يقول (الميتافيزيقي) نيقولاي هارتمان إن المهمة الرئيسية
للفيلسوف ، حسب نظره ، هي أن يضع المشكلات ، وربما بتدقيق أكثر يمكن القول إن مهمة
الفلسفة هي البحث في الماهيات ، وإن كانت هذه الماهيات ليست بالمفهوم الذي تناوله
المعنيون بسؤال الموجود على أنه هو الوجود ، أي من يطلق عليهم بفلاسفة الوجود ، بل بما في ذلك الذين يتحددون
على أنهم الوجوديون ، فمن عرفوا بفلاسفة الوجود هم مناطقة وليسوا فلاسفة ، ذلك لأن
السؤال الماهوي عندهم هو في إدراك ماهية المحدود ، أي ماهية الموجود وليست ماهية
الوجود ، إضافة إلى أن من يطلق عليهم الوجوديون من أمثال سارتر1980-1905 بأكثر تحديدًا ، هم الذين يرون أن الوجود أو
على وجه الدقة موجودية الموجود هي التي تحدد ماهيته ، وبذلك يسقط هؤلاء معطى
المتحقق من سؤال الماهية ، أي سؤال الحقيقة ، تمامًا مثلما يسقط السابقون سؤال
المتحقق وما سوف يتحقق معًا ، لأن البحث في حقيقة الملقى هناك الـ Da seinليست سوى محاولة لاختزال الحقيقة في هذا الذي يتحقق ، وإن كانت هذه الأزمة
التي ورثها المناطقة الأوروبيون ودعمها اللاهوت الأوروبي الكاثوليكي والبروتستانتي
والتفرعات التي نشأت عليهما ليست جديدة ، فقد أشرنا فيما سبق إلى أن أية محاولة
لوضع الماهوي ضمن أي منطق أو أي شكل يتعارض مشروع الفلسفة من الأساس ، أي يدخل ضمن
المنطق المحدود أو منطق الشكل المقفل ، وإن الأزمة القديمة الجديدة التي واجهت
وتواجه مشروع الحقيقة، ومشروع التقدم الإنساني نحو العلم تكمن في عجز الإنسان على
القبول بحقيقة صيرورة الحياة، وصيرورة الحركة وانفتاح الإنسان من خلال الحرية على
العلم والتقدم ، فالإنسان المحدود لا يريد أن يعترف بمحدوديته ، وحتى يزيل هذا
القلق والخوف الذي ينتابه من المجهول يلجأ إلى لعبة المنطق ، أي إلى الدخول في وهم
إدراك الحقيقة من خلال اختزالها في المحدود والمتحقق ، وهو ما يوصله بداهة إلى
أسطورة الطوبيا ، أو خرافة اليوطوبيا ، وقد أشرنا في دراسات سابقة إلى أن مصطلح
اليوطوبيا ، والذي يخط في العربية على أساس ترقيق الطاء ، أي يكتب يوتوبيا ، هو لفظ
مركّب من مقطعين U وتفيد النفي في الإغريقية ،Tobos وهو لفظ فينيقي الأصل ، أي عروبي الأصل ،
مايزال مستخدمًا عندنا في العربية الحديثة ، ونقصد بذلك (الطوب) ، أي التراب
والأرض ، حتى في استخدامه في اللغات الأوروبية مايزال يحمل نفس المفهوم العروبي
القديم ، فمصطلح ToBOS ? وTOBOLOgy ? هو بذات الدلالة التي أشرنا إليها ، وبذلك
فإن الفرق بين الطوبيا واليوتوبيا هو الفرق في الموقف وفي الخطاب ، فالطوباويون
مناطقة بداهة ، ومناطقة فيزيائيون ، إنهم يجعلون من المتحقق كما أشرنا مطلق
الحقيقة ، أي أن الواقعة التي يمكن أن نصفها بأنها واقعة تأريخية ، تسحب على
الحقيقة ، أي تتحول من خلال منطق الأحكام الاستقرائية إلى حكم مطلق على الحقيقة ،
وهنا تلعب الأسطورة دورًا مهمًا في هذا الأسلوب والطريقة ، فالذي يقول إن الحقيقة
اكتملت في (الماضي) ، هو طوباوي ، إنه يعترف بأن الفعل التأريخي تم على الأرض، ومن
قبل مجموعة من الناس ، ولكنه يضطر بحكم منطق الاستقراء إلى لعبة التضخيم ، أي لعبة
استخدام العدسة المقعرة في النظر إلى المحدود فيتم تضخيم الإنسان فاعل الفعل كما
يتم تضخيم الفعل بداهة ، ومن ثم المكان والزمان والنتائج ، أي حتى يقدم المحدود على
أنه مطلق يتم تضخيم هذا المحدود ، ومن حيث الخطاب يتم إضفاء كل الأوصاف التي تجعل
منه مطلق الحقيقة ، وقد رأينا التراجعيين بعامة ، بما في ذلك الذين يبررون عجزهم
باسم السلفية يقومون بذات اللعبة ، أي يصفون ما تحقق على أنه العصر الذهبي ، وغير
ذلك من الأوصاف ، كما رأينا هذا في أطروحة الإغريقي هزيود (القرن الثامن ق،م) في
الكتاب المنسوب إليه (الأعمال والأيام) ، حيث يرى أن الفترة التي كان يعيشها هي
المرحلة الخامسة والأخيرة في التدني القيمي والأخلاقي ، والتي يصفها بأنها عصر
الحديد قياسًا بالعصر الذهبي أيام كان الآلهة يحكمون ، وبذلك فإنه بهذه الطوباوية
يحاول أن يواجه إحباطاً في هذا الذي يتحقق من خلال الهروب إلى المتحقق ، ولأن هذه
العملية غير ممكنة بحكم قانون الصيرورة والتقدم فيتحول هذا التصور إلى وهم ، وهذا
ما نراه في كل دعاوى التراجعيين وفي خطاباتهم المتكررة من خلال مقولات : ما ترك
الأول للآخر ، لا جديد تحت الشمس ، ليس بالإمكان أبدع مما كان ، وربما من الطريف
أن نذكر البيت المنسوب إلى عنترة بن شداد ، والذي يوضح فيه أن السابقين من الشعراء
لم يتركوا للمحدثين الذين هم في عصره ما يمكن لهم أن يتناولوه في شعرهم :
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل ذكرت
الدار بعد توهم؟!
إن هذا الموقف من الحقيقة يكشف كما اشرنا عن أزمة في
منهج التفكير وعن عجز في إدراك مسؤولية الإنسان على أن يستمر باحثًا في مشروع
الحقيقة ، أي مشروع الفلسفة ، ومحاولة مقاربة الأسئلة الماهوية ، إن الهروب إلى
المنطق المحدود من خلال هذا الموقف التراجعي قد يحدث راحة وهمية بسبب (النستولوجيا)
ـ Nostalgin? أي الحنين إلى ما يعرف
بالماضي ، ولكن هذا الموقف لا يزيد المشكلة إلا تعقيدًا ، وعلى مستوى الموقف من
الحقيقة، فإن القائلين به سيرفعون شعار النقل ، أو النقل والعقل ، وبداهة سيقولون
بذلك ، إن النقل سيفرض على الذهن الإنساني أن يتحول إلى محض وسيلة ، كالدابة ،
وظيفته القيام بهذه العملية ، أي عملية النقل ، وقد نعى الوحي القرآني على اليهود
هذا الموقف ، أي على اكتفائهم بالنقل دون القراءة الجادة للمتحقق ضمن معطيات
التحقق ، ودون التفريق بين الإنسان المحدود الذي يتعامل مع مشروع الحقيقة ضمن
الممكن الوسع ، وبين الحقيقة التي تنفتح على الإنسانية أي على مشروع الفلسفة أي
مشروع العلم والتقدم ، الذي يتأسس على الحرية بما هي فطرة { مَثَلُ الَّذِينَ
حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ
أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ
وَاللَّهُ ،لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}
5 سورة الجمعة ، وتبرير هذا المسلك
الخاطئ في التعامل مع مشروع من خلال تبرير هذا الموقف لأنهم وجدوا آباءهم عليه :{بلَْ
قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم
مُّهْتَدُونَ}22 سورة الزخرف .
إن خطاب النقل المرفوض ، هو تمامًا كمبرر العقل ، وقد
أشرنا إلى أن وظيفة الذهن الإنساني هي أبعد من العقل الذي هو إحدى وظائفه ، إن
قدرة العقل تأتي في تجريد المعقول ، أو ممكن الاعتقا ، فالعقل لا يتجاوز هذا
المدرك المنطقي أو الممكن الإدراك ، ومن ثم فإن العقل يمكن الإنسان من الحكم على
القضايا المنطقية ، ولكنه أعجز من أن يحكم على الحقيقة ، لأن الحقيقة وإن كان فيها
المتحقق ،فإن صيرورة الذي يتحقق ، وانفتاح هذا على ما سوف يتحقق يجعل العقل عاجزًا
على الأحكام، لأن ذلك يقع ضمن مصطلح اللسانيات في مدى الجملة الإنشائية ، وبعبارة
أخرى فإن العقل يستطيع أن يحكم على المدة ، بالتاء المربوطة ، أي المقيدة ، ولكنه
لا يستطيع أن يحكم على المدى ، أي يحكم على الزمن المنطقي الذي يحدد الجملة
الخبرية ولكنه لا يستطيع الحكم على الزمان بما هو امتداد ، وبذلك فإن العقل والنقل
يعبران عن أزمة حادة في منهج التفكير ، وعن وثنية واضحة في تجسيد الحقيقة في
المتحقق بغض النظر عن منطق حدوده ، وهو نفس الموقف الذي تأسست عليه كل النـزعات
المادية الفيزيقية بما في ذلك ما يسمى بالواقعية Realism ? فالفرق بين التراجعية
والواقعية هو فرق في الدرجة ولكنه يكشف عن ذات الأزمة ، فخطاب التراجعي يقول إن
الحقيقة اكتملت في المتحقق في الـ(هناك) ، الزمنية المكانية البشرية ، ولكن هذه
الهناك هناك تقع في الخلف ، وبذلك تقدم أطروحة في نهاية التاريخ في التأريخ ، أي في
المتحقق من التاريخ ، وكما أشرنا فإنها تستخدم منطق الاستقراء ، أي في الحكم على
الحقيقة من خلال المتحقق ، ولأنها نـزعة مادية تجسيدية فإنها تستخدم مصطلح الجزء
والكل ، وكلاهما مصطلح فيزيائي ، في حين أن أحكامهم يصدرونها على الأحياء ،
والعلاقة بين الأحياء هي علاقة متعضية وليست علاقة فيزيائية تقول على الجزء والكل
، وبعين الموقف والخطاب ، تقول الواقعية إن الحقيقة في المتحقق ، وبذلك تدخل
المنطق المقفل هي الأخرى وتنهي حركة التاريخ ، أي مشروع الحقيقة والعلم ، كما
رأينا ذلك في خطاب فرنسيس فوكاياما ، والذي يكشف عن أزمة ما يسمى بالليبرالية ، مع
التأكيد أن كلتا النـزعتين ، التراجعية تحت مبرر السلف ، والواقعية نـزعتان
حلوليتان ، أي نـزعتان صوفيتان ، إذا اعتبرنا أن الصوفيا هي هذا الوهم الذي يقول
به أصحابه من خلال اتحادهم مع الحقيقة
ووصولهم إلى اللافعل واللاحركة ، وهو ذات الموقف التجريدي العقلاني من الحقيقة ،
فلا غرو إذا أن نقرأ في خطاب الليبرالية المعاصر والمادية بعامة تلك النـزعة نحو
القطب ، فالقطب وإن كان مصطلحًا فيزيائيًا إلا أن استعارته في الخطاب المعاصر يكشف
عن هذه النـزعة الصوفية الحلولية كما استخدمها الصوفيون عبر التاريخ ، فالجاذبية
والجذب هي هذا النتاج من خلال القول بالقطب الواحد ، أو حتى محاولة الهروب عن هذه
القطبية الواحدة من خلال الدعوة إلى تعدد الأقطاب ؟ ! .
إن الواقعية هي نـزعة طوباوية مادية ، وبذلك أنتجت هذه
النـزعة في اللاهوت الغربي الأوروبي ما يسمى باتحاد اللاهوت بالناسوت ، أي أن
المطلق والحقيقة تتجسدان في المحدود والمتعين البشري ، وقد ورث الأوروبيون هذا
الخطاب وهذه الأطروحة من المقدوني أرسطو طاليس384-322 ق.م بصورة أوضح ، فأرسطو
طاليس هو الذي قال بهذه الحلولية في صياغة أكثر منطقية من الحلولية الخرافية القديمة
، فقوله بكمون الوجود بالفعل داخل الوجود بالقوة ، هو ما يكشف عن هذه النـزعة
الشمولية التي كان يسعى من خلالها إلى خدمة المشروع الإمبراطوري للإسكندر المقدوني
، كما كان يحاول أن يوفق من خلالها بين خطاب الحقيقة المفارقة في عالم المثل التي
جاء بها سقراط وأفلاطون ، وهي نـزعة تراجعية هي الأخرى أكثر أسطورية ، تتأسس على
ثنوية السماء والأرض ، والنفس والجس ، حيث ينتصر سقراط وأفلاطون لهذه الحقيقة
المفارقة ، خدمة لمنطق الاستعلاء الأثيني ولمواجهة نذير الانهيار للشكل المنطقي
لبلاد الإغريق الذي برر هذه الشمولية في مثلث السلطة الذي يقع في قمته الأثينيون ،
أي النـزعة الارستقراطية للأثينيين ، باعتبارهم وحدهم الأحرار ، وهو الخطاب
التركيبي الذي واجهه الخطاب التفكيكي السفسطائي ، وتحديدًا موقف برتوغوراس 485-411 ق.م ، من الحقيقة ، وهو ما مهد لما
يسمى اليوم بالفردية Individualism? كأساس من
أسس الليبرالية التي بدأت مع ما يسمى بالحركة المدنية البرجوازية ، والتي جاءت هي
الأخرى بخطاب فردي تفكيكي في مواجهة الشمولية (التوتاليتاريا Totalitararianism في الإقطاع
بشقيه الإمبراطوري والكنسي ، وبذلك كان أرسطو يحاول التوفيق بين خطابي سقراط وأفلاطون
من جهة في القول بالوجود بالقوة ، وخطاب السوفسطائيين في الفعل ، أي في التعين
والتجسد في مقابل التجريد ، ومن ثم ندرك كيف دخلت اللسانيات المعركة ، أي كيف أدخل
السوفسطائيون نظريتهم في اللغة الحية وانتصارهم للخطاب ، وكيف رفض أفلاطون اللغة
الحية باعتماده الشكل الهندسي والتجريد العددي الرياضي ، وكيف كان منطق أرسطو وهو
ما سوف نتناوله في دراسات قادمة بتوضيح أكثر ، كما سندرك من خلال خطاب السلطة عند
المسلمين آراء المعتزلة ، والأشاعرة وغيرهما من الفرق المحسوبة على المسلمين ،
ومدارس ما يسمى بالنحو ، أي مدرسة البصرة ، ومدرسة بغداد ، ومدرسة الكوفة ، وكذلك
ما يعرف بمدرسة الأندلس والمدرسة المصرية ، وارتباط أطروحاتهم بالصراع الاجتماعي
والسياسي والاقتصادي ، وكيف أثرت مواقفهم على النحو العربي واللسان العربي ، سوف
نتناول ذلك الخلاف الحاد بين الغزالي 1111-1059 مسيحي ، وابن رشد ، بين محاولة أبن
رشد التي تقترب من محاولة أرسطو في التقريب بين ما اسماه بالعقل والنقل في مواجهة
الحدس الصوفي للغزالي ، كلاهما يرتبط بالحقيقة ومنطق الحقيقة ، ثم سنقرأ لماذا
اهتمت الكنيسة الكاثوليكية بابن رشد ، ولماذا اقترب توما الأكويني من ابن رشد 1198-1126 مسيحي في محاولة الكنيسة في مواجهة ما عرف
بالنـزعة التحررية من المنطق الكهنوتي ، كيف أن أوروبا أو ربما التفكير بعامة ما
يزال يتجاذبه أفلاطون وسقراط من جهة وأرسطو من جهة أخرى ، وكيف يمكن لمنهج التفكير
الجماهيري ، ومن ثم للخطاب الجماهيري أن يبدع لنا نظرية إنسانية في اللسانيات
الجماهيرية تخرج البشرية من أزمة الانغلاق المنطقي وأزمة الشكل المقفل ومنطق
السلطة واختزال الحقيقة ؟ .
ب












