مثلت إفريقيا بالنسبة للعرب على الدوام المكان الآمن الذي يفيض بالخيرات، ولذلك كانت الهجرات العربية المستمرة والمتتابعة إلى إفريقيا على مر القرون، ارتباطا بالظروف التي أنتجت في أحيان كثيرة تلك الهجرات العربية القسرية نحو إفريقيا القارة الأقرب إلى المنطقة العربية والأكثر أمنا وغنى..
ومن ثم فإن ظروف المنطقة العربية هي التي فرضت في الأساس، ذلك الانتشار العربي في إفريقيا، من هنا كان ذلك التفاوت الكبير في الأسباب التي وقفت وراء تلك الهجرات عبر ذلك التاريخ الطويل الذي أمتد لعشرات القرون.
وقد تمثلت الصلات البشرية العربية الإفريقية الأولى في الهجرات المتعاقبة التي قام بها العرب إلى القارة الإفريقية، بهدف التجارة وكسب العيش أو بسبب الاستطلاع الجغرافي للأماكن المجاورة لهم، أو في الهجرات التي أجبروا عليها لأسباب صعبة تتعلق بظروف الحياة القاسية الطاردة لشبه الجزيرة العربية.
وكون شبه الجزيرة العربية مثلت مستودعاً بشرياً عظيماً، فإنها كانت على مر العصور والأجيال تفيض بالهجرات البشرية العربية إلى مختلف مناطق الجوار، وخاصة تلك الهجرات المتعلقة بالأقوام السامية من شبه الجزيرة العربية، التي كانت في وقت من الأوقات أكثر مطرا وأغزر عشبا، ثم اعتراها الجفاف بعد انتهاء العصر المطير منذ عشرة آلاف سنة، فأجبرت هذه الصفة الطاردة في الجزيرة العربية الكثير من سكانها على الهجرة إلى البلدان المجاورة وفي مقدمتها الموجات المتجهة إلى القارة الإفريقية.
بل إن تلك الأسباب هي التي دفعت القبائل العربية إلى الهجرة إلى الحبشة أولا، ثم تجاوزتها إلى المناطق المجاورة على الساحل الغربي للبحر الأحمر ومنها إلى أنحاء أخرى أكثر عمقا في القارة الإفريقية، بحثا عن متطلبات العيش، لتستقر بها، حيث تعود تلك الهجرات في الأساس إلى حالات القحط التي لحقت بشبه الجزيرة العربية لعصور متتالية.
وفي فترات مختلفة بعد ذلك، لم يكن عامل الجوار أو العامل التجاري بكل ما تمخض عنهما من علاقات تجارية وتواصل اجتماعي، هما اللذين شكلا السبب الأساس وراء تلك الهجرات، بل إن عوامل أخرى كانت ولفترات طويلة وراء الكثير من الهجرات العربية إلى إفريقيا، حيث شكلت النزاعات القبلية والسياسية سببا مهما وراء الكثير من هجرات القبائل العربية إلى القارة الإفريقية عن طريق باب المندب، ومن ثم الانتشار إلى الساحل الشرقي منها.
وشكل عامل الفتن والثورات نتيجة الصراعات السياسية في زمن الخلافة الإسلامية، محددا جوهريا وراء البعض من تلك الهجرات، والتي تجلت في الصراعات السياسية التي تنطلق من سياسة مطاردة الخصوم السياسيين ومن روح الانتقام منهم ومن أتباعهم بالتصفية الجسدية..
ففي مثل تلك الظروف القاسية والمعاملة التي تسودها روح الانتقام بالنسبة للخصم السياسي، حينما ينتصر على عدوه، لم يبق أمامه إلا أن يلوذ بالفرار إلى أي مكان آخر طلبا للنجاة والأمن، إن كمحطة هجرة مؤقتة أو دائمة خارج نطاق سيطرة خصمه السياسي، ومن هنا كانت إفريقيا على الدوام قبلة تلك القوى من القبائل العربية التي كانت تخشى بطش وجبروت الخصوم المنتصرين.
وقد شهد شرق إفريقيا هجرة جماعة من أهل الشام نفسها زمن الخلافة الأموية، كانوا مناوئين لسياسة الحجاج بن يوسف الثقفي اتقاء بطشه، كما هرب خوفا من سطوته الكثير من العرب من أهالي عمان إلى شرق إفريقيا، كما حدثت هجرات كثيرة من جنوب شبه الجزيرة العربية وفي اتجاه الجزر الساحلية لشرق إفريقيا.
كما أن أتباع كل الثورات الفاشلة على كل من الحكم الأموي أو العباسي كانوا يهاجرون إلى إفريقيا، ويذكر على سبيل المثال، الهجرة الزيدية من اليمن سنة 740 من ميلاد المسيح، وهجرة قبيلة الحارس التي أسست مدينة مقديشو، ولامو، ولعل أوسع تلك الهجرات وأكثرها كثافة هي التي جرت بعد سقوط بغداد في أيدي المغول في العام 1258مسيحي.
وفي عهد الخليفة عبدالملك بن مروان هاجرت قبائل عربية عمانية بعد ثورة فاشلة في بداية الدولة الأموية، وعن الوجود الإفريقي في الوطن العربي شهد عهد الخليفة العباسي المنصور وجود أربعة آلاف جندي من زنجبار، كما شهدت تلك الحقبة من التاريخ ما عرف بثورة الزنج ببغداد، الذين أقاموا دولتهم التي سيطرت على البصرة وما حولها لأربعة عشر عاما.
وقد سبب الاحتكاك الجغرافي وما ولده من احتكاك تجاري وثقافي بين شعوب المنطقتين، الذي مثله موقع شبه الجزيرة العربية المقابل لشرق إفريقيا الذي لا يفصل بينهما إلا البحر الأحمر، محفزا إضافيا وراء الهجرات العربية نحو قارة إفريقيا، وترجح بعض المصادر أن ذلك قد تم قبل القرن الرابع للميلاد، وبالمقابل فقد حدث في وقت متأخر انتقال عكسي من القارة الإفريقية نحو المناطق العربية، لأفارقة جاؤوا إلى اليمن وشبه الجزيرة العربية، وإن اختلفت الأسباب بين الهجرتين، ولعل التجلي الأكثر بروزا لذلك قد مثلته ثورة الزنج.
فإفريقيا مع ذلك ووفق كل المؤشرات شكلت على الدوام ملاذا آمنا للهجرات العربية في أعقاب الصراعات السياسية بين الدول العربية المتصارعة من أمويين وعباسيين، وهي من ثم لم تقف على فترة ما بعد الإسلام، وإنما كانت إفريقيا مهجرا معروفا ومرغوبا للعرب منذ ما قبل الإسلام، فقد شهد الساحل الشرقي لإفريقيا هجرات عربية من أجل الاستقرار والتجارة قبل الإسلام، وساهم في دعم استيطان العرب في إفريقيا بعد الإسلام، مما جعل من الساحل الشرقي من إفريقيا، لأن يصبح جزءا حيويا من تجارة العالم الإسلامي مع بلاد السند والشرق الأقصى.
ويمكن القول هنا أن العامل المناخي قد وفر الظروف الملائمة لدعم وتطوير العلاقة بين سكان شرقي إفريقيا والعرب المهاجرين إليه، حيث لعب هبوب الرياح في فصل الشتاء من موطن العرب نحو إفريقيا، وحدوث العكس في فصل الربيع دورا أساسيا في تطور هذه العلاقة، هذا علاوة على صفة شبه الجزيرة العربية الطاردة، التي شكلت عاملا مهما في دفع الحضارمة واليمنيين إلى توثيق علاقاتهم مع أجزاء واسعة من الساحل الشرقي لإفريقيا، مثل زنجبار، وبمبا، ومالندي، وكلوة، وممبا، ودار السلام، حيث تركت الهجرات العربية بصماتها على شعوب تلك المنطقة في الجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
فكان أن ظل الاتصال مستمرا بين عرب شبه الجزيرة العربية وخليجها، وبين سكان الساحل الشرقي الإفريقي ، وساعد على ذلك الاتصال عوامل جغرافية نشّطت من حركة الملاحة، التي استفادت من الرياح الموسمية التي تدفع السفن الشراعية في فصل الخريف من خليج عمان وسواحله على المحيط الهندي، بمحاذاة الساحل الإفريقي، الذي ينحني باتجاه جنوب غربي، حيث يمكن أن يصل التجار العرب ويقيموا المراكز التجارية، ويتزاوجوا من القبائل الإفريقية، ثم يعودون من الساحل الإفريقي إلى المنطقة العربية في فصل الربيع، حينما تكون الرياح مواتية لتدفع سفنهم باتجاه شمال شرقي، لكي تعود إلى موانئها وإلى خليج عمان.
وعبر امتداد السنوات والقرون أصبح العرب يشكلون عددا من أقطار الفضاء الإفريقي يمتد على مساحة واسعة في شمال إفريقيا وساحلها الشرقي، ذات أغلبية عربية مطلقة، ولا يعني ذلك أن الوجود العربي يقتصر على هذه الدول فحسب، بل إنهم يتواجدون في أغلب الدول الإفريقية وبنسب متفاوتة، ذلك أن حصر ذلك الوجود العربي، لم يتم إلا في بلدان محدودة، حيث تقدر بعض المراجع التي تعود إلى عام 1986مسيحي، عدد أولئك العرب في إثيوبيا بحوالي 60 ألفا، وفي كينيا بـ37 ألفا، وفي تنزانيا بـ36 ألفا، وفي نيجيريا بستة آلاف، وفي ساحل العاج ألفان، وفي مالي ألفان، وفي أوغندا بخمسة آلاف، وفي سيراليون ألفان وخمسمائة، وفي الجابون ثلاثة آلاف، وفي بوروندي ورواندا وزائير عشرة آلاف، فيما تقدر مصادر أخرى أن العرب في تشاد يشكلون ثلث السكان.
فالعرب وفق هذا المشهد شكلوا ويشكلون مكوناً إفريقياً أساسياً، حيث رسخوا بحضورهم الحي والفاعل قيماً حضارية وإنسانية من خلال امتزاجهم واختلاطهم بالسكان الأصليين، لتصعب بعدها أية محاولة للفصل التعسفي بين العرب وإفريقيا، فهم على الدوام كانوا رسل حضارة وتسامح، كان من نتائجه هذا التوحد الحضاري الذي أنتج حضارة عربية إسلامية، امتدت على مساحة قرون طويلة، ومن ثم فهي صالحة لأن تكون نافذة لوحدة العرب مع الأفارقة والأفارقة مع العرب، في إطار الفضاء العربي الإفريقي، الذي يمكنه أن يدخل بهم جميعاً عصر التكتلات الكبرى، ليأخذوا موقعهم الذي يليق بهم وبتراثهم وحضارتهم وإمكانياتهم المادية الهائلة التي لازالت تختزنها أرضهم، عالم الكيانات العملاقة خاصة وأن العروبة والإسلام يشكلان معاً إطاراً ناظماً لتلك العلاقة.
ويبقى لحديث الإسلام في إفريقيا موعد آخر..












