بقلم: زيد ابوزيد
من بداهة القول أنَ العراق وعلى مختلف العصور والحضارات التي مرت به, قديما وحديثا, وبسبب من الخيرات التي كان ولا يزال ينعم بها والتي هيأت له بدورها كل مستلزمات البحث والمعرفة ،وبفضل ما حبته الطبيعة من نهرين عظيمين ومن موقع جغرافي فريد, , جعلته يتربع على عرش المشرق العربي كما مكنته وأعطته القدرة على الإبداع والعيش الرغيد. لكل ذلك ،فقد أصبح العراق مركزاً للاستقطاب العالمي،وقبله لمجاميع بشرية و مكانا مكتفيا ومغريا لاستقرار أبنائه, مما قادهم إلى عدم التفكير كذلك في مغادرته طوعاً؟،ولكن الموقع الفريد،والثروات الدفينة أثارت الأطماع فيه،كما شكلت لديه الطموح أن يصبح بلداً ذا نفوذ ومركز في المنطقة العربية،بل في كل الإقليم،فوقع في محذور التنافس مع الآخرين وخاض حروباًَ عديدة،واستهدف من قبل الكيان الصهيوني كما استهدف من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ،فحوصر لعقد من السنوات حتى كان العام .2003 والذي لم يكن عاماً عادياً في تاريخ المنطقة العربية والعراق،فقد وقع العراق تحت الاحتلال وكان الكثير منا يعتقد أنَ زمن الإحتلالات قد ولى ،وأنَ الاقتصاد والسياسة أصبحت بديلاً ،وترتب على هذا الاحتلال الكثير من المتغيرات والتحديات الفعلية على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية،و التي كان وسيكون لها تداعيات مباشرة في تبلور وتشكل استراتيجيات المنطقة، وربما لمسنا نتائجها الآن ،ولكن النتائج الأكبر في بطن المستقبل ، ويترافق مع ذلك المستوى الدولي من خلال المستجدات والمعطيات التي أفرزتها الانتخابات الأمريكية في إدارتها الجديدة برئاسة باراك أوباما؛ صاحب النظرية الدبلوماسية السلمية التي تحتاج إلى إعادة ترتيب سلم أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، والتعامل مع قضايا العالم و المنطقة.
فعلى المستوى الإقليمي فلا يزال التشرذم والانقسام العربي على أشده، في وقت تشهد الأراضي الفلسطينية أحداثاً ،هي الأكثر سخونة وتعقيداً؛ فبعد المجزرة البشعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيوني في غزة؛و ذهب ضحيتها آلا لاف من الشهداء والجرحى وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية لقطاع غزة، في ظل إغلاق شبه تام للمعابر والحدود باستثناء السماح لبعض المساعدات الإنسانية الطارئة بالدخول، وتبع ذلك إجراء الانتخابات في الكيان الصهيوني والتي نتج عنها صعود اليمين المتطرف إلى سدة الحكم، ليكون مصير مفاوضات السلام العبثية مجهولاً وكذلك أتفاق التهدئة في محل المجهول، والمؤشرات تدل على احتمالات واسعة لارتكاب المزيد من المجازر بحق الشعب الفلسطيني وتهجيره على نطاق واسع، بينما لا تزال كافة المعطيات على الساحة الفلسطينية المأزومة نتيجة الانقسام السياسي على حالها، وسط جهود عديدة لرأب الصدع وتحقيق المصالحة وإنهاء الشرخ بين الفلسطينيين.
أما الأنظار فتتجه صوب الإدارة الأمريكية الديمقراطية برئاسة باراك أوباما، الذي تبنى برنامج سياسي سلمي شامل "محلياً وإقليمياً ودولياً"، ولكنه حتى اللحظة لم يبلور بعد خيوط لعبته أو خارطته الإستراتيجية المستقبلية بشكل واضح، وكل ما جرى ينطوي في إطار الحملة الانتخابية وتصريحات تفوه بها عبر وسائل الإعلام ،ولا أحد ينكر صعوبة المهمة لاسيما و العالم يعج بالقضايا التي خلفتها إدارة بوش، على رأسها موضوع الأزمة الاقتصادية العالمية التي تهدد الاستقرار الأمريكي والدولي، وهنا تكمن الخطورة في حال انشغال إدارة أوباما في إصلاح الأزمة الاقتصادية وأمور أخرى وضعها على سلم أولوياته تخص الشأن الأمريكي في المقام الأول، وتترك المسألة الفلسطينية ومشاكل الشرق الأوسط لا سيما وأن الأراضي الفلسطينية تمر بتحول غير مشجع بعد صعود اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني إلى سدة الحكم، لتكشف القناع عن حقيقة الوجه الصهيوني الإرهابي المتعنت التي انكشفت بعد ارتكاب المجزرة الرهيبة في قطاع غزة في توقيتها المتزامن مع الانتخابات لتؤكد أن الدم هو ثمن ورقة الانتخاب، ولتبين جوهر الدولة الصهيونية ايدولوجياً ومسلكياً المنطلق من أيدلوجية توراتية زائفة على أنها "دولة استيطانية عنصرية لا تحمل تجاه الحل السياسي مع الفلسطينيين سوى المزيد من سيل الدماء وارتكاب المجازر ونهب الأراضي وإقامة الجدران العازلة والإغلاق والحصار والترحيل والتهجير للفلسطينيين من مدنهم وقراهم عبر إجراءاتها الإجرامية بحق الإنسانية.
أما في العراق المحتل، فالوضع الأمني هش رغم توقيع الاتفاقية الأمنية في نهاية عهد بوش،وإجراءات توطين اللاجئين العراقيين الذين هاجروا إلى الداخل العراقي وإلى الخارج تمر بصعوبات جمة،فهناك أكثر 4.2 مليون لاجئ معظمهم تركزوا في الأردن وسورية، ووفقاً للتقديرات شكل اللاجئون من بغداد وحدها نحو 1.6 مليون لاجئ،يعيشون مشرّدين ،وهناك عوائل يفوق عدد أفرادها المليون، شرّدتهم أزمات ما بعد الغزو، بدءاً من البطالة ومروراً بكارثة الحرب الطائفية، وليس انتهاءً بـ "الحلول الحكومية" التي غالباً ما تزيد الطين بله ، فالبطالة تكبّل أكثر من 50 بالمائة من القادرين على العمل. والحكومة كما يقول خبراء الاقتصاد تعاني سرطان البطالة المقنعة ذلك أن أكبر وظائف الدولة هي دفع الرواتب من نفط العراق . وأحياء بغداد أصبحت مقسمة على أساس طائفي نتيجة للحرب الأهلية خلال السنوات ما بين 2005 و2007، وتمتد الأسوار الأسمنتية في المدينة لتفصل بين أحيائها التي نصبت مواقع حراسة أمنية مشددة على مداخلها وطرقها الرئيسية، ومع أن الوضع الأمني تحسن نسبياً عمّا كان عليه قبل عامين، إلا أن الاغتيالات والتفجيرات ما زالت تحدث تقريباً بشكل شبه يومي.
وأشارت «الإندبندنت» إلى تغييرات اجتماعية حصلت في بغداد نتيجة للحرب، حيث أصبح 75 في المائة من سكان بغداد من الشيعة. في ما أصبحت الأقلية السنية التي يتميز أفرادها عادة بالثراء تعيش في أحياء معزولة خاصة بالسنة. ونظراً لأن أسعار العقارات في الأحياء السنية مرتفعة جداً، يجد مالكو العقارات من الشيعة المقيمون في هذه الأحياء الأمر مغرياً جداً لبيع منازلهم وعقاراتهم والانتقال إلى أحياء الشيعة التي تقل أسعار العقارات فيها عن الأسعار في الأحياء السنية، الأمر الذي زاد من ظاهرة الانعزال بين الطائفتين في بغداد بشكل ملحوظ.
أما الانتخابات المحلية الأخيرة هناك فقد تمخض عنها نتائج لصالح كتلة رئيس الوزراء المالكي،وكتب البعض أنَ العراق نجح في تجربته الديمقراطية ،وأنَ العراق أصبح آمناً، وأنَ العراقيون قد انتصروا ،وأنَ الوطنية قد انتصرت على الطائفية وما شابه ذلك من التصريحات والأقوال التي لا تستند إلى حقائق ملموسة،لأن الوضع السياسي في العراق لا يحكم عليه من نتائج العملية الانتخابية الأخيرة، ولا من أية عملية انتخابية، لان الفترات الانتخابية بالنسبة للقوى المسيطرة على الحكم و المشاركة في البرلمان هي فترة رفع الاستعدادات و تنظيم الإعداد والعدة للمرحلة المقبلة.
إنها العملية السياسية نفسها التي بدأت منذ الاحتلال، تارة نرى فيها الحروب الطائفية وتارة أخرى نرى نفخ البالون لتفجير الصراعات القومية، و مرة أخرى الصراع في سبيل الاستحواذ على مناطق النفوذ و القوة على حساب الآخرين سواء أكان في الجنوب أو في كردستان أو في الوسط. ومرة أخرى نرى في العملية الانتخابية محطات للقتل والتدمير و الصراع الطائفي والقومي في إطار العملية السياسية الجارية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية
ولكن هذه المرحلة انتهت ليس بسبب الانتخابات الأخيرة ونتائجها، بل لان أمريكا سقطت في وحل العراق،و حين انفجرت الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت فيها، وسقط الكثير من رموزها العالمية التي كانت مفخرة لنظامها الرأسمالي طوال العقود الماضية، فقد سقطت شركاتها وبنوكها العالمية واحدة تلو الأخرى،كما أنَ العراق يستنزف ليس فقط القوة المسلحة الأمريكية بل وأموال دافع الضريبة الأمريكي الذي اسقط الحزب الجمهوري كتبعة لما أحدثه احتلال العراق ،والكذب الذي مورس لتبرير الحرب .
وعودة إلى الاتفاقية الأمنية ووعد بوش ومن ثم أوباما بمغادرة قوات الاحتلال أرض العراق في موعد أقصاه2011،فقد علمتنا تجارب الشعوب أن المحتل لا يغادر ظاهريا أرض بلدٍ استعبده إلا بصنيعة تخلفه في ذلك البلد، تكون أداة طيعة بيده تنفذ أوامره ، وتنسجم مع سياساته ، وتميل مع هواه أينما دار، وتتشكل بألوان فكره كيفما أراد، ، ولن يكون بمقدور تلك الشعوب أن تصنع فجرا جديدا لأيامها إلا بحالة تغيير جذري تزيح وتكنس الاحتلال من جذوره،وهذا الحال يشابه كثيرا في أشكاله ومضامينه للوضع الذي عاشه العراق منذ نيسان عام 2003م وحتى الآن، فقد بدأ الغزاة بالحاكم السياسي الأمريكي جي غارنر ثم بول بريمر، وبعدها تحول إلى إنشاء ما يسمى بنظام الحكم المحلي، فاستبدل الحاكم المدني بريمر بحاكم أخر لكنه يحمل ملامح وجه عراقي، والنتيجة واحدة، والاثنان وجهان لعملة واحدة، وكلاهما يؤدي الغرض ذاته، لكنه في حالته الثانية كان أكثر مخادعة وأعظم أثرا في تزوير الواقع وتزييف الحقائق وحرف القناعات عن مساراتها الموضوعية الصحيحة.
أما التغيير، والتغيير هنا نعني به الانقلاب الشامل على هذا الواقع المزيف الفاسد الذي أوجدته الامبريالية والصهيونية ومن حالفهم أو سار على نهجهم، وقلع كل أدواته ووسائله وثقافاته وبناه، فهو وحده القادر على تجاوز مرحلة العدوان والاحتلال وليس ترميمها وإصلاح واقعها.
وهذا لن يتحقق إلا إذا استند إلى وحدة المقاومة،وهي ضرورة حتمية وملحة ،والى وضوح الرؤى والأهداف،وهذا جانب مهم وفاعل في ديمومة الفعل وتعاظم تأثيره ،وإلى العمل بما يعزز وحدة العراق: فوحدة العراق وتماسك نسيجه أمر يجب أن لا يغفل عنه كل فصيل، وهو الضمانة والمقدمة الصحيحة لتحقيق كل الأهداف الكبيرة والطموحات المشروعة، فالساعي لوحدة العرب لابد له من تحقيق وحدة العراق وتحريره أولا، ولن تمر كل هذه الأهداف وترى النور إلا من بوابة تحرير العراق،ولا بد من الاتفاق على منهج واضح لإدارة الحياة فالغالبية الساحقة من العراقيين, سواء من كان في العراق أو خارجه, يعيشون وضعا مأسويا قل نظيره في العالم إذا ما قيس بحجم الإمكانيات الاقتصادية التي يتمتع بها العراق, ويجب تجاوز المشكلة الطائفية،وهي المشكلة التي أثارها الاحتلال منذ البداية وعمل على ترسيخها بواسطة العملية السياسية التي أنشئت على هذا الأساس منذ تجربة مجلس الحكم، وأعادها مرة أخرى في مطلع عام 2006 بعد أحداث سامراء وعمل على إفساح المجال لتداعيات هذا الحادث الخطير للاستمرار والبقاء لمدة طويلة، سعيا إلى إشغال المقاومة تمهيدا للانقضاض عليها في مرحلة مهمة وحساسة جدا من تاريخ صراع المقاومة العراقية مع العدو الأمريكي، وهي مرحلة الشعور الأمريكي الحقيقي ببوادر الهزيمة.. هذا الشعور الذي عبر عنه الرئيس الأمريكي السابق بوش في حينها وأشارت إليه دوائر عدة من دوائر صنع القرار في أمريكا.
وقد ألقى هذا بظلاله على القوى العراقية المقاومة التي اجتمع عليها مقاومة الاحتلال ،وإدارة صراعها المستعر معه، وبناء مؤسساتها وتكوين بنيتها التنظيمية، في خضم ساحة ولادة بالأحداث المتسارعة، وفي ظل غياب تام للظهير الدولي أو الإقليمي المساند كما في الساحات الأخرى.. وهذا من صفات الساحة العراقية التي ألقت بأعباء كبيرة على مقاومي مشروع الاحتلال.
وصاحب ذلك كله حالة النأي بالنفس بعيدا التي مارسها النظام السياسي العربي الرسمي؛ حرصا منه على عدم إغضاب الجانب الأمريكي، وما رافق هذه الحالة من دعم للعملية السياسية في ظله، بغض النظر عن تبعاتها المؤثرة بلا شك على أوضاع كثير من البلدان العربية نفسها.
بناء على ما تقدم من توصيف لحالة الصراع في العراق فان القوى المقاومة العراقية سلكت خطوات عدة في إدارة صراعها مع العدو وضبطه في الإطار المرسوم لإستراتيجية المقاومة العامة، وتتلخص أهم خطوات المقاومة العراقية في تحديد سبب الصراع واختيار وسيلة حسمه، فالاحتلال هو سبب الصراع واصل المشكلة التي تفرعت عنها المشاكل الأخرى، وتجنب المعارك الجانبية ،ولا بد من الاستناد إلى:
1. إضفاء البعد الوطني للعراق على التحرك المناهض للاحتلال والمقاوم له على الرغم من تصدي قوى عراقية بعينها لهذا التحرك؛ وذلك سعيا لتحقيق هدف الوحدة الوطنية الذي لا يمكن بناء حالة مقاومة أو مناهضة للاحتلال إلا من خلاله، وقطعا للطريق على محاولات الاحتلال والمتعاونين معه لترسيخ الأبعاد الطائفية والعرقية في المجتمع العراقي.
2. البحث عن الحلفاء، والسعي إلى إيجاد منافذ تقديم الدعم المعنوي للمقاومة بأشكالها المختلفة: السياسي والإعلامي، داخليا وخارجيا.
3. طرح القضية العراقية دوليا وإقليميا وعربيا وبحث سبل الحل مع الجهات والمنظمات الدولية، بالتزامن مع تواصل حالة المقاومة.
4. التعامل المسؤول مع متغيرات الصراع وظروفه وتحولاته، مع الاحتفاظ بمحددات الموقف المبدئي المعلومة في حالة التعامل مع الاحتلال..
إن العملية السياسية في العراق،و التي بدأت مع الاحتلال الأمريكي ، انتهت و ولى زمنها من الناحية الواقعية والسياسية ،فبسقوط أمريكا تسقط أوصالها أيضا.
و العملية السياسية الجديدة ظهرت ملامحها من خلال استقطابات سياسية جديدة و انعدام أفق التحالفات والاتفاقات السابقة بين القوى الإسلامية والقومية المختلفة، ولكنها لم تحسم إطلاقا لصالح أية قوة إلى الآن.
من جانب آخر، لم تفرز إلى الآن القوة التي بإمكانها أن تجمع وتنظم الجماهير في العراق على أساس هوية" الدولة العراقية"فالقوى المسيطرة إلى الآن، في معظمها قوى طائفية وعرقية و الجماهير تحس بتذمر شديد حيالها، وليس لديهم أية مصداقية في داخل صفوف الجماهير والخيار الشعبي للحكم ملح جداً ،ولا بديل بعد كل هذه المعاناة من تسلم العراقيين لكل سلطتهم بعيداً عن الطائفية والعرقية والحزبية والإقليمية..













من تركيا