بقلم : زيد ابوزيد
ما يجري في منطقة الشرق الأوسط من تطورات تشير بشكل كامل إلى أنَ الصراع العربي ـ الصهيوني هو صراع وجودي يتخذ طابعا إفنائيا لا إنسانيا بالمعنى الحرفي للكلمة، أي أنَ الصهيونية تتعامل مع العرب الفلسطينيين، واستطراداً على نفس السياق العرب أجمعين، باعتبارهم ليسوا بشراً، ولا يستحقون الحياة، مما يدل على أنَ الامبرياليين الأميركيين وقادة الصهيونية العالمية والصهاينة السائرين في ركابهم هم وحوش بشرية يهددون الوجود الإنساني على الأرض العربية خاصة، وغير العربية كافة وهو ما أثبتته مجازر غزة ومن قبلها قانا الأولى والثانية وصبرا وشاتيلا ومجزرة بحر البقر وعمليات الاغتيالات العديدة التي نفذت غير ذي مرة بحق قادة وحتى مثقفين وكتاب وفنانين من أبناء الشعب الفلسطيني والعربي.
إنَ الوحشية التي أظهرها الصهاينة وحلفاؤهم الإستراتيجيون من الأمريكيين ضد أبناء الشعب الفلسطيني في غزة، تدفع الى النظر في الجانب الوجودي ـ الإنساني والتاريخي، للصراع، قبل كل الجوانب السياسية، فالطبيعة الوجودية التي فطر عليها الإنسان هي الطبيعة الايجابية، طبيعة ائتلاف الناس وتكيّفهم مع بعضهم البعض وتكيّفهم مع الطبيعة المحيطة بهم، وتكييفها مع أغراض حياتهم وتحسين وتطوير معيشتهم، وفي المفاهيم الدينية الأخلاقية الايجابية ان البشر أخوة وان الإنسان خلق ليكون خيرا لبني جنسه ويكون سيدا وخيراً للأرض التي وجد فيها، فكيف إذن ظهرت وترسخت ظاهرة الحرب العدوانية، بكل فظاعتها وسلبياتها التدميرية، التي هي النقيض للطبيعة الفطرية السلمية ـ البنـّاءة للإنسان؟، وكيف استطاعت هذه العقلية التدميرية الصهيونية إلقاء أطنان القنابل وبشكل يومي منها ما هو متفجر وعنقودي وفسفوري على الأطفال والشيوخ والنساء، إلاَ أنْ تكون العقلية المنفذة والمخططة لهذا التدمير والخراب عقلية عنصرية متطرفة.
من هنا لا يمكن إعتبار الصراع العربي الصهيوني صراع على حدود ومياه، بل هو صراع تاريخي تمتد جذوره ومصادره إلى أواخر القرن التاسع عشر وحتى قيام الكيان الصهيوني في فلسطين عام 1948، وهو صراع يشمل مختلف الجوانب الإستراتيجية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها، ومن جانب آخر ينفرد الكيان الصهيوني المغتصب في إطار هذا الصراع بتبني مفاهيم شاذة ومتفردة عن الأمن القومي ومتطلبات الحفاظ على الوجود ، إذ يلاحظ أن جميع تصرفات الكيان الصهيوني المغتصب الداخلية والخارجية اقتصاديا وسياسيا تخضع لمقتضيات الأمن حيث تنبع خيارات الكيان الصهيوني المغتصب السياسية وغير السياسية دائما من متطلبات أمن الكيان الصهيوني المغتصب ، بحيث أصبحت قيمة الأمن هي القيمة العليا في السياسة الصهيونية، وقد ازدادت عقيدتهم انحرافاً في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بعد أنْ احتلت الجغرافيا الاقتصادية محل الجغرافيا السياسية، ويضاف إلى ذلك أن الكيان الصهيوني المغتصب يكاد يكون الدولة الوحيدة في العالم التي تصر على إعادة الهيكلة التامة للنظام الإقليمي الرئيسي وللنظم الإقليمية الفرعية المحيطة بها، فهي تزعم أن هناك ضرورة قصوى لتفجير وإزالة النظام الإقليمي العربي بل ولتفتيت الكيان الاجتماعي القومي العربي ليس ذلك فحسب وإنما أيضا تفتيت النسيج الاجتماعي الوطني لكل قطر عربي على حدة، من هنا يسوق الكيان الصهيوني الاتحاد من أجل المتوسط والشرق أوسط الكبير، وإعادة تفكيك وتركيب العراق، وغير ذلك من مشروعات تفتيت وتجزئة الأرض والأمة العربية.
ويلاحظ أن جميع التسويات السياسية التي تمت حتى الآن بين الكيان الصهيوني من جهة وكل من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية تحمل في ثناياها بذور انفجارها، فهي تسويات ملغومة ومتوترة وتتضمن في داخلها مصادر للتوتر لعودة الصراع أكثر من المصادر الخاصة بالتسوية الدائمة والشاملة والمستقرة، لذلك فمن الطبيعي أنْ تتميز السياسات الخاصة بمعظم الدول العربية والكيان الصهيوني المغتصب بالتركيز على التسلح المكثف وما يتضمنه من بقاء المعدلات العالية من الإنفاق العسكري.
لقد عرف الصراع العربي الصهيوني في معظم فتراته سباقاً متواصلاً للتسلح ينبع في الأساس من الدور الذي يؤديه الكيان الصهيوني في إشعال هذا السباق، فهو يرى أن عملية التحديث العسكري هي مسألة لا تتوقف وتستمر بكثافة حتى في ظروف المفاوضات والتسوية السلمية، وتتأسس السياسة الدفاعية الصهيونية بصفة عامة على أهمية الأخذ في الاعتبار احتمال اندلاع حرب واسعة النطاق ليس فقط مع دول الطوق ولكن أيضا في مواجهة احتمال تحالف عسكري واسع من الدول العربية يضم حتى الدول التي وقعت معها معاهدات تسوية مثل مصر والأردن، والأكثر من ذلك احتمال توسيع هذا التحالف بحيث يضم دولا إسلامية مثل إيران وباكستان.
ورغم صعوبة إقامة مثل هكذا تحالف عربي-إسلامي، إلاَ أنَ الكيان الصهيوني يصر على ضمان تفوق الجيش الصهيوني على الجيوش العربية والإسلامية مجتمعة، إلى جانب السعي لضمان عدم حدوث مفاجأة، بمعنى أن يبادر الكيان الصهيوني المغتصب لضرب من يخطط للهجوم عليه قبل أن يفعل ذلك، وذلك في إطار إعطاء الأولوية القصوى للتطوير المستمر لسلاح الجو الصهيوني، حيث يمثل سلاح الجو العامل الحاسم في أي معركة.
وقد استثمر الكيان الصهيوني المغتصب دروس الحرب الحديثة مثل حرب الخليج الثانية وحرب البلقان، وعمل على تدشين هيكل جديد للقوة العسكرية يستفيد من التغيرات الهائلة في مجال التكنولوجيا العسكرية، ومضاعفة الاهتمام بتطوير النظرية الأمنية الصهيونية التي قامت تقليديا على أساس نقل الحرب إلى أراضي العدو، واحتلال أراض حيوية تابعة له تمهيداً للتمسك بها كورقة مساومة لوقف إطلاق النار وضمان تسوية تمكن الكيان الصهيوني المغتصب من فرض شروطه كما في مزارع شبعا والجولان.
إنَ من ينظر إلى تطور سلاح الجو الصهيوني، والعدد الهائل من الطائرات الحديثة ليعطي وصفاً سريعاً عن الجيش الصهيوني بعامته بأنه عبارة عن جيش طائر، ومن هنا فقد أنفقت حكومة الكيان الصهيوني المغتصب نحو عشرة مليارات دولار في سنوات التسعينيات من القرن العشرين على شراء طائرات القتال إلى جانب مليارات أخرى على الطائرات المروحية سواء كانت قتالية أو خاصة بأغراض النقل، وطائرات الشحن والتجسس، ولا تغفل حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة الإنفاق على الصناعات العسكرية والأبحاث في مجال تكنولوجيا السلاح، بينما توجه الدول العربية معظم ميزانياتها العسكرية لعقد صفقات عسكرية جديدة، والواقع يشير إلى أن دول الطوق العربية حرمت من الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة في ميادين الصناعة العسكرية وصناعة وتطوير الصواريخ واستخدام الفضاء للأغراض العسكرية، وذلك بفعل القيود الأميركية والغربية الشديدة على نقل هذه التكنولوجيا إلى الدول العربية، ويزداد الخلل في موازين القوة بين العرب والكيان الصهيوني المغتصب شيئاً فشيئاً بسبب زيادة الرقابة الأمريكية وممارستها الحضر الشامل على توريد المتقدم من السلاح وتكنولوجيا التسليح للعالم العربي
ومع أن واشنطن لم توافق على إعلان الكيان الصهيوني المغتصب دولة نووية فإنها قدمت له المساعدات الكافية في هذا الشأن مما أدى إلى تطوير قدراته النووية إلى حد كبير، وفي هذا الصدد أوجد الكونغرس الأميركي له استثناءات قانونية من الالتزامات والمتطلبات الخاصة بمعاهدة الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل، حتى صارت واشنطن تعتبر الترسانة النووية للكيان الصهيوني المغتصب جزءاً من ترسانتها النووية، إذ تجد واشنطن في امتلاك الكيان الصهيوني المغتصب للأسلحة النووية دعما لوظيفتها الإستراتيجية في إطار التحالف الذي يضمهما، في حين ترفض واشنطن وبشدة أي نية أو محاولة لأي دولة عربية في امتلاك الأسلحة النووية أو أي قدرات نووية.
ومع الأخذ في الاعتبار دور التكنولوجيا فائق الأهمية في التقدم الاقتصادي، يلاحظ أن الكيان الصهيوني المغتصب يتفوق بمراحل على الأقطار العربية في هذا الصدد، فالتكنولوجيا لا تستغني عن البحث والتطوير كما أن البحوث هي أساس المعرفة والاكتشافات العلمية. غير أن المسؤولين العرب في مختلف المستويات ما يزالون ينظرون إلى وظيفة البحث والتطوير كشيء ترفي وكمالي، فلا تنفق الدول العربية إلا القليل على بند البحث والتطوير سواء على الموازنة العامة أو على المستوى القطاعي، مما يبين عدم الاستعداد لمواجهة الالتزامات التي تفرضها اتفاقية حماية الملكية الفكرية والفنية وكذلك القيود التي تضعها على نقل التكنولوجيا المتطورة إلى هذه الأقطار.
إنَ ما يدلل أيضاً على طبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني ، الصراع الذي يخوضه هذا الكيان حول مصادر المياه، في منطقة تعاني معظم دولها من نقص خطير في موارد المياه المتاحة سواء للأغراض المنزلية أو للزراعة والصناعة نظرا لعوامل عدة منها وقوع الوطن العربي في المناطق الجافة وشبه الجافة وسوء الاستخدام وغياب سياسات فعالة لتنمية موارد المياه، وهكذا فقد سيطر الكيان الصهيوني على مصادر المياه الرئيسية في الأردن وفلسطين وسوريا، وإذا كان الميزان العسكري مختلا لغير صالح العرب فإن هذا الخلل يزداد مائياً مع الابتلاع الكيان الصهيوني المستمر لموارد المياه العربية نظرا لأن المشروع الصهيوني نفسه كان يربط منذ ما قبل قيام الكيان الصهيوني المغتصب بين الأرض والمياه وكان توسعه مقترنا بموارد المياه، كما اقترنت عمليات مصادرة الأراضي الفلسطينية والاستيطان الصهيوني المتصاعد بالسيطرة الصهيونية على موارد المياه في المناطق المحتلة وفرض قيود شديدة على استخدامها من قبل المواطنين العرب وإطلاق يد المستوطنين في الاستهلاك، وقد مكن احتلال الكيان الصهيوني لكامل فلسطين مع عدوان 1967، تل أبيب من إكمال السيطرة على موارد المياه في القدس والضفة الغربية وغزة ، إلى جانب منع استخدام نهر الأردن بحجج أمنية .
أما الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية فيقترن بمفهوم الضرورة العقدية الصهيونية وبإستراتيجية عسكرية مفادها ضمان سيطرة الكيان الصهيوني المغتصب على المنطقة الواقعة غرب نهر الأردن، كما لا يمكن إنكار أن مشروع توسيع المستوطنات هو مشروع "قومي لدي الكيان الصهيوني المغتصب مما يعني صعوبة إجبار الكيان الصهيوني المغتصب على تجميد الاستيطان عن طريق المفاوضات وحدها بل لا بد من عمل عسكري عربي فلسطيني مع مقاومة مستمرة، خاصة في ضوء تلاشي التحفظ الأميركي على بناء المستوطنات.
وخلاصة ما سبق يحتم علينا الإيمان بأن لا مجال للتعامل مع هذا الكيان واستحالة الوصول معه الى اتفاق، ولا مجال لوضع حد للعدوانية الامبريالية ـ الصهيونية التي تهدد وجود لا الشعب الفلسطيني والأمة العربية فقط، بل الوجود الإنساني بأسره أيضا.












