نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
نُخبٌ .. وأوهام

كاتب

بقلم:أ.د مصطفى الزائدي
  الوعي .. الخطوة الأولى إلى الأمام في كل شيء .. وهو أساس التطور .. ووسيلة التغيير .. عليه يستند الكل .. لتحقيق أية مشروعات مطروحة في أي مجال وعن الوعي ينصب حديث من يسمون أنفسهم نخب سياسية أو فكرية أو ثقافية .. وكذلك من ينعتهم أولئك النخب بأنهم من العامة .. أو البسطاء والعاديين .. وما إليها من تسميات مهذبة لمسمى واحد وهو "الجهلة" ..

الوعي هو إنتاج تراكم المعرفة حول الموضوعات المختلفة .. فاحتكار المعرفة يعني بكل بساطة احتكار الوعي .. وعندما تحاول الأمم النهوض تستند إلى وعي أفرادها .. فإن كان في حالة متدنية فلن تتمكن من ذلك .. وتحمل المحتكرون من النخب المسؤولية عن ذلك ..

بالنسبة للأفراد فالمعرفة حالة نسبية .. يكتسب ما يراه كافياً منها لتحقيق مصالحه ولا أحد يلهث وراء المعرفة المجردة دونما اعتبار إلى مردوديتها على مصالح محدودة تخصه .. والمعرفة أيضاً تؤدي إلى تمايز الأفراد .. واختلاف مقدرتهم على تحقيق مصالحهم .. وهذا سبب كاف كي يعمد البعض إلى احتكارها .. خلاصة القول إن النخب ليسوا سوى مجموعة من محتكري معرفة ما.. حتى وإن ادعوا أنهم نخب يعملون من أجل رفع وعي الآخرين ..

هذا أيضاً يفسر التركيز المتزايد على المعرفة والمعلومات في الأنشطة المختلفة .. وظهور نموذج اقتصادي جديد ... صار في وقت قصير جداً محور الاقتصاد العالمي ... وهو اقتصاد المعلومات .. وتقنية المعلومات .. ولن تجد إلا الاستغراب إذا حاولت أن تسأل كيف تسلل هذا المعطي الجديد بهذه السهولة والسرعة إلى المنظومة الاقتصادية للدول والأفراد ؟ .. لكن الإجابة تكمن في الصراع من أجل احتكار المعلومات .. ومحاولة احتكار أي نشاط يؤدي بالضرورة إلى انتشار ذلك النشاط على نطاق واسع حتى لو كان عملاً ضاراً كتجارة المخدرات على سبيل المثال ..

إن الصراع حول احتكار المعرفة يفرض أمرين .. الأول.. ظهور معارف جديدة يحاول مبتكروها احتكارها .. والثاني .. زيادة الطلب الجمعي والفردي للحصول على معارف جديدة .. أي أن مزيد المعرفة يؤدي إلى زيادة الطلب عليها وهكذا .. حتى صار سوق المعرفة أكثر الأسواق نشاطاً وأصبحت تجارتها أكثر أنواع التجارة رواجاً .. المعركة كلها تدور حول احتكار المعرفة .. ومن تم السيطرة على الوعي .. ذلك أن المجتمعات تأسست وفق منظومة القلة والكثرة .. قلة محتكرة وكثرة خاضعة لعملية الاحتكار تلك .. والمنافسة تدور دائماً بين المحتكرين من أجل كسب مساحات أوسع للسيطرة وبالتالي تأمين حجم أكبر من الخضوع .. هي لا تقع بين المحتكرين وغيرهم .. بل فقط بينهم .. وهذا يفسر الصراع العلني بين من يسمون أنفسهم نخباً .. في ساحات معارك المعرفة .. كلٌ يقدم نفسه على أنه أكثر قدرة على تقديم مشاريع ونماذج تحقق مصالح الشعب .. أي مصالح الكثرة الخاضعة لعملية الاحتكار .. وهذه النخب هي نتاج لعمليات احتكار أخرى .. ولا يتم فرزهم هكذا دون تأثير لتلك العمليات الاحتكارية واسعة النطاق .. هم يتوهمون أن احتكارهم للمعرفة يمكنهم من التأثير في وعي الناس باتجاه تحقيق مصالحهم هم كنخب .. أي أن ادعاءهم بأن مشاريعهم تخدم مصالح الناس .. دعاوى كاذبة ومزيفة .. فهم يبحثون عن وعي بين الناس يكرس في النهاية مصالحهم الخاصة .. التي هي ليست مصالح الشعب .. بل تتعارض معها في أغلب الأحيان .. هم في حقيقة الأمر .. يقعون تحت طائلة افتراضات وهمية .. فلا هم خب من الأساس .. ولا احتكارهم للمعرفة يساعدهم على توجيه وعي الناس .. لأن الوعي يعتمد أيضاً على أشياء غريزية مولودة مع الإنسان ، وعلى معطيات بيئية محيطة به تتأثر مع المعرفة لتشكل حالة وعي ما تجاه أمرٍ ما .. فالفرد يشكل وعيه الذاتي .. بطرقه الخاصة حتى لو تظاهر بالتأثر بما تطرحه النخب ..

الأفراد لا تنطلي عليهم حيل وألاعيب النخب.. بل يتعاملون معها بنوع من الاستهزاء .. وفي اغلب الأحيان هم من يسخر وعي ما يسمى بالنخب لتحقيق مصالحهم .. هذا قول تسنده الدلائل العلمية .. فلقد حاول النظام الماركسي لعقود عديدة توجيه معارف الناس والتدخل في وعيهم حتى توهم الشيوعيون أن كل الناس تحولوا إلى ماركسيين .. لكن لحظة رهيبة من لحظات القدر كشفت عن حجم الوهم الذي كانت تعيشه النخب الماركسية آنذاك ..

والنخب الرأسمالية التي سخرت إمكانات ضخمة للسيطرة على التعليم والإعلام بهدف  توجيه الرأي العام للأفراد والناس باتجاه معين تتوهم إلى الآن .. أن أغلب الناس على الأقل تقبل المشروع الرأسمالي الغربي كحقيقة غير قابلة للنقاش .. لكن بعض الأحداث تثبت حجم الوهم الذي تعيشه النخب الرأسمالية أيضاً.. فلقد توهم الأمريكيون أن العراقيين سيستقبلونهم بالورود.. لكن الموت كان لهم بالمرصاد .. ستة عقود من الدعاية للكيان الصهيونية لم تؤد إلا إلى تصعيد الحقد على الصهيونية في كل مكان ..

إن احتقار الناس للرأسمالية ومقاومتهم لها ولسياستها .. رغم القبضة البوليسية الحديدية والدعاية الإعلامية المكثفة .. دليلٌ قاطع على أن النخب الرأسمالية تتوهم النجاح في فرض النموذج الرأسمالي..

الوعي .. لا تصنعه النخب ولا ينتج عن احتكارها للمعارف والمعلومات.. إنه حالة فردية خاصة بكل إنسان يتطور مع تطور الإنسانية .. ولن يكون قابلاً للاحتكار حتى ولو كان رسالة سماوية تطرح القيم كما يراها خالق  الكون .. إن الدعوة ملحة موجهة إلى من يسمون أنفسهم نخباً بأن ينزعوا عن أعينهم غشاوة الوهم.. فهم موضع سخرية من الجميع.

 

عن صحيفة قورينا

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية