نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
أزمة التأويل

 

بقلم : أ.د مهدى أمبيرش

 

 

إن المبرر الذي تقوم عليه دعاوى التأويليين هو الذي ينكشف أمامنا من خلال المصطلح ، فالتأويل هو ادعاء العلم بالأول ، وكذلك العلم بقصده ، وهنا تنكشف مظاهر هذه الأزمة التي بدأت ، كما اشرنا في دراسات سابقة ، من خلال الأسئلة الماهوية ، والتي من أهمها سؤال : ما الوجود ؟ ، وسؤال : ما المصير ؟ ، وفي اعتقادنا ، نحن المؤمنين بالله ، إن الإنسان هو الذي ران على قلبه ، أي نسي حقيقة أن الوجود له موجد ، وأن الإنسان هو الموجود الذي هو دليل هذا الموجد ولكن ليس هو ، إن الرسائل الإلهية التي لا نعرف عنها إلا القليل ، حيث إن الله تعالى أرسل الكثير من الأنبياء والرسل إلى أقوامهم :{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُـلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ المُبْطِلُونَ }78" سورة غافر ، وأن كل رسول جاء بلسان قومه :"{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الَعَزِيزُ الحَكِيمُ }4" سورة إبراهيم ، أي أنه ما من قوم تربطهم علاقة لسان واحد أي منهج تفكير واحد ، واللسان كما أشرنا هو وسيلة البيان ، والبيان هو التوقيفي ، أي هو الإلهي ، فالله تعالى خلق الإنسان وعلمه البيان ومن القدرة على القراءة ، كما جاء في سورة الرحمن :{" الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } ، إلا أن اختلاف الألسن هو آية من آيات الله :"{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ }22" سورة الروم ، أي مع أن أصل الإنسان ينبثق عن مصدر واحد ، إلا أن اختلاف الألسن كاختلاف الألوان ما يؤكد هذه الآية ، بغض النظر عن آراء ما يعرفون بالتطوريين ، فالله تعالى يخلق الإنسان في أحسن تقويم ، ولكن الإنسان هو الذي يهبط عن مستوى الإنسانية إلى درك المخلوقات الأدنى :{ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ 1 وَطُورِ سِينِينَ 2وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ 3 لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ 4ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ 5إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ 6فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ 7أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ }8 سورة التين ، فالقسم بشجرتين : التين والزيتون ، وبطور سنين ، وبمكة هذا البلد الأمين على قصة النبوة ، حيث إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة :{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِمَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ96 فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ}97 سورة آل عمران ، تؤكد ما ذهبنا إليه إلى أن العدل الإلهي من مقتضياته خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ولكن الإنسان هو الذي يهبط فيكون الاعوجاج في البيان ، والاعوجاج في المنطق ، أي في الأحكام ، وربط هذه الآية بين شجرتين تحكي كل منهما قصة الخلق ، وكما هو معروف فإن الوحي القرآني يؤكد دائمًا العلاقة بين الكلمة والشجرة ، وبالأحرى الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة ، إذ كلاهما أصله ثابت وفرعه في السماء ، ويؤتي أكله كل حين بإذن ربه ، وهذه المقاربة التمثيلية التشبيهية هي التي نقدّمها دليلاً على سر أزمة التأويل ، فالولادات المستمرة لا تلغي النسب ، وإن كانت تسمح كما هي ظاهرة الكلمة العربية بالاشتقاق ، أي إن دراسة الكلمة في مفهومها العربي كدراسة قصة الخلق ، أي خلق الحب والنوى في الأشجار والنباتات ، وأن الخلق هو دليل الحق تبارك وتعالى ، أي أن ما يقوم به اللسان ليس خلقًا ، :{أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}17سورة النحل ، فالإنسان على الرغم من هذه الاكتشافات لسنة الله وصبغته فإن ما يكتشفه هو المحدود والمنطقي ، هو هذه العلاقة ليس بين الدليل والمدلول ، بل بين موجد الدليل الذي يمتلئ بمدلوله ، وهذا سيقود بداهة إلى مبحث في الألسن ، وعن علاقة الكلمة التي هي اللفظ بالمفهوم ، وعودة المفهوم إلى المعنى ، تمامًا كما أن الشجرة لها جذور وساق وأوراق وثمار ، فإننا سندرك أن هذه جاءت من نواة في الأصل ، أو حبة ، ولكننا سنصل بعجزنا عن خلق النواة والحبة إلى الإقرار بالموجد خالق الوجود الذي يتكشف من خلال الموجود ، وعلى مستوى الكلمة سوف يظهر لنا أن اللفظ يعيدنا إلى دوره في مقاربة المفهوم ، والمفهوم هو المدرك أو القابل للإدراك ، ولكن المفهوم بما هو منطقي ليس منقطعًا أو معزولاً عن المعنى ، وإن كنا ندرك أن المعنى هو المطلق الذي في الذهن والذي تعجز الألفاظ المتعلقة بالمفاهيم والموضوعات على أن تعبّر عنه ، وبذلك كان إبداع الإنسان في محاولة مقاربة هذا التصور الذهني من خلال المجازات ، ومن أكثرها وضوحًا التشبيهات والتمثيلات والاستعارات ، ولكنها كلها تقوم حسب الممكن بمهمة المقاربة للحقيقة التي هي تصور في الذهن ، ولكن هذه المقاربة ، وإن قبلنا بها دليلاً على الحقيقة التصورية ، إلا أنها ليست الحقيقة ، وبذلك تنكشف أزمة التأويل ، وعجز الإنسان على إدراك الأول الذي هو المعنى ، وأن لجوء المؤول إلى التأويل هو نفسه يكشف عن أزمة نفسية سببها إدراكه لهذه المحدودية وتوهم أن هذا التأويل يسد الفراغ بين الأول الذي يلقي الكلمة ، وبين الذي يتلقى الكلمة ، وهذا ما يعيدنا إلى سؤال ما الوجود؟ ، وسؤال ما المصير؟ ، وتأكيدنا أن نسيان الإنسان هو الذي أوصله إلى هذه الكارثة :"{َكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً 113فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً 114 وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً }115" سورة طه ، فقصة آدم والهبوط هي قصة هذا النسيان ، ورغبة آدم في أن يدرك المطلق ، أي الخلد والملك الذي لا يبلى ، ومن هذه الثغرة دخل الشيطان :"{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى 116 فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى 117 إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى 118 وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى119 فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى120فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى 121ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى 122قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى 123} سورة طه، إن الأمر المهم ونحن في معرض دراسة اللسانيات هو هذا الربط بين الكلمة الشجرة الطيبة ، واقتراب آدم من الشجرة ، فالكلمة الطيبة كما أشرنا هي ولادات مستمرة من خلال وحدة الأصل ومن خلال التشاجر والتفرع مع بقاء النسب ، غير الشجرة المنبتة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، وهنا نفرق في العربية بين مفهوم الثبات الذي هو استقرار مع حركة منتجة ، وبين منطق الاختزال ، أي المنطق المقفل الذي يؤدي إلى الموت ومن ثم إلى الاجتثاث ، فالشجرة إما أن تعطي لمفهوم الخلد بعد الاستمرار من خلال الوراثة ، أو وهم امتلاك المطلق فيكون العراء ومن ثم الهبوط ، إن الانكشاف والعري لآدم وزوجه ، هو إشارة إلى معنى عميق ، فكل من يتوهم أنه أدرك المطلق أو أنه امتلك الحقيقة إنما يفضح نفسه ويكون مصيره هذا التعري والهبوط ، بل إن آدم وزوجه عليهما السلام ، لم تستر عورتهما إلا بورق الجنة :" فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ 20وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ 21فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ 22قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ 23 قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ }24 سورة الأعراف.

 

إن المثير للانتباه مما يؤكد وحدة أصل الخلق ، وأن الله علم الإنسان البيان ، فإن علاقة المعنى بأصل الخلق ، وأن إدراك المخلوق لا يمكن إلا من خلال الإيمان بالخالق ، وان مقاربة موجد الوجود إلا من خلال الانفتاح على الوجود عن طريق إدراك الموجود ، فإن المعرفة التي هي في العربية ترتبط بالعرف والفرع ، وفيها إشارة إلى الشجرة أو النبتة ، هذه المعرفة هي دليل العلم بالحقيقة ، ولكنها في ذلك لا تنقطع عن الشجرة منذ النواة وعن النبتة منذ الحبة ، ودون هذه الرؤيا يتوهم الإنسان أن الفرع هو الأصل ، وهنا تكون الكارثة وتكون المصادرات ، وفي المصطلح الإنجليزي على سبيل المثال ، ذي الأصل اليوناني نجد Epistemologyلفظًا مركّبًا من مقاطع ثلاثة :  Epiوفيها مفهوم الفرع ، وStemالذي هو الساق ، وLogyالذي يرتبط بالمنطق أو اللوغوس ، هذا المنطق أو اللوغوس يتعلق بالـ Epi أي العلاقة بين الفرع والساق Stemويمكن إدراك العلاقة بين الساق Stem وبين الحبة أو النوى التي انفلقت وعلاقة ذلك الانفلاق بالجذور ، وعند هذا تتوقف قدرة الإنسان ، أي أن الإنسان يدرك المتعقل أو المتظرف ، ولكن الإنسان سيتوقف عاجزًا على الخلق ، إنه قد يدرك خصائص المخلوق ، ولكن إدراك الخصائص ليس حقيقة المخلوق ، بله أن تكون حقيقة الحقيقة ، وبذلك يتأكد في الانجليزية على سبيل المثال ، كما هو في العربية أن المعرفة في أحسن أحوالها هي فرع العلم ، وأن الإنسان يتقدم من خلال المعلوم في رحلة اكتشاف العلم ، أو تكشف العلم أو قل بالمعنى المجازي تعري الحقيقة ، أو تكشفها الكامل ، ونستطيع أن نقارب بين هذا التكشف والتعري بانكشاف آدم وزوجه أمام نفسيهما ، وأن الكلمة التي تاب الله بها على آدم بعد أن تلقاها ، هو إدراك قدرة الإنسان على التلقي المعرفي وليست قدرته على الإحاطة بالعلم ، أو الحق ، حيث الله هو الحق الذي أوجد الحقيقة ، والإنسان لا يدرك من الحقيقة إلا ما يكتشفه ، أي المتحقق ، ولكن المتحقق هو فرع الحقيقة وليس هي ، وتبقى الكلمة هي التي تنفتح دائمًا أمام الإنسان بما هي هذا المعنى المنفتح على الغيب ، ولا يتم ذلك إلا من خلال البيان الذي يخرج الإنسان في كل مرة من المنطق المقفل ، وعلى مستوى مبحث اللسانيات فإن الجملة الإنشائية هي وحدها التي تخرجنا من الكمون داخل الجملة الخبرية ، وداخل منطق الأحكام ، إن المنطق ، كما اشرنا مرارًا يتعلق بالموضوع وبالمحدود ، أي بالقضايا المنطقية ، والقضايا المنطقية تحتاج إلى لوغوس ، أي إلى لغة منطقية ، ولكن حقيقة الحياة لا تدخل ضمن المنطق ، وعلى المستوى الحكمي ، فإن الأحكام بما هي منطقية توصف بالصواب والخطأ ، ولكنها لا توصف بالحقيقة ، إن الذي يرمي عصفورًا ، لا يرمي كل العصافير بما هي حقيقة ، إن إصابته العصفور توصف بالصواب ، وهذه الإصابة تتعلق بموضوعها وبالعصفور بما هو منطقي أي واقع ضمن المنطق ، وكما هو معروف فإن أسهل أوضاع الإصابة في الرمي هي الرمي على الساكن ، في حين ان المتحرك يحتاج إلى منطق متحرك ، وبذلك فإن الحقيقة لا تقع ضمن المنطق الساكن ، بل ضمن منطق مفتوح ، وبذلك فإن الجملة الإنشائية هي جملة الإنشاء ، ولا توصف هذه الجملة بالصواب أو الخطأ لأنها تنفتح على الحقيقة ، إن قضايا الأحكام هي قضايا منطقية ، وتكمن الأزمة دائمًا في تقديم القضية على أنها الحقيقة ، بل ويتم الإغراق في الوهم عندما نصف أحكامنا أنها الحق ، إن الأحكام هي قراءات ، وقراءات مفتوحة على المعاني ، ولهذا ربط الوحي القرآني بين قدرة الإنسان على البيان بما هي فطرة إنسانية وقدرة الإنسان على القراءة ، وتظل القراءة بهذا المفهوم أي بالانفتاح على العلم الذي هو الغيب ، كما علمنا القرآن القراءة باسم الله ، وباسم ربنا الذي خلق ، هي قراءة تنفتح على الحقيقة ، وهي غير وهم التفسير ، أو التأويل ، إن التفسير لا يفسّر المعنى ، بل يفسّر المفسّر ، إن القراءة تفسّر المفسّر ، أي تكشف لنا عن وسعه ، وما يعرف بكتب التفسّير للشرائع الإلهية ، إنما تفسّر المفسّرين ، أي تكشف لنا نحن الذين نقرأ التفاسير كيف كانت قراءتهم حسب وسعهم ، ولكنها لا تفسّير المعنى ، بله أن تفسّر قصد الأول ، إن تفسّير الزمخشري في كتابه الكشاف ، إنما يكشف الزمخشري المعتزلي ولكنه لا يفسّر القرآن ، وبذلك فإن التأويل إنما يكشف المؤول نفسه وليس الحقيقة التي يحاول أن يضعها ضمن منطقه المحدود مدعيًا أنه يعرف الأول وقصد الأول ، إن الجملة الإنشائية هي جملة الانفتاح على الحقيقة ، ومن ثم لا يمكن الحكم على العمل الإبداعي منطقيًا ، لهذا قلنا :"إن المعنى في بطن الشاعر" ، وكم يظهر لنا تعسف الكهنة بمختلف أشكالهم ومنطقهم ولغتهم عندما يحاولون أن يفرضوا منطقهم على الإنسانية والحرية والعلم ، أي عندما يدعون التأله ، والإحاطة ، والقدرة على التأويل .

 

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية