![]()
بقلم:مصطفى الزايدي
هذه البلاد الموحدة في كل شيء ... الناس، الأرض... والمجزأة في كل شيء... التي صنعت الإنسانية ورعتها، وحمتها، وطورتها... التي عانت ويلات من الإنسانية ... تشقى لتبني الدول ... كما تشقى من ضيم الدول.... هذه البلاد التي تحوي تاريخ العالم كله إلا ما نذر... وتحمل آمال العالم كلها إلا ما نذر... منها يخرج الناس إلى العالم كله ... وإليها يتدافع الناس من العالم كله .... عندما يأتي إليها الغزاة يتوهمون تطويعها... وابتلاعها.... فإذ بها تطوعهم وتبتلعهم ... في برهة من الزمن ... تذوب أجسادهم في جسدها الساحر ... وتتقمص روحها أرواحهم... وعندما يخرج أهلها منها إلى العالم يخافون الذوبان في الآخر ... فإذ بالآخر يذوب فيهم ... لنلقي نظرة على العالم ... عندما فتحنا بلاداً في الشرق والغرب ... صارت هويتها من هوية هذه البلاد الرائعة ، تعلمت منها الدين ، وعرفت عنها القيم .. وطورت بها الأخلاق ... فلم يعد بمقدور أحد فصلها عن الأمة الأم.... وعندما ذهب التجار والرحالة ليحطوا الرحال في الديار البعيدة حولوا تلك الديار البعيدة إلى جزء قريب من هذه البلاد.... زرعوا فيها قيماً أصبحت هي قيمها وأقاموا قوامها فتحولت إلى حالة مطابقة للحالة السائدة في البلد الأم.. حتى إن بضع مئات من الملايين بلغوا مليار ونيف من البشر أي سدس سكان الأرض بحساب الأرقام.
هذه الرمال الهادئة مع هدوء الريح ... العاصفة مع العاصفة ... في جوفها أشياء يُصْنَع منها الناس ... وفي سطحها ذرات تتسرب في الجسد فتصير اللباس والونس... من قال هذه أرض مقفرة أو هذه أرض مشمسة أو هذه أرض خالية.... عندما جاءها الإنسان وجد بها حياة.... فاندفن في جوفها ... أخرج من بطنها ثروة هائلة أسرت العالم كله .... ارتبطت حياته بها .... فكانت نعمة ونقمة في ذات الوقت... لكنها وقود العالم وطاقته المحركة... وسيلة الحضارة والتكنولوجيا ... وهذه الجبال الشهباء وإن كان بعضها أخضر... وبعضها مخضر ... فوق قممها التي هي ليست شاهقة ينتصب الإنسان... يقارع الشمس وينافسها... يبعث شعاعاً يضيء الطريق بلون أخضر ... في هذا الوطن الرائع ... المملوء بالمفاخر، والهزائم... المحمول فوق رؤوس الشهداء والأحياء ... المكتوب في قلوب الرجال والنساء ... منه ينطلق دائماً نداء قوياً بصوت مجلجل يبشر بمستقبل أكثر إشراقاً للناس... وفيه يختبئ أناس يخشون أنفسهم ... يبخسون قدرهم وقدرتهم ... لكنهم في بحث عن ذات مهزومة يحاولون إيقاف دوران العجلة... التي اندفعت من لا شيء... تدور بسرعة لا متناهية ... فغيرت في بضع آلاف من السنين هذا البشر المخلوق كباقي المخلوقات إلى حيوانات قمة في الرقي... استحقت الاستخلاف في الأرض... وصار سيدها ومالكها... بضع من أناس أنصاف عقل ... أو بلا منطق ... ينسون أن هذا الوطن المليء بالأحلام ، والإخفاقات ، والنجاحات ... الممتدة بين أكبر المحيطات ... حيث تلف الصحراء الذهبية معصمه الطويل... فيبدو كعود خيزران مربوط من رأسه بحلقة ذهبية تخرج منه امتدادات في البحر... ترسم خلجان رائعة ... في نقش بديع للسطح الصحراوي الممتد في البحر ... فلن تجد في كل الأرض ... صحراء تمتد في البحر... وأنهار تقتحم الصحراء من كل الاتجاهات لتقتحم البحر... نطمئن أولئك البعض أن هذه البلاد الرائعة بكل ما في الكلمة من معنى ... تصارع اليوم من أجل البقاء ... لكنها تؤسس بصراعها القوي صروح البقاء للآخرين ... هم لم يعرفوا بأنه لم يسبقنا العالم... حتى وإن أنجز بضع اختراعات غيرت حياة الناس... فهذه مواد بلا روح لن يكتب لها الدوام... وإن كان عمرها مئات السنين... وإن كانت سلسلة الاختراعات ماضية بلا توقف... لأننا نعرف أنها ستقف حتماً في يوم عاجل أمام عظمة هذا الوطن... وهذا الإنسان... سيضطر العالم بكل مخترعاته ومخترعيه ... بمنتجيه ومستهلكيه... إلى النزول عن كبريائه والانحناء إجلالاً لهذا الوطن العظيم... لأن هذا وطنٌ له قدسية من نوع خاص ... من قال إن على المرء أن يغير دمه لكي يرتدي جلداً من لون آخر... الدماء في عروق الناس في بلادنا أيضا دماء خاصة جداً... كأنما بها كميات إضافية من الأكسجين أو أعداد هائلة من البروتين الأحمر... ومواد أخرى تقاوم الأكسدة... نحن خرجنا من رحم أم ... ليست كمثل النساء... أمٌ تزغرد عندما يزف أبناؤها للموت دفاعاً عن الأرض... أمٌ تعرف جيداً قيمة حبات الرمال في الأرض القاحلة ... وتقدر ثمن ذرات الأكسجين في لفحة هواء ساخن ... أمٌ تلد أطفال كمعمل تفريخ ... طفل وراء طفل... لكنهم رجال عند الشدة... لن تجد في هذه البلاد شحاذاً ... فالناس في بلدي يفضلون الجوع على الذل ... يواجهون الخطر لتجنب الإهانة... يقبلون الموت ثمناً لوجود مثمر ... الناس في هذه البلاد الممزقة قسراً ... رجل واحد... وامرأة واحدة... يعرفون مخابئ الشيطان ... لو طلب منهم لبن العصفور لصنعوا منه الجبن... قذفوا المستحيل خلف ظهورهم... تراهم يصنعون الحياة من قطعة عدم... لو طبق في شأنهم أي معيار في الأرض لما كان مقياساً عادلاً... عندما سقطت عمارتان في لحظة غضب عربي ... اقتربت إمبراطورية كبرى من الانهيار... فقط برجان وبضع آلاف من الناس المجهولين ... الذين حولتهم طاحونة القهر الاقتصادي إلى أرقام في دفاتر الإحصاء ودوائر الضرائب ... تحول بعدها العالم إلى ساحة حرب لم تنته بعد... انظروا كم من الأبراج، والمنازل، والدوائر دمرت في هذه البلاد العظيمة... وكم من الناس يقتل كل مطلع شمس ... وانظروا كيف يشتد التحدي وتزداد عزيمة المواجهة... وكيف يولد كل يوم جيل أكثر إصرار... عندما يموت منا قائد يولد ألف قائد ... مراجعة في مفكرة التاريخ.... ابحثوا عن الأسماء... وقارنوا اليوم بالأمس ... القادة يولدون هنا كل مطلع شمس ... والحنكة ماركة تجارية خاصة بنا...
يا هذا الجيل الجديد...أنتم سترثون مسؤولية أمام الإنسانية ... رسالة كبرى هي قدركم... من يستطيع أن يفر من قدره... حتى وإن سلمنا بأن الإنسان العاقل قادر على الاختيار... أنتم مؤتمنون على مستقبل الناس ... في كل الأرجاء ... في أعناقكم ينعقد ضمان حياة كريمة لهم ... الإنسانية مهددة في ماهيتها إن تقاعستم لأي سبب كان... وذلك الصف البائس الناتج عن الضعف يحاول تبرير الشعور بالنقص... يحاول أن يثنيكم بكل الوسائل... عن مهمتكم الإنسانية التاريخية... لن يجد منا ومنكم آذاناً مصغية ... نحن اجتزنا حاجز الخوف الذي حاول الأعداء نصبه... نعم كان حاجزاً من رمل ... لقد ذهب مع الريح ... اليوم تشتد المواجهة في هذه البلاد وبالتأكيد سيكون الغد أكثر إشراقاً .
وإلى لقاء ..














من مصر