بقلم:زيد ابوزيد
إن مناقشة الصراع العربي الصهيوني ،و جوهر هذا الصراع ،و تحديد أطرافه و عناصره تعد الخطوة الأساسية في مناقشة طبيعة الحلول المطروحة لحل هذا الصراع، فمنذ إطلاق وعد بلفور والبدء في تجسيد الحلم الصهيوني بإنشاء وطن لليهود على أرض ليست من حقهم بوعد ممن لا يملك الأرض بدأت المشكلة والصراع،ولا يجوز حصره الآن فقط بتفاصيل إزالة آثار العدوان على غزة،أو حل مشكلة اللاجئين، أو مشكلة فتح المعابر و حرية المرور من معبر رفح ، أو حتى وقف الاستيطان الصهيوني فالمسألة أعمق من ذلك بكثير،ويأتي حديثي هذا في وقت بدأت فيه وعود تقديم الملايين تنهال على غزة،وعود مشروطة ومسيسة هدفها كما يقول مقدموها الحؤول دون انهيار عملية السلام وتجنيب المنطقة المزيد من الدماء والحروب والمآسي،ولكنه على أرض الواقع استمرار مشروط ومقصود وهادف لتحويل القضية الفلسطينية ومجمل الصراع عن مساره،ويتم هذا فيما تتواصل الجهود الدولية لإعادة اعمار ما هدمته آلة الحرب الصهيونية في القطاع البطل ،وفي شكل متواز لاستئناف المفاوضات وفق ما يريد ويرغب به الكيان الصهيوني الذي تتشكل فيه الآن أكثر الحكومات يمينيه بالرغم أنَ هذا الوصف أصبح ممجوجاً في ظل أكثر الحكومات الصهيونية يسارية وحمائمية تم في عهدها إرتكاب أفظع المجازر في تاريخ الصراع العربي الصهيوني.
لقد أدار الكيان الصهيوني ظهره لسنوات طويلة لدعوات السلام ،واستمر في ازدرائها،كما استمر في سياسة العربدة ،كما واصل نهج الاستيطان والتهويد الذي دخل مرحلة جديدة وأكثر خطورة حيث تستعد حكومة الاحتلال لإسكان أكثر من ربع مليون مستوطن في الضفة الغربية المحتلة ما يرفع عدد المستوطنين إلى أكثر من نصف مليون .
إن دعوات الالتزام بالسلام التي يقطعها العرب على أنفسهم مجاناً ،ويقدمون المبادرات تلو المبادرات التي تفرط في معظمها بالإنسان والأرض لهي الداعي والدافع لإصرار الكيان الصهيوني على رفض الالتزام بالقانون الدولي وإدارة الظهر لكل المبادرات والقرارات وإغلاق الباب على أي مساع في هذا الاتجاه وتدفع بالمنطقة إلى الفوضى والمجهول دون أن تدرك عواقب سياساتها المتطرفة هذه والتي تثبت في الوقت ذاته أن قادتها سواء في حكومة تصريف الأعمال الراهنة أم في حكومة اليمين العنصري المتطرف صاحب الحظ الأوفر في تشكيلها، لم يستوعبوا دروس تاريخ المنطقة والتاريخ الإنساني بشكل عام وخصوصا لجهة أن لا احتلال دائم ولا قدرة للقوة العسكرية مهما عظمت على قهر إرادة الشعوب أو دفعها للتخلي عن حقوقها الوطنية المشروعة - والشعب الفلسطيني ليس استثناء من هذه القاعدة.
إنَ استمرار الاستيطان وتهويد القدس و الغرور والغطرسة التي يبديها الكيان الصهيوني المحتل لا تترك مجالاً لطرح أي حل في الأفق في ظل معادلات الصراع الحالي ،كما وأن الحل القائم على أساس الدولتين لن يفضي إلا لمزيد من التطرف ولن يجلب إلاً الاتكاء على نظرية القوة لشن المزيد من الحروب والتنكيل بالفلسطينيين،كما وأن حل الدولتين إن تحقق واشك في تحقيقه أصلاً ،لن يحقق الأمن والسلام للكيان الصهيوني ،و قادة الكيان يدركون أن قيام دولة فلسطينية مستقلة وفق حل الدولتين هو مصلحة مباشرة للكيان الصهيوني ،كما قالت وزيرة الخارجية الأميركية خلال لقائها بالمسئولين الصهاينة.
إن الأصل في المشكلة وجوهر الصراع يعود في الأساس إلى أنً الكيان الصهيوني يريد التوسع، وإنهاء الوجود الفلسطيني، كما يريد فرض سيطرته على المنطقة اقتصادياً وسياسياً وأمنياًَ، نظرا لطبيعته العدوانية و العنصرية التوسعية الاستعمارية التي تميز بها هذا الكيان تاريخياً.
لقد تحددت طبيعة الصراع ضد هذا الكيان منذ الماضي ،فالصراع له جذوره التاريخية، وهو صراع حضاري ذو طبيعة شمولية، متعددة الجوانب، صراع على الأرض و كذلك هو صراع بين القومية العربية و الصهيونية ممثلة للقومية اليهودية، وهو صراع مصيري بين الأمة العربية و في مقدمتها الشعب الفلسطيني و بين الوجود الاستيطاني في فلسطين و من وراءه القوى الإمبريالية الاستعمارية و هو صراع مصيري متعدد الأطراف ،كما هو صراع بين الشعب الذي اغتصبت أرضه و شتت و بين الكيان الصهيوني الذي أقام دولته على أرض فلسطين،وهو الهاجس الذي لا بد من استذكاره من قبل المفاوضين والمبادرين لحلول القضية الفلسطينية، أم أن الهدف كان التخلص من عبء هذه القضية بأي صورة كانت،وهذا ما يبرر فشل الدول العربية في اتخاذ قرار سليم موحد يضمن حقوق الشعب الفلسطيني ،وهذا ما جعل الكيان الصهيوني يشن الحروب على العرب في الداخل والخارج وبصورة مستمرة لتحقيق أهداف توسعية وانتخابية ،مما فاقم من مشكلة اللاجئين الفلسطينيين،كما فاقم مشكلة الشعب الفلسطيني وحياته المعيشية نتيجة سياسة الإغلاق والحصار.
مرة أخرى نقول أنً الحل التاريخي الذي يضمن حقوق الشعب الفلسطيني هو كما قدمه الكتاب الأبيض و يكمن في أن يعيش الشعبان اليهودي و الفلسطيني في دولة واحدة بسلام و أمان بما يكفل عودة كل المهجرين الفلسطينيين إلى أرضهم التي أخرجوا منها ، وتعايش الجميع معاً في إطار المصالح المشتركة ، والحل إن لم يحقق العدالة سيبقى سراباً ووهماً بعيد المنال.












