن المنطق الهيغلي ، فهيغل مثل أفلاطون يؤسس منطقه على التركيب الطبقي ، في حين تؤسس الليبرالية منطقها على التركيب الذري ، ومن ثم فإن شكل السلطة الليبرالية المعاصرة هو هذا المنطق الذي يجعل من الناس أفرادًا ضمن الفردية Individualismثم بعد أن يتجرد الأفراد من الذات الإنسانية ، يتم تجريدهم من الشيئية ، فيتحولون إلى ذرات ، هذه الذرات أو بالمصطلح الذي يستخدمه لايبنتس هي مونادات مستقلة ، أو جواهر مستقلة ، وحسب تزييف الخطاب الليبرالي (الحرية الفردية) ، كما نعرف فإن أطروحة الانجليزي برتراند رسل في المنطق الذري جاءت بعد جهود المدرسة الوضعية المنطقية ، والوضعية التحليلية ، أي محاولة منطقة الوضع الاصطناعي ، وتحليل الوضع الاصطناعي ، ضمن النـزعة الفيزوقراطية القديمة ، وبذلك فإن التجريبية التي يقول بها الليبراليون تستند إلى هذه النـزعة الفيزوقراطية وهذا المنطق يعيدنا من جديد إلى المنطق الاستقرائي الذي قال به أرسطو ، أي الحكم على الكل من خلال الجزء وهو ذات المنطق الذي يفرغه منهج التفكير الليبرالي على المؤسسات البحثية في الجامعات على أنه الأسلوب العلمي ، أي ما يعرف بأسلوب العينات ، ويمكن أن نشاهد هذا التأثير في مقدمات رسائل الشهادات العليا والدقيقة في الجامعات ، حيث تتسرب هذه المصطلحات إلى الباحثين الذين يقولون أنهم يستخدمون المنهج العلمي الذي يقوم على التحليل والاستقراء .

ليس من المستغرب إذا ضمن هذا المنطق أن تتم المراوحة بين التركيب والتفكيك والتحليل وإعادة التركيب ، فالمنطق الماركسي على سبيل المثال هو منطق تفكيكي ، ولكنه ينـزع إلى التدمير ، أي تدمير الطبقتين اللتين تعلوان الطبقة الأصلية ، فماركس بهذه النـزعة المادية يحاول أن يلغي التكثر من خلال الوحدة ، أي من خلال تدمير وإنهاء التكثر ، في المقابل منطق هيغل التركيبي الذي لا يريد إلغاء التكثر الطبقي ، بل يريده أن يبقى ضمن المنطق أو لوغوس منطق السلطة ، وذلك لمصلحة المشروع الجرماني الذي يأخذ شرعيته من هذا المركّب التاريخي اليوناني الروماني ، فيحين يريد ماركس لمصلحة المشروع اليهودي التلمودي غير المعلن أن يعود بالتاريخ  Die Geschichteإلى الطبقة الأصليةDie Schichte ومن ثم فإن كلا من هيغل وماركس يقدمان نظرية في منطق التاريخ ، الأول على المنطق التركيبي ، والثاني على المنطق التفكيكي التدميري ، وضمن الخطاب الماركسي على السحق الطبقي لمصلحة الطبقة الأصلية أو البروليتاريا ، وكما نعلم أن البروليتاريا ترتبط بشكل المدينة البرجوازية ، فهم السكان الذي يعيشون على أطراف المدن ، وهم في الغالب من الفقراء والمعدمين والشغيلة الذين يستخدمهم مركز المدينة الأرستقراطيون طاقة عضلية للقيام بخدمات وأعمال أغلبها شاقة ، ويمكن أن نلاحظ هذا الوضع في كل أشكال المدن في العالم قديمها وحديثها ، كبرت هذه المدن أم صغرت ، ويمكن أن نلاحظ ضمن الخطاب الارستقراطي في المركب البرجوازي الذي هو المدينة هذا الاحتقار القديم والجديد لكل ما هو شعبي وجماهيري ، فالمنبوذون والنجس في الخطاب الاستعلائي والأرستقراطي البراهمي الهندي ، هم نفسهم الديموس أو الجماهير الأرستقراطية أفلاطونية ، ويمكن أن نقرأ هذا في الخطاب الأرستقراطي في ليبيا الذي بدأ يظهر بسبب غلبة النـزعة الارستقراطية التي ورثت الاستعمار القديم فحلت محلها في المساكن ، وبسبب هذا الثراء الفاحش الذي نتج بفعل الحصار والتهريب أو هذه التسهيلات التي قدمتها (الحكومة المركزية) ، فصار كل ما هو شعبي ، حقير ، ومن الدرجة الثالثة ، فالحي الشعبي ، والسيارة الشعبية ، واللباس الشعبي ، حتى العرس الشعبي لا يدل إلا على الوضع في مقابل الأحياء الراقية والألبسة العصرية ، وتبقى المفارقة بين النظام الديمقراطي الذي يفترض أنه نظام جماهيري وبين هذا الخطاب الاستعلائي الارستقراطي المعادي للديمقراطية والمعادي للجماهيري ، والذي ينعكس بداهة على الخطاب ، بما في ذلك مخارج الحروف ، والأفعال والسلوك ومعايير هذه الأفعال ، أي أن البرجوازية هذه الظاهرة الاصطناعية تفرض داخلها منطقًا تركيبيًا له قوانينه وله منطقه وخطابه ، وبالعودة إلى ماركس ، أو التحليل الفرويدي ، أو التفكيك الذي يقوم به جاك دريدا ، وهذه كلها ضمن الخطاب اليهودي ، وضمن هذا المنطق التراجعي الذي يقول بالدفاع عن المهمشين والمحرومين ، إنما يعكس هذا الوضع النفسي للمضطهدين داخل شكل المدينة البرجوازي ، وإن كان ماركس ومن سار بعده من اليهود يدافعون عن أبناء جلدتهم ، فإن الخطاب الماركسي يبقى يستهوي المحرومين والمضطهدين في العالم ، خاصة بعد هذا التغول الاحتكاري الليبرالي ، وإن كان الماركسي يمثل انقلابًا على المنطق التركيبي الاستعلائي والتفوقي الارستقراطي ، فإن هذا الانقلاب لا يحل الأزمة ، ما لم تنتصر الجماهير بفعل الثورة الشعبية ، وبفعل الحركة التقدمية وليست الحركة الشكلية التي تفرغ فائض الطاقة أو فائض الكبت أو هذه النـزعة التدميرية الحاقدة ، فالطبقية ليست متجسدة في أفراد ، بل هي ظاهرة لها قوانينها ومنطقها ، والأرستقراطية شأنها شأن التكنوقراطية ، والبيروقراطية تتأسس على نـزعة تحتقر الجماهير أو الديمقراطية الحقيقية على الرغم من أنها تتأسس عليها ، ومن ثم فإن انتصار النظام الجماهيري لا يتأتى إلا بنظرية جماهيرية لها منطقها ولها خطابها ولها أيديولوجيتها ، ولكن المنطق والخطاب والأيديولوجيا الجماهيرية تبقى كلها مفتوحة على النظرية ومفتوحة على مشروع الحرية ، فالمنطق الساكن سواء أكان التركيبي القطاعي أو التركيبي الذري أو حتى المنطق التدميري التراجعي لا يمكن له إلا أن يزيد الأزمة تعقيدًا ، ومن يقرأ أزمة العالم المعاصر يكتشف أن كلا المنطقين لا يقودان العالم إلا إلى الهاوية والحقد والكراهية ونـزعة القتل والسحق والتدمير ضمن قوانين الغريزة القائمة على الفعل ورد الفعل الذي هي نفسها قوانين فيزوقراطية بحتة. 

 

عن قورينا

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية