لم يعرفوني في الظلال التي
تمتصّ لوني في جواز السفر
وكان جرحي عندهم معرضاً
لسائح يعشق جمع الصور
لم يعرفوني، آه... لا تتركي
كفي بلا شمسٍ،
لأن الشجر
يعرفني...
تعرفني كل أغاني المطر
لا تتركيني شاحباً كالقمر!
كلّ العصافير التي لاحقت
كفى على باب المطار البعيد
كل حقول القمح،
كل السجون،
كل القبور البيض
كل الحدود،
كل المناديل التي لوحت،
كل العيون
كانت معي، لكنهم
قد أسقطوها من جواز السفر!
عارٍ من الاسم، من الانتماء ؟
في تربة ربّيتها باليدين؟
أيوب صاح اليوم ملء السماء:
يا سادتي! يا سادتي الأنبياء
لا تسألوا الأشجار عن اسمها
لا تسألوا الوديان عن أمها
من جبهتي ينشق سيف الضياء
ومن يدي ينبع ماء النهر
كل قلوب الناس... جنسيتي
فلتسقطوا عني جواز السفر!
.......................................
يوميات جرح فلسطيني
-1-
نحن في حلٍّ من التذكار
فالكرمل فينا
وعلى أهدابنا عشب الجليل
لا تقولي: ليتنا نركض كالنهر إليها،
لا تقولي!
نحن في لحم بلادي... وهي فينا!
-2-
لم نكن قبل حزيران كأفراخ الحمام
ولذا، لم يتفتّت حبنا بين السلاسل
نحن يا أختاه، من عشرين عام
نحن لا نكتب أشعاراً،
ولكنا نقاتل
-3-
ذلك الظل الذي يسقط في عي***
شيطان إله
جاء من شهر حزيران
لكي يعصب بالشمس الجباه
إنه لون شهيد
إنه طعم صلاه
إنه يقتل أو يحيي،
وفي الحالين! آه !
-4-
أوّل الليل على عي***، كان
في فؤادي، قطرةً من آخر الليل الطويل
والذي يجمعنا، الساعة، في هذا المكان
شارع العودة
من عصر الذبول.
-5-
صوتك الليلة،
سكينٌ وجرحٌ وضماد
ونعاس جاء من صمت الضحايا
أين أهلي؟
خرجوا من خيمة المنفى، وعادوا
مرة أخرى سبايا!
-6-
كلمات الحب لم تصدأ، ولكن الحبيب
واقعٌ في الأسر ? يا حبي الذي حمّلني
شرفاتٍ خلعتها الريح...
أعتاب بيوت
وذنوب.
لم يسع قلبي سوى عي***،
في يوم من الأيام،
والآن اغتنى بالوطن!
-7-
وعرفنا ما الذي يجعل صوت القبّرة
خنجراً يلمع في وجه الغزاة
وعرفنا ما الذي يجعل صمت المقبرة
مهرجاناً... وبساتين حياة!
-8-
عندما كنت تغنين، رأيت الشرفات
تهجر الجدران
والساحة تمتد إلى خصر الجبل
لم نكن نسمع موسيقى،
ولا نبصر لون الكلمات
كان في الغرفة مليون بطل!
-9-
في دمي، من وجهه، صيفٌ
ونبض مستعار.
عدت خجلان إلى البيت،
فقد خرّ على جرحي... شهيدا
كان مأوى ليلة الميلاد
كان الانتظار
وأنا أقطف من ذكراه... عيدا!
-10-
الندى والنار عيناه،
إذا ازددت اقتراباً منه غنّى
وتبخرت على ساعده لحظة صمت، وصلاه
آه سميه كما شئت شهيدا
غادر الكوخ فتى
ثم أتى، لما أتى
وجه إله!
-11-
هذه الأرض التي تمتصّ جلد الشهداء
تعد الصيف بقمح وكواكب
فاعبديها!
نحن في أحشائها ملح وماء
وعلى أحضانها جرح... يحارب
-12-
دمعتي في الحلق، يا أخت،
وفي عينيّ نار
وتحررت من الشكوى على باب الخليفة
كل من ماتوا
ومن سوف يموتون على باب النهار
عانقوني، صنعوا مني... قذيفة!
-13-
منزل الأحباب مهجور،
ويافا ترجمت حتى النخاع
والتي تبحث عني
لم تجد مني سوى جبهتها
أ تركي لي كل هذا الموت، يا أخت.
أ تركي هذا الضياع
فأنا أضفره نجماً على نكبتها
-14-
آه يا جرحي المكابر
وطني ليس حقيبة
وأنا لست مسافر
إنني العاشق، والأرض حبيبة!
-15-
وإذا استرسلت في الذكرى!
نما في جبهتي عشب الندم
وتحسرت على شيئ بعيد
وإذا استسلمت للشوق،
تبنّيت أساطير العبيد
وأنا آثرت أن أجعل من صوتي حصاة
ومن الصخر نغم!
-16-
جبهتي لا تحمل الظل،
وظلي لا أراه
وأنا أبصق في الجرح الذي
لا يشغل الليل جباه!
خبئي الدمعة للعيد
فلن نبكي سوى من فرح
ولنسمّ الموت في الساحة
عرساً... وحياه!
-17-
وترعرعت على الجرح، وما قلت لأمي
ما الذي يجعلها في الليل خيمة
أنا ما ضيّعت ينبوعي وعنواني واسمي
ولذا أبصرت في أسمالها
مليون نجمة!
-18-
رايتي سوداء،
والميناء تابوتٌ
وظهري قنطرة
يا خريف العلم المنهار فينا
يا ربيع العالم المولود فينا
زهرتي حمراء،
والميناء مفتوح،
وقلبي شجره!
-19-
لغتي صوت خرير الماء
في نهر الزوابع
ومرايا الشمس والحنطة
في ساحة حرب
ربما أخطأت في التعبير أحياناً
ولكن كنت ? لا أخجل ? رائع
عندما استبدلت بالقاموس قلبي!
-20-
كان لا بد من الأعداء
كي نعرف أنا توأمان!
كان لا بد من الريح
لكي نسكن جذع السنديان!
ولو أن السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب
ظل طفلاً ضائع الجرح... جبان.
-21-
لك عندي كلمه
لم أقلها بعد،
فالظل على الشرفة يحتل القمر
وبلادي ملحمة
كنت فيها عازفاً... صرت وتر!
-22-
عالم الآثار مشغول بتحليل الحجارة
إنه يبحث عن عينيه في ردم الأساطير
لكي يثبت أني:
عابر في الدرب لا عينين لي!
لا حرف في سفر الحجارة!
وأنا أزرع أشجاري، على مهلي،
وعن حبي أغني!
-23-
غيمة الصيف التي... يحملها ظهر الهزيمة
علّقت نسل السلاطين
على حبل السراب
وأنا المقتول والمولود في ليل الجريمة
هاأنا ازددت التصاقاً... بالتراب!
-24-
آن لي أن أبدل اللفظة بالفعل، وآن
لي أن أثبت حبي للثرى والقبّرة
فالعصا تفترس القيثار في هذا الزمان
وأنا أصفرّ في المرآة،
مذ لاحت ورائي شجرة!
.....................................
من ديوان عاشق من فلسطين:
عاشق من فلسطين
عيونك شوكةٌ في القلب
توجعني... وأعبدها
وأحميها من الريح
وأغمدها وراء الليل والأوجاع... أغمدها
فيشعل جرحها ضوء المصابيح
ويجعل حاضري غدها
أعزّ عليّ من روحي
وأنسى، بعد حينٍ، في لقاء العين بالعين
بأنّا مرة كنّا، وراء الباب، إثنين!
كلامك... كان أغنيه
وكنت أحاول الإنشاد
ولكنّ الشقاء أحاط بالشفة الربيعيّة
كلامك، كالسنونو، طار من بيتي
فهاجر باب منزلنا، وعتبتنا الخريفيّه
وراءك، حيث شاء الشوق...
وانكسرت مرايانا
فصار الحزن ألفين
ولملمنا شظايا الصوت...
لم نتقن سوى مرثيّة الوطن!
سنزرعها معاً في صدر جيتار
وفق سطوح نكبتنا، سنعرفها
لأقمارٍ مشوّهةٍٍ...وأحجار
ولكنّي نسيت... نسيت... يا مجهولة الصوت:
رحيلك أصدأ الجيتار... أم صمتي؟!
رأيتك أمس في الميناء
مسافرة بلا أهل... بلا زاد
ركضت إليك كالأيتام،
أسأل حكمة الأجداد:
لماذا تسحب البيّارة الخضراء
إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناء
وتبقى، رغم رحلتها
ورغم روائح الأملاح والأشواق،
تبقى دائماً خضراء؟
وأكتب في مفكرتي:
أحبّ البرتقال. وأكره الميناء
وأردف في مفكرتي:
على الميناء
وقفت. وكانت الدنيا عيون شتاء
وقشر البرتقال لنا. وخلفي كانت الصحراء!
رأيتك في جبال الشوك
راعيةً بلا أغنام
مطاردةً، وفي الأطلال...
وكنت حديقتي، وأنا غريب الدّار
أدقّ الباب يا قلبي
على قلبي...
يقرم الباب والشبّاك والإسمنت والأحجار!
رأيتك في خوابي الماء والقمح
محطّمةً. رأيتك في مقاهي الليل خادمةً
رأيتك في شعاع الدمع والجرح.
وأنت الرئة الأخرى بصدري...
أنت أنت الصوت في شفتي...
وأنت الماء، أنت النار!
رأيتك عند باب الكهف... عند النار
معلّقةً على حبل الغسيل ثياب أيتامك
رأيتك في المواقد... في الشوارع...
في الزرائب... في دم الشمس
رأيتك في أغاني اليتم والبؤس!
رأيتك ملء ملح البحر والرمل
وكنت جميلة كالأرض... كالأطفال... كالفلّ
وأقسم:
من رموش العين سوف أخيط منديلا
وأنقش فوقه شعراً لعي***
وإسماً حين أسقيه فؤاداً ذاب ترتيلا...
يمدّ عرائش الأيك...
سأكتب جملة أغلى من الشهداء والقبل:
"فلسطينيةً كانت. ولم تزل!"
فتحت الباب والشباك في ليل الأعاصير
على قمرٍ تصلّب في ليالينا
وقلت لليلتي: دوري!
وراء الليل والسور...
فلي وعد مع الكلمات والنور.
وأنت حديقتي العذراء...
ما دامت أغانينا
سيوفاً حين نشرعها
وأنت وفيّة كالقمح...
ما دامت أغانينا
سماداً حين نزرعها
وأنت كنخلة في البال،
ما انكسرت لعاصفةٍ وحطّاب
وما جزّت ضفائرها
وحوش البيد والغاب...
ولكني أنا المنفيّ خلف السور والباب
خذيني تحت عي***
خذيني، أينما كنت
خذيني، كيفما كنت
أردّ إليّ لون الوجه والبدن
وضوء القلب والعين
وملح الخبز واللحن
وطعم الأرض والوطن!
خذيني تحت عي***
خذيني لوحة زيتيّةً في كوخ حسرات
خذيني آيةً من سفر مأساتي
خذيني لعبة... حجراً من البيت
ليذكر جيلنا الآتي
مساربه إلى البيت!
فلسطينية العينين والوشم
فلسطينية الإسم
فلسطينية الأحلام والهمّ
فلسطينية المنديل والقدمين والجسم
فلسطينية الكلمات والصمت
فلسنينية الصوت
فلسطينية الميلاد والموت
حملتك في دفاتري القديمة
نار أشعاري
حملتك زاد أسفاري
وباسمك، صحت في الوديان:
خيول الروم!... أعرفها
وإن يتبدّل الميدان!
خذوا حذراً...
من البرق الذي صكّته أغنيتي على الصوّان
أنا زين الشباب، وفارس الفرسان
أنا. ومحطّم الأوثان.
حدود الشام أزرعها
قصائد تطلق العقبان!
وباسمك، صحت بالأعداء:
كلي لحمي إذا نمت ياديدان
فبيض النمل لا يلد النسور
وبيضة الأفعى...
يخبىء قشرها ثعبان!
خيول الروم... أعرفها
وأعرف قبلها أني
أنا زين الشباب، وفارس الفرسان!












