لقد فجرت الثورة الفرنسية نقاشاً واسعاً حول مسألة السيادة.. فكان السؤال الجوهري في هذا الجدل – هل السيادة للشعب أم للأمة؟.. وجاءت الإجابات لتعكس العديد من الرؤى والأفكار، وتؤسس أيضاً لعدد من المدارس الفكرية.. وكان أبرز هذه الإجابات ما تمثل في رأيين ذهب الرأي الأول إلى القول بأن السيادة للأمة، واعتمد أصحاب هذا الرأي على أساس أن السيادة لا تتجزأ، وأنها وحدة تملكها الأمة كشخص مستقل عن شخص أفرادها.
أما الرأي الثاني فقد رأى أصحابه أن السيادة للشعب، وأنها مجزأة، ومقسمة بين جميع أفراد الشعب، حيث كل فرد يملك منها جزءاً.. وفي هذين الرأيين تكمن العديد من النتائج، بل والكثير من المواقف الفكرية التي أسست للنظم السياسية المعاصرة.. فمدرسة الذين قالوا بأن السيادة للشعب اعتبروا الانتخاب حقاً شخصياً يمكن به لكل فرد التنازل عن "الجزء من السيادة" هذا الجزء الذي يملكه لانتخاب نواب عن الشعب لتكون لهم كل السيادة التي كانت للشعب.. وهو ما يعني أن الشعب بكل أفراده قد أصبح بلا سيادة، فأفراده قد تنازلوا عنها بواسطة الانتخاب لنواب عنهم.. أما في مدرسة الأمة فقد اعتبر أصحاب هذه المدرسة وهم أغلب رجال الثورة الفرنسية أن السيادة ليست لسائر الأفراد وإنما هي لشخصية معنوية مستقلة هي الأمة.. وأن الانتخاب هنا هو واجب يتم نيابة عن الأمة يقوم به الأفراد الذين تتوفر فيهم شروط محددة، والانتخاب في هذه المدرسة هو إلزام لا يجوز الامتناع عن ممارسته، وترتب على هذا المبدأ في معظم الدول التي تبنته بروز طبقية اجتماعية تحولت فيما بعد إلى طبقة سياسية حيث ظهرت طبقة المواطنين السلبيين الذين لا يحق لهم ممارسة الحقوق السياسية ولهم فقط الحقوق المدنية، وهؤلاء هم الممتنعون عن واجب الانتخاب، وطبقة المواطنين الإيجابيين ولهم الحق في ممارسة الحقوق المدنية والسياسية على حدٍ سواء.. ويقصد بالحقوق السياسية هنا حق الانتخاب الذي هو آلية ما يسمى بالديمقراطية الليبرالية.
نلاحظ أنه وفي الاتجاهين.. اتجاه سيادة الشعب، واتجاه سيادة الأمة أن هناك قاسماً واحداً مشتركاً بينهم هو ضرورة قيام الأفراد في سيادة الشعب، وفي سيادة الأمة بتفويض نواب عن الشعب.. وعن الأمة، وهنا نقف أمام نتيجة واحدة هي أن الشعب.. والأمة ومن خلالهما الأفراد يتنازلون بالانتخاب عن السيادة لمصلحة نواب يصبح من حقهم وحدهم ممارسة هذه السيادة التي لا يهم بعد ذلك أكان مصدرها الشعب أم الأمة.
والسؤال الآن لماذا يجب أن تفوض السيادة ولا تمارس؟
الجواب من الناحية الفكرية واضح جلي، ذلك أن القلة هي التي تسيطر فعلياً على المقدرات المادية والمعنوية للسيادة، وحيث ترفض هذه القلة التنازل عن هذه المقدرة ولو للشعب فإنها ذهبت إلى التحايل على الشعب بإيهامهم بأن السيادة للشعب أو للأمة اللذين لهما كامل الحق في تفويض من يعتقدان أنه مناسب لممارسة هذه السيادة، وحيث إن القلة بأدواتها، ووسائطها هي الأقدر على لعبة الانتخابات فإن هذه القلة قد ضمنت عودة السيادة لها بعد أن أوهمت "الشعب" بحقه فيها، وحقه في تفويضها لمن يشاء.
هل يمكن أن تفوض السيادة؟.. وإذا فوض صاحب السيادة أحداً آخر بسيادته ألا يعد هو نفسه فاقداً للسيادة؟.. وهل هناك ضرورة أصلاً لأن يتنازل الإنسان عن سيادته لغيره؟.
الحقيقة أن الأمر الطبيعي هو أن يمارس كل ذي سيادة سيادته، فالسيادة لا يمكن التنازل عنها إلا مقابل القبول بالعبودية.. وآياً كان صاحب السيادة فرداً، شعباً أو أمة فالأمر سيان وبالتالي فإن نظريات التفويض وآليات هذا التفويض هي باطلة بالمنطق.. إذ كيف يكون الفرد أو الشعب أو الأمة سيداً وقد فوض هذه السيادة لغيره يمارسها نيابة عنه.
ألا يبدو الأمر بعيداً كل البعد عن المنطق؟
إن السيادة المستقيمة مع الوضع الطبيعي هي أمر لا يمكن التنازل عنه، إن فاقد السيادة فرداً كان أم أمة هو فاقد للحرية، وفاقد بالتالي للأهلية السياسية، ومن هنا فإن الأنظمة التي تفرض على شعوبها ومواطنيها التنازل عن سيادتهم لصالح نواب عنهم يمارسون هذه السيادة بحجة دواعي الديمقراطية هي أنظمة تفرض العبودية على شعوبها ومواطنيها بسلبها لسيادتهم.. فالسيادة تمارس ولا يعبر عنها فقط بواسطة الانتخابات.. إن الشعب الحر أو المواطن الحر حقيقة هو الذي يستطيع أن يمارس سيادته لا الذي يخير كيف يتنازل عن هذه السيادة.. إن ممارسة كل مواطن لسيادته تلغي إلى الأبد فكرة وجود نواب عنه.. وبالتالي فلابد من آلية تجعل كل المواطنين يمارسون سيادتهم بأنفسهم، وهنا فإنه ليس هناك أبدع من المؤتمرات الشعبية الأساسية كآلية عملية لممارسة هذه السيادة.. وهكذا فإن الشعب الحر هو الذي يمارس سيادته بنفسه لا بواسطة نواب عنه.. فالسيادة حق ذاتي تمارس ولا تفوض لأحد.












