نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
عراق الغرائب والعجائب

بقلم: أ.د مصطفى الزائدي

جواد المالكي يرفض بحزم وقوة التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية العراقية من دول الجوار التي تعمل على منع استقرار العراق وتهديد وحدته الوطنية وسلامة أراضيه - على حد زعمه - يهدد ويتوعد بالويل والثبور لكل من تسوِّل له نفسه أن يفكر في أن يدخل نفسه في شأن العراق، فيخيل للمرء أن العراق بلد مستقل يمتلك إرادته ويُحْكم سيادته على كامل أراضيه، يؤمِّن سلامة مواطنيه ومناعة حدوده، وأن الدخول والتدخل في العراق لا يتم إلا عبر البوابات الرسمية ومن خلال القنوات الشرعية الدستورية التي يصنعها العراقيون أنفسهم وتحت رحمة الحكومة العراقية المالكية التي أفرزها الشعب العراقي بكل حرية.. لكن تسارع الأحداث، وشراسة المقاومة، وضراوة المعارك تأتي بما لا يشتهي الجالسون في منطقة السفارات المحصنة.. فالأخبار المتواصلة عن مقتل الجنود الأجانب المنتشرين في كل العراق تسقط ورقة التوت عن خطاب المالكي، ويتضح للعيان أن الأجانب هم من يديرون كل أحياء العراق وشوارعه وزقاقه، يتصرفون في كل أمر فيه، ينفذون عمليات الثأر العشوائية ضد الأبرياء العزل.. انتقاماً لقتلاهم.. وإرهاباً للمقاومين.

 

قلت في نفسي كيف للمالكي أن يقول ما قال رغم هذا التواجد الهائل للقوات العسكرية الأجنبية التي احتلت العراق من كل دول العالم، والتي تعد بمئات الآلاف.. من دول كبرى وأخرى صغيرة مجهولة على الخارطة العالمية من أمثال كوستاريكا وجورجيا وأرمينيا وأوزبكستان والسلفادور وجزر سليمان وجزر الكوك ونيوزيلندا وهي على صغر حجمها السياسي والجغرافي تتدخل في شؤون العراق كما شاءت ومتى شاءت رغماً عن أنف المالكي ودون أي اعتبار لأقواله وأفعاله، ودون تقدير لمجلس الرئاسة، ولا مجلس النواب، ولا تهتم بصراعات الأحزاب والطوائف؟ تستأذن فقط من قائد القوات الأمريكية الذي يدير عملياً العراق بكل ما تحمل الكلمة من معان.. وما يزيد من حجم التعجب والغرابة أن المالكي ليس وحده من يطلق مثل تلك التصريحات النارية والتهديدات باللجوء إلى مجلس الأمن لمعاقبة الدول التي تأوي أعداء العراق - على حد زعمهم - وتشكيل المحاكم الدولية الخاصة بهم.. فهذا الزيباري والطالباني والهاشمي وغيرهم.. وهم نكرات لم يكن لهم في العراق أي شأن.. ومعظمهم لا ينتمون إلى العراق بأي شكل.. يرددون نفس الكلمات.. تراهم فتحسبهم يمتلكون ناصية الأمر.. فتسأل نفسك هل نسوا أن القوات الدولية التي تحتل العراق لم تعط أي اهتمام لمجلس الأمن، ولم تستأذنه حين قررت غزو العراق والدخول إلى بغداد، ولم تسمح له بمجرد مناقشة الوضع في العراق رغم اختلاف الدول المهيمنة عليه، وأن احتلال العراق تم خارج ما يسمى بمؤسسات الشرعية الدولية المتمثلة في الأمم المتحدة وحلف الناتو؟.

 

ولأن العجائب تبرر الغرائب ولأن الشيء بالشيء يذكر؛ فإن آخر تقليعة في الانتخابات الديمقراطية جداً في العراق هو تحالف غريب عجيب بين المطلق الذي يدعي التموضع في خندق المقاومة من أجل تحرير العراق، ولا يتردد في إطلاق التصريحات والبيانات من أجل عراق حر موحد وبين العلاوي الذي أشرف على عملية تدمير الفلوجة وقتل سكانها الأبرياء في الشوارع والمنازل والمساجد بعد حصار أشد قوة من حصار غزّة دام لعدّة شهور.. وهو الذي عمل بكل ما في وسعه على تمرير خطة بريمر أول حاكم عسكري أمريكي للعراق لعدة سنوات بالتمام والكمال من أجل إحكام قبضة الاحتلال، ولم يتوان العلاوي في ارتكاب الفظائع ضد الشعب العراقي من قتل وزج للأبرياء في المعتقلات والتحريض على ممارسة التعذيب والتشريد.

 

كل ذلك يأتي في إطار الترويج لمسرحية الانتخابات والتي تتطلب بعض البهارات من قبيل مناقشة قانون الانتخابات ليظهر للناس والمتابعين أن العراقيين أحرار يمارسون سيادتهم كما يشاءون.. وأن عملية رامسفيلد لتحرير العراق آتت أكلها فيتصدر من يسمون خبراء القانون الدستوري نشرات الأخبار وتقارير الفضائيات، يملأون تحقيقات الصحف والإذاعات لتبيان مدى تماشي التعديل المقترح مع الدستور أو التعارض معه.. لكن لا أحد منهم يشير من بعيد أو من قريب إلى مصدر الدستور.. ومن هو مخترعه الذي فرضه بقوة السلاح على العراق؟ لم يقل أحد أن هذا هو  دستور بول بريمر الذي صار شرعاً مقدساً لا بد أن يدين له الجميع بالولاء والطاعة.. صاغه خبراء من وكالة الاستخبارات الأمريكية معروفون بأسمائهم.. وآخرون من البنتاجون عملوا في العلن بمساعدة عملاء صهاينة، أهدافهم كانت واضحة ومعلنة للتأكد من الإبقاء على العراق ضعيفاً مقسماً مجزأ حتى يتسنى لهم إحكام السيطرة عليه وإخضاعه.. وتأمين الجبهة الشرقية لدولة الكيان الصهيوني.. ولمنع العراقيين من امتلاك إرادتهم والتصرف بأمورهم السياسية وفقاً لمصالحهم.

 

الدستور الذي سمح لقوات الاحتلال بأن يكون لها كلمة الفصل في كل شيء يتعلق بحاضر ومستقبل العراقيين من خلال السفارات الأمريكية والبريطانية والمستشارين المنتشرين وفقاً لقرارات بريمر في كل المرافق والوزارات، حيث لا تمر شاردة ولا واردة إلا بعلمهم وإذنهم.. قبل كل ذلك تم تسليم نفط العراق عنوة إلى شركات الدول المحتلة.. تستغله كما تشاء.. لتحرم الشعب العراقي من أهم ثرواته.. وتم وفقاً لذلك الدستور المشهور تنصيب مجلس للحكم موقر.. بقرار من بريمر من أسماء عُرف جيداً ولاؤها للمحتلين وإخلاصها في خدمتهم.. أضفيت على أعضائه شرعية وهمية من خلال انتخابات صورية لم يعترف بها أحد في العراق وخارجه.. فكان المالكي وقبله الجعفري والعلاوي مجرد أسماء على ورق.. كتبها بريمر بقلم رصاص.. يستبدلها حسب تبدل الأحوال.. ودُمى تحركها قوات الاحتلال تقول ما يراد لها أن تقول.. وتفعل ما تؤمر.. وما هم مغيرون من شيء حتى داخل المنطقة الخضراء التي يدخلونها بتصاريح مؤقتة من قوات الاحتلال.. وتحت حراب الجنود الأجانب.

 

السؤال الذي ينبغي أن يُطرح، هل بلغ الحد من الاستهزاء بعقول الناس هذه الدرجة المهينة، حتى صار أولئك العملاء يحاولون تغطية فظائع الاحتلال وجرائمه بخرق بالية.. وكلمات جوفاء فارغة وإجراءات لا مكان لها على أرض الواقع، أم هل هم من السطحية والسذاجة والغباء ليتوهموا أن الناس ربما تنسى ما لا يُنسى.. وتنطلي عليها الأكاذيب حتى وإن كانت عارية؟.

 

مَن مِن الأطفال يصدق أن في العراق شرعية وحكومة ونواباً حتى وإن علا صراخهم.. ونقلت الفضائيات صورهم وهم يتلاكمون بالأيدي ويتطاحنون بالكراسي.. فتلك عدّة الشغل ولوازم "الكومبارس" في مسرحية الاحتلال؟

 

مَن مِن الناس يصغي إلى أقوالهم وإن كبرت الكلمات في أفواههم.. هم باقون إلى حين، لكن موعد الرحيل قد حان .. هذه أمة عظيمة قد تغفر لكنها لا تنسى، ربما تمهل لكنها لا تهمل..  منها رجال أشداء سيصنعون من مستقبلها أياماً مشرقة لا شك في ذلك..

 

 

عن صحيفة قورينا

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية