نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
أزمة الليبرالية

بقلم: أ .د. رجب بودبوس
 منذ القدم ، شاهدنا القبائل تتقاطع ، تمتزج ، تنتقل ، وأحياناً تختفي ، ومع كبار السن تختفي عادات ، تقاليد وأعراف ، وأساطير وتقنيات قديمة ، وكل ما يعطي نكهة وأصالة حضارة ما ، لقد اختفت حضارات بعد أن سادت زمناً ، كالحضارة المصرية ، البابلية ، واليونانية ، وظهرت حضارات جديدة ، كالحضارة الإسلامية والأوروبية ، واندثرت عادات وأعراف وتقاليد وأساطير ، وأساليب حياة ، وظهرت عادات وتقاليد وأعراف وأساطير وأساليب حياة جديدة ، وحتى أشكال من التنظيم الاجتماعي لم تكن معروفة من قبل ، مثل الدولة .

 

ومنذ القدم تتبنى الثقافات عناصر من بعضها البعض ، حتى يمكننا القول ، والشواهد لا تنقصنا إن أي ثقافة ليست من صنع أهلها وحدهم ، وإن كل ثقافة ساهمت في خلقها كل الثقافات الأخرى .

 

لكن من الملاحظ أن هنالك ، دائماً ، ارتباطاً وثيقاً بين ثقافة وهوية مجتمع أو جماعة ما ، حتى يمكن اعتبار أن الثقافة تعبر ، بشكل ما ، عن هوية أهلها ، وهذا يقود إلى الحرص على الثقافة وحمايتها ، باعتبارها مكوناً أساسياً لهوية الجماعة ، يفوق أحياناً المكون العرقي ، ذلك لأن العرق ليس دائماً رباطاً واضحاً ، بينما ، على العكس ، الثقافة رباط عيني يربط الجماعة الثقافية ، لدرجة يمكن معها القول إن اعتناق ثقافة الجماعة يمكن أن يعوض ، إلى حد كبير ، عن العامل العرقي .

 

في سنوات الثلاثين ، من القرن الماضي ، ظهرت حركة رومانسية في أوروبا ، باحثة عن روح الشعوب ، معبرة عن الحنين إلى الأصول ، مشاعر الحنين هذه ، منتشرة هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى ، مما قد يوهم بأنها ظاهرة جديدة ، وأنها نتاج العولمة الجارية ، أو في الواقع ضد العولمة الجارية ، يظهر الحنين إلى الأصول ، هكذا الخصوصية ضد العالمية ، حيث تظهر العولمة على أنها تدمير خصوصيات الشعوب .

 

في الحقيقة هذا الحنين إلى الأصول ، ليس ظاهرة جديدة ، إنه موجود ، على الأقل ، منذ قرنين ، لكنه هذه الأيام ، يشهد انبعاثاً خاصاً ، في بعض المناطق من العالم المعاصر ، في أوروبا وفي بعض أجزاء العالم الإسلامي ، أكثر منه في مناطق أخرى ، ذلك لأن مسائل الثقافة والحضارة ، في أوروبا ، وفي العالم الإسلامي ، لها أهمية سياسية كبرى في أوروبا ، الخوف من أن التنميط الثقافي للعالم ، يقود إلى إضعاف الثقافات الوطنية ، المؤسسة على العامل السياسي ــ الدولة الوطنية ــ وكردة فعل ضد التنميط الثقافي للعالم ، تنبعث الخصوصيات الثقافية داخل ما يتبقى من الدولة الوطنية ، فتمزقها .

 

الثقافات الوطنية ، في أوروبا ، تأسست على تجاوز الخصوصيات الثقافية واعتناق ثقافة تدمج الخصوصيات بأن تتجاوزها .

 

إذن الخوف على الثقافة الوطنية ، مبعثه سياسي ، هو الخوف على الدولة الوطنية ، والتي تفقد سوقها ، مع ظهور العولمة الاقتصادية ، وتشتتها ثقافياً بسبب العولمة الثقافية .

 

أما في العالم الإسلامي ، عموماً ، فإن الخوف من التنميط الثقافي ، مبعثه ، في الغالب ، ديني ، ذلك لأن الثقافة فيه ترتبط بقيم ذات أصول دينية ، ضعف هذه القيم ، أو حتى اندثارها بسبب التنميط الثقافي للعالم ، له آثار سلبية على العقيدة الدينية ، بالإضافة إلى هذا ، هذه البلدان متخلفة ، في مجال الإنتاج الاقتصادي ،كما هي أيضاً متخلفة في مجال الإنتاج الثقافي ، عندئذ تخاطر بأن تصير ساحة مفتوحة أمام التدفق الثقافي الأجنبي ، وليس في مقدورها إنتاج ثقافي يقوم على ثقافتها ، وقادر على منافسة التدفق الثقافي الأجنبي ، مما تشعر به بلدان العالم الإسلامي على أنه تهديد مباشر لثقافتها ، وخطر تبعية أسوأ من التبعية الاقتصادية ، وحتى السياسية ، لأنه تهديد للهوية نفسها .

 

إذن من ناحية ، التنوع الثقافي ، حتى اليوم ، بشكل عام ، حقيقة واقعية لا يمكن إنكارها ، ومن ناحية أخرى ، لم تتوقف ثقافات العالم يوماً ، عن الاستعارة من بعضها بعضاًَ ، فهل تشكل العولمة الحالية خطراً على الهويات الثقافية ، وهل تقود ضرورة إلى تنميط ثقافي للعالم؟ .

 

إن الشعور بالأصالة ، والخوف على الهويات الثقافية وعلى تنوعها ، يغذي اليوم النقاش حول التنميط الثقافي للعالم ، وحول احتمالات هيمنة ثقافة واحدة ، ثقافة الأقوى في العالم ، على غرار ما يحدث في الاقتصاد والمالية ، وحول احتمالات الانطلاق الوطني أو الطائفي كردة فعل ضد التنميط الثقافي ، وحول الحفاظ على التنوع الثقافي للعالم .

 

هكذا لكي نرى ، بوضوح ، في هذه النقاشات الانفعالية أحياناً ، نتناول تحليلاً تاريخياً مختصراً ، لظهور العولمة الحالية المتمثلة في التدفق التجاري ، المالي ، الإعلامي والثقافي ، على مستوى العالم ، لنرى هل هذه العولمة ظاهرة جديدة ، لم يكن هناك تدفق تجاري ثقافي قبلها ، أم أن ما يسمى عولمة اليوم ، هو شكل جديد وآليات جديدة ، وعلى مستوى جديد ، لظواهر قديمة ، صار يطلق عليها عولمة .

 

ــ التنوع والاتصال بين الثقافات تاريخياً

 

النوع البشري المسمى سابيان ، ظهر في إفريقيا ، منذ حوالي120000 سنة ، بينما كل الأنواع الحيوانية ، سجينة بيولوجية معينة ، جعلتها تكرر نفسها ، في وجود بيلوجي دائم ، فإن النوع البشري وحده يمثل استثناء ، من حيث إنه يتميز بحركيته ، وبقدرته التكيف مع المحيطات ــ البيئات ــ الأكثر تنوعاً ، وحتى الأكثر تطرفاً ، بفضل مرونة تنظيمه الاجتماعي ، وتقنياته ، وقدرته على تطويرها واختراعها ، لقد ظل الإنسان رحالاً إلى مرحلة قريبة 10000 سنة .

 

حركية النوع البشري ، رتبت أثرين في اتجاه معاكس ، أحدهما بالنسبة للآخر الأثر الأول تمثل في اختلافات ثقافية قصوى ، هكذا متوزعة على مناطق شاسعة ، فإن جماعات الصيد والالتقاط الصغيرة ، تنوعت لغاتها ــ حوالي 6000 لغة في العالم ــ وأيضاً ممارساتها الدينية ، وفنونها ، وعلاقتها بالحيوانات ، وبالنباتات ، والنجوم ، والمكان ، والأراضي .. إلخ

 

وعلى العكس ، باعتبارهم متحركين ، فإن البشر يحافظون على اتصالهم ببعضهم ، ويتبادلون تراثهم الوراثي وآلهتهم ، ومخترعاتهم التقنية ، ونباتاتهم الزراعية .

 

الحراك ، التنوع والاتصال ، هي عوامل أساسية بالنسبة للنوع البشري ، وهذه الظواهر ليس فيها جديد .

 

في المقابل ، من أجل تبسيط دينامية تاريخية معقدة جداً ، يمكن أن نميز ثلاث مراحل كبرى والتي وضعت أسس المجال الثقافي المعاصر .

 

المرحلة الأولى هي اكتشاف الزراعة ، منذ 15000 إلى 6000 سنة ، وترويض النباتات والحيوانات ، هذا الاكتشاف ظهر في أربع أو خمس مناطق من العالم ، مستقلة عن بعضها بعضاً ، وتواكب مع تمدين السكان ومع الانفجار السكاني ، اختراع القرى والمدن ، والدولة ، وتطور التبادل ، أدى إلى تأسيس مناطق تجارية إقليمية في آسيا ، وفي المحيط الهندي ، وعلى امتداد طريق الحرير ، وفي أوروبا الشمالية ، والبحر المتوسط .

 

المرحلة المهمة الثانية ، كانت وضع هذه المناطق في شبكة على مستوى العالم ، هذا الوضع في شبكة أنجز في قرن واحد ، 1450ــ 1550 عقب رحلات البرتغاليين الأولى ، هؤلاء أسسوا نظام ــ عالم ، والذي أخذ يتطور في صالح الغرب : وأعد هكذا الأرضية لتطور الإمبراطوريات الاستعمارية ، التي أنشأتها الأمم الأوروبية ، لكن بعد ثلاثة قرون من الهيمنة الغربية ، بدأ الاتجاه ينعكس في أيامنا هذه ، لصالح البلدان الصاعدة ، خاصة الصين والهند .

 

المرحلة التالية هي ظهور الصناعة ، ابتداء من عام 1760في أوروبا ، ثم انتشارها سريعاً في كل مكان من العالم .

 

الانطلاقة الصناعية تواكبت مع تطور مهم في وسائل النقل ــ قطار سفن ــ ابتداء من عام 1850، طائرات سيارات ابتداء من 1900، تقنيات اتصالات ــ تلغراف، هاتف راديو ــ ابتداء من 1900، تلفزيون ابتداء من 1950 معلوماتية، ابتداء من 1970، شبكة الاتصالات المعلوماتية الدولية ابتداء من 1990، وتقنيات تجارية أخرى.

 

منذ عام 1760 إلى 1970 ، نشاهد صعوداً بطيئاً للتبادلات العالمية ، ثم ابتداء من 1970 تسارعت هذه التبادلات جداً ، عقب أول صدمة نفطية ، وإعادة تدوير دخول النفط ، ومفاوضات القات والمنظمة العالمية للتجارة ، هذه المفاوضات تستهدف تقليص الحماية من طرف الدول ، وليبرالية التبادل التجاري على مستوى العالم ، ترتب عن هذا أن التدفق المالي والتجاري والثقافي والإعلامي تعاظم كمياً ، ووصل حتى المناطق النائية والمعزولة من العالم .

 

لكن الإجراءات التي تمخضت عنها المفاوضات ، ووضعت في التطبيق بشكل غير عادل ، قاذفة بجزء كبير من سكان العالم إلى الفقر ، وعلى هامش هذه التدفقات .

 

هكذا فقط ، ابتداء من عام 1970 ، بدأ الحديث عن العولمة .

 

هذه التدفقات تبلغ ، كميا ، مليارات الدولارات ، عمليات مالية أو تجارية ، سنوياً ، ومليارات الأطنان من السلع المنقولة .. إلخ ، هذه الأرقام تعطي صورة عن تطور التدفقات عالمياً .

 

عولمة الثقافة يمكن هكذا تحليلها ، على هذه الخلفية التاريخية الموسومة بالحراك البشري ، والتنوع الثقافي الذي يواكبه ، والاتصال ما بين المجتمعات ، والثورات الزراعية والصناعية والازدهار غير المتساوي للسوق العالمي .

 

ــ الثقافة ، التعدد الثقافي والتبني الثقافي .

 

ما هي الثقافة ؟

 

في عام 1871 إدوارد تايلور أعطى الثقافة تعريفاً ، صار منذئذ كلاسيكياً أنها " هذا الكل المعقد الذي يشمل المعارف ، والمعتقدات الفنون ، القوانين الأخلاق ، العادات ، وكل قدرة أو عادة اكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع ".

 

هذا التعريف يحدد بعدين للثقافة ، وهو ما يتطلب شرحاً ، أولاً الثقافة هي موضوع تعلم وتدريب ، أنها تتميز عن القدرات التي لدى كل البشر ، مثلاً ، كل البشر لديهم جهاز تنفسي ، جهاز صوتي ، ونظام عصبي مركزي ، والذي يسمح لهم بامتلاك لغة ، لكن ، في المقابل ، كل إنسان يتعلم لغة أو عدة لغات ، هكذا القدرات الصوتية ، التنفسية ، والدماغية ، هي قدرات كلية ، أي عالمية ، تتوفر في كل إنسان ، وفي هذا المعنى ، يمكن القول إنها طبيعية ، وهي هكذا من اختصاص علوم الكائنات الحية ، في المقابل اللغات هي خصوصية ، لأنه مع أن كل البشر يملكون القدرات الطبيعية المشار إليها ، إلا أنهم لا يتكلمون لغة وا حدة ، اللغة إذن موضوع تعلم وتدريب ، وهي إذن ثقافية ، وتدخل هكذا في اختصاص العلوم الاجتماعية ، خاصة فقه اللغة والأتنولوجيا ثانياً : تايلور يرى أن التعلم الثقافي يجرى في إطار مجتمع ، الأفراد الذين يولدون في مجتمع ياباني يكتسبون اللغة والثقافة اليابانية ، والذين يولدون في مجتمع عربي ، يكتسبون اللغة والثقافة العربية ، هكذا لا يوجد مجتمع بشري بدون ثقافة أو حضارة ، كما لا توجد ثقافة بدون مجتمع ، الثقافة إذن إنتاج اجتماعي الثقافة والمجتمع لا ينفصلان ، هكذا باعتباره قادراً على التعلم ، كل كائن بشري يمكنه اكتساب ثقافة مجتمعه ، كما يمكنه اكتساب ثقافة أخرى غير ثقافة المجتمع الذي ولد فيه ، فرد ما يمكنه تكلم عدة لغات ، والمساهمة في عدة ثقافات ، في هذه الحالة يجرى الحديث عن تعدد ثقافي .

 

الأفراد الذين يكونون جسوراً بين عدة مجتمعات، عدة لغات، وعدة ثقافات، يظهرون في أماكن الاتصال ما بين مجتمعات مختلفة، إنهم أحياناً رحل ، تجار، بحارة ، مهاجرون ، أسرى الحروب : لكن نشاطاتهم، بشكل عام ، لا تؤدي إلى تبادل ثقافي واسع، ما بين المجتمعات التي يربطون ما بينها، هذه المجتمعات تحتفظ بهوياتها الخاصة ولا تتأثر كثيراً بوجود أفراد فيها يساهمون في عدة ثقافات.

 

على العكس نلاحظ وجود اتصالات تاريخية ، واسعة ، بين شعوب مختلفة ، تؤدي إلى حدوث تبادل مكثف ، هذه الأوضاع ترتب تبادلات ثقافية مهمة ودائمة .

 

ظواهر التعلم والتبني الجماعي لثقافات أجنبية، تسمى تبنى ثقافي.

 

التبني الثقافي، هكذا، ينتج عن اتصال مستمر ومباشر، ما بين كائنات بشرية، تنتمي لمجتمعات متميزة، ولها ثقافات مختلفة عن بعضها بعضاً.

 

مثلاً عقب العبور إلى مرحلة الزراعة ، وتطور شبكات التبادل الإقليمي ، تكونت إمبراطوريات ، هذه الإمبراطوريات ــ مصرية ، بابلية ، رومانية ، عربية ، هي بنى سياسية شاملة مجتمعات ذات ثقافات ولغات متنوعة ، وحيث أنها في اتصال مكثف ، وطويل الأمد ، مع بعضها بعضاً ، فإن هذه المجتمعات ، داخل الإمبراطورية ، تتبنى ثقافات بعضها بعضاً ، مثلاً بعض المجتمعات الخاضعة للسيادة الإمبراطورية ، تبنت لغات رومانية ــ أسباني فرنسي .. الخ ــ وعلى العكس تبنى الرومان ديانات أتت من الشرق ، مثل المسيحية ، والتي حلت محل دياناتهم منذ ظهور نظام ــ عالم ،في القرن السادس عشر ، صارت هذه الأوضاع أكثر تكراراً ، هكذا مختلف الحركات الاستعمارية ، أدت إلى ظواهر تبني ثقافي واسعة .

 

منذ سنة 1970، تطور التدفق التجاري ، الثقافي ، والهجرة على مستوى العالم ، كان وراء التبني الثقافي .

 

أوروبا استعادت عدة عناصر ثقافية ولغوية من بقية العالم ، سواء في مجالات الفنون ، الأديان ، الموسيقى ، العلوم الغذاء كما في مجالات النباتات الزراعية ، والأدوية .

 

من الملاحظ مثلاً ، أنه ولا دين في أوروبا المعاصرة ــ المسيحية اليهودية والإسلام وديانات شرقية أخرى ــ هو أصيل في أوروبا ، المسيحية لم تصر في هوية مع أوروبا إلا بسبب قدم توطنها ، لكن في الواقع أصولها في الشرق الأوسط ، وهكذا الإسلام ، الذي باختلاف مع المسيحية دخل أوروبا حديثاً ، عقب تاريخ طويل من الصراع على حدود بين هاتين الديانتين وبين المجموعات السياسية التي تعتنقهما .

 

هذا التبني جرى تقبله ، بشكل أو بآخر ، من قبل المعنيين في فرنسا المعاصرة ، وبلدان أخرى ، جزء من السكان يظهرون رفض تبني عناصر ثقافية جاءت من الولايات المتحدة ، ويرون فيها عامل استعمار الكوكاكولا ، وفقدان الهوية ، الحركات الأكثر محافظيه ، وتقليدياً ضد الأجانب ، وضد كل ما هو أجنبي ، ترفض الدمج الثقافي وكذلك العناصر الثقافية واللغوية التي وفدت مع الجماعات المهاجرة ، هذه الحركات ، أحياناً متطرفة وذات نزعة وطنية شوفانية ، تستعصي ، في العموم ، عن المعرفة العلمية للتاريخ ، والفكر النقدي ، أنها تنسى أن الحضارة التي تفتخر بها ، هي نفسها نتاج مزج خلاق ، وتبني ثقافي مكثف ، وأن دينها المسيحي هو من أصل شرقي ، وأن نباتاتها الزراعية جاءت من كل أنحاء العالم ــ الكرم والقمح من الشرق الأوسط ، الذرة ، البطاطا ، التبغ من أمريكا ، والمعجونات التي تتغذى بها هي اختراع صيني ــ ما هو أصيل أحياناً ليس إلا لأن الجميع نسى أصوله .

 

صحيح عولمة التدفق التجاري ، الثقافي والهجرة ، في الزمن المعاصر ، أحدثت تغييراً كبيراً في المعطيات ، خلال آلاف السنين الماضية ، كان التبني الثقافي عملية بطيئة ، والتجديدات كان من الممكن تبنيها تدريجياً ، لكن منذ الثورة الصناعية ، تسارع إيقاع التاريخ .

 

المشكلة هكذا هي في تسارع إيقاع التبني الثقافي أكثر منها في التبني الثقافي نفسه ، مخاوف فقدان الهوية بسبب عولمة الثقافة ، ليس فيها ما هو عالمي في الوقت المعاصر .

 

في غير أوروبا ، مثلاً في إفريقيا ، وآسيا ، يبدو السوق المعولم عامل تبني ثقافي مرغوب فيه ، الواقع الخيرات والخدمات المسوقة على مستوى العالم سيارات ، أدوات كهرومنزلية ، تلفزيون ، ملابس موضات ، رعاية صحية ــ هي عوامل تحديث مقبولة ومطلوبة ، لكن هذه الخيرات تدمر الثقافات التقليدية وتستبدلها بأشكال ثقافية جديدة والتي للوهلة الأولى ، تبدو على أنها تذهب في اتجاه إلغاء الاختلافات الثقافية وهيمنة ثقافة واحدة .

 

مع ذلك لا يمكن تبرئة العولمة ، لسببين :

 

1 ــ صحيح التبني الثقافي واستعارة الثقافات ، من بعضها بعضاً ، ظاهرة ليست جديدة ، البشرية تعرف هذه الظاهرة منذ القدم ، لكن العولمة أخلت بإيقاعها ، وجعلت التبني يتخذ شكل صدمة .

 

2 ــ نظراً للتوزيع غير العادل ، لفوائد العولمة ، فإن الخيرات المادية المشار إليها ، لا تستفيد منها كل المجتمعات ، بشكل متساو ولو نسبياً ، إنها محكومة بالسوق بالقدرة الشرائية ، بينما عولمة الثقافة ، نسبياً ، لا تعرف هذه الحدود ، عندئذ يمكن أن التبني الثقافي يفرض نفسه ، دون أن تواكبه الخيرات المادية .

 

 

عن صحيفة الزحف الأخضر

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية