بقلم: أ .د. رجب بودبوس
نقاد ودارسو الرأسمالية ، من بعض خصومها ، ومن بعض
أنصارها ، على الأقل ، ينظرون إليها غالباً ، على أنها كل واحد ، مزود بنظام قيم ومبادئ
واحدة ، هي نفسها في كل البلدان الرأسمالية ، تحكم وتوجه اقتصادياتها .
هل الرأسمالية هي كذلك ؟ هل الرأسمالية في الولايات المتحدة
هي نفس الرأسمالية في ألمانيا ، في اليابان ، في بريطانيا ، في فرنسا ، وفي
اسبانيا وإيطاليا؟
وماذا لو أنه لا توجد عملياً رأسمالية واحدة ؟ وأنه تحت
هذا الغطاء المجرد توجد رأسماليات وليس رأسمالية ؟
وماذا لو أنه في محل التجانس المفترض وجدنا نزاعات وتناقضات
بين هذه الرأسماليات؟
في الحقيقة عندما نتناول الرأسمالية ، على أنها رأسمالية
واحدة ومتجانسة ، فإننا نتناول كيانا مجرداً ليس له وجود عيني ، مثل هذا التناول
نظرياً مفيد ، لكن يمكن أن يكون كالشجرة التي تخفي الغابة .
الرأسمالية في أصلها ليست أيديولوجية ، وإنما هي أولاً
ممارسة عملية تهدف إلى تحقيق الربح الأقصى ، هذا الهدف يوحد كل الرأسماليين ، لكنه
أيضاً يفرقهم ، إنه عامل اختلاف ونزاع بقدر ما هو عامل وحدة ، لكنه لا يكون عامل
وحدة ، إلا إذا واجه الرأسماليون خطراً عاماً ، يضع هذا الهدف موضع اتهام .
اديولوجية الرأسماليين هكذا براغماتية ، ولا يترددون عن
أية ممارسة أو طريق يحقق لهم الهدف ، ولهذا السبب تتنوع وتختلف النماذج الرأسمالية
، ولا يمكن إدراك وحدتها إلا تجريداً وافتراضاً .
مع ذلك زمناً طويلاً ، حوالي قرن ، بدأت الرأسمالية
كياناً واحداً وموحداً ، في معسكر واحد ، سمي المعسكر الحر ، في مواجهة خصمها
المعسكر الشيوعي لكن في أيامنا هذه ، ولأول مرة في التاريخ ، انتصرت الرأسمالية
على كل الجبهات ، واعتبر انتصارها قد حسم أكبر مسائل هذا العصر ، لكن هذا الانتصار
نفسه ، يمكن أن يكون عامل تفكك الوحدة الرأسمالية ..
انتصار الرأسمالية
كان على ثلاث جبهات :
ـ المعركة الأولى جرت في انجلترا ، قادتها تاتشر ، أو
حزب المحافظين ، وفي الولايات المتحدة ريغان .
هذه المعركة كانت معركة داخلية ، ضد تدخل الدولة المتهمة
بإعاقة أداء السوق وبعدم الفعالية الاقتصادية ، ابنة تاجر البقالة والكوميدي
السابق ، قادا معاً ما يطلق عليه أنصارهما : أول ثورة محافظة ، في موضوع السياسة
الاقتصادية ، إنها ثورة دولة الحد الأدنى ، ريغان يعلن أن الدولة ليست حلاً لمشكلة
، إنها هي المشكلة ، إذن يجب تقليصها إلى أقصى حد ممكن ، مبدؤها الآخر ، الأكثر
وضوحاً هو : ضرائب أقل على الأغنياء ، الحجة في هذا ،إنهم إذا الأغنياء ـ بما في
ذلك الرأسماليون ـ دفعوا ضرائب أقل ، فإن نمو الاقتصاد سيكون مضموناً ، وسوف
يستفيد منه الجميع ، في الولايات المتحدة ، عام 1981 م ، كانت الحكومة الفيدرالية
تفرض ضرائب تصل إلى 75% على الدخول العالية بالنسبة لكل مواطن ، لكن في عام 1989 م
معدل الضرائب الأقصى ، هبط إلى 33% ، أما في بريطانيا ، فإن معدل الضرائب في عهد
حكومة العمال ، بلغ 89% بالنسبة لدخول الرأسمال ، لكنه في عهد حكومة تاتشر ، هذا
المعدل الأقصى هبط إلى 40% ، هذا الإصلاح المالي ، شاع في بلدان العالم ، وفي
عشرات البلدان ، غير من طبيعة العلاقات التاريخية بين المواطن والدولة ، منذ قرنين
لم يتوقف الضغط الضريبي عن الزيادة ، خاصة في البلدان المتطورة ، هذا الوضع انقلب
اليوم ، ونحن نشاهد اليوم على العكس سباقا دوليا نحو تخفيف الضرائب .
ما سمي هكذا ثورة ، غير طبيعة العلاقات بين المواطن
والدولة ، تخفيف الضرائب على الثروات ، جعل كفة السلطان العمومي تميل في صالح
الأغنياء ، وتقليص الدولة جعله يبتعد عن عامة الناس .
إن حجة تخفيف الضرائب على الأغنياء ، تستند إلى فرضية أن
الأغنياء سوف يستثمرون أموالهم ، وخاصة ما كانت تدفع ضرائب ، كما يشجعهم على
الاستثمار ، وأن هذا الاستثمار يكون في مجالات يستفيد منها الجميع ، مثل خلق فرص
عمل ، وتوفير حاجات الاستهلاك ، في هذه الحالة ، تخفيف الضرائب يمكن أن يحقق الهدف
منه ، ذلك لأن الدولة المحصلة للضرائب ، متهمة بسوء إدارة واستثمار أموال الضرائب .
لكن بما أنها دولة الحد الأدنى ، فإنها لا تملك أية
وسيلة لضمان الاستثمار مقابل تخفيف الضرائب ، عندئذ يمكن أن تخفيف الضرائب لا يقود
بالضرورة إلى استثمار أموالها .
من ناحية أخرى ، حتى لو فرضنا أن الأغنياء استثمروا
أموالهم ، يشجعهم في هذا تخفيف الضرائب ، فإن لهم وحدهم ، وفق أهدافهم ، تحديد
واختيار مجالات الاستثمار ، وهذا مبدأ رأسمالي ، عندئذ يمكن أن الاستثمار يجري في
السوق المالي مما يحقق لهم أرباحاً لكنه لا يخلق فرص عمل ولا يفيد الناس .
وهذا ما حدث بالضبط .
إن الاستثمار، في مجموع بلدان الليبرالية الجديدة، لم
يتجاوز 10% من الناتج المحلي الخام، وهذا يعني أن هناك كميات هائلة من الأموال غير
مستثمرة.
الاستثمار في الغالب صار مالياً ـ مالياً ـ ولم يخلق
هكذا فرص عمل وإن حقق أرباحاً .
ترتب على هذا ، على العكس البطالة ، كما أن استحواذ
الأغنياء وهم 5% على الثروة ، وتقلص حصة الأجور في الناتج المحلي الخام ، بسبب
البطالة ، ومرونة الأجور ـ أدى إلى قصور الطلب الكلي ، والذي جرت معالجته بإغراق
العامة في الديون ، وهذا رتب نمواً يتغذى على الديون ، (بدون ارتفاع معدلات ديون
الأسر ، يكون النمو ، في منطقة الأورو صفراً منذ عام 2002م ) .
هذا ما تمخضت عنه المعركة الأولى ..
ـ الانتصار الثاني للرأسمالية كان حاسماً ، وتحقق دون
الدخول في معركة ، منذ حوالي قرن ، كانت الرأسمالية في مواجهة مع الماركسية ، ومنذ
حوالي نصف قرن ، كانت هذه المواجهة ، خاصة ، بين الولايات المتحدة ، والاتحاد
السوفيتي ، وأثرت على كل العلاقات الدولية ، في شهر 11 ـ 1989 م ، الشباب الألمان
الذين تجرؤوا واجتازوا جدار برلين ، كانوا طليعة 300 مليون من المقهورين في
البلدان الشيوعية ، إنهم كما وصفوا ، يتطلعون إلى الحرية وإلى السوبر ماركات .. أي
الرأسمالية .
لكن لننظر في واقع هذه البلدان اليوم ، بعد أن خرجت من
هيمنة الاتحاد السوفيتي ، ودخلت نظام السوق ، هل حققت الحرية ؟ هل عمت فيها سوبر
ماركات الرأسمالية ؟ وكم نسبة مواطنيها الذين استفادوا من الحرية ومن السوبر
ماركات ؟ حوض السفن الذي انطلقت منه حركة التضامن ، أزيل تماماً ، وعماله في قوائم
العاطلين !
إن نسبة المتمتعين بالحرية وبالازدهار الاقتصادي ، هي
تقريباً ، نفس النسبة في النظام المسمى شيوعيا : هكذا بدل الحزب الشيوعي حلت طبقة
سياسية ، وبدلاً من «النومينكلاتورا» حلت الطبقة البرجوازية ، والجدار الفاصل لم
يعد بالإمكان تجاوزه ، لأنه صار لا مرئياً ، بدل مستوى الحياة المتواضع بالنسبة
للأغلبية ، حلت البطالة والفقر .
أما بالنسبة لانتصارها الثالث ، كان يكفي معركة مئة ساعة
في جنوب العراق ، لكسبها ، لكن بنسبة ألف ضد واحد ، إنه انتصار القوة ، قوة
الولايات المتحدة مدعومة بثمانية وعشرين بلداً ، منها ثمانية بلدان إسلامية ،
ومؤيدة ، في الأمم المتحدة ، من الاتحاد السوفيتي ، ومن الصين .
بالنسبة للبعض هو انتصار التطور على أوهام شعب محروم من
التطور الاقتصادي بسبب حاكمه الدكتاتور ، هكذا الجماهير التي خدعها صدام حسين ،
ستسلك نفس طريق جماهير البلدان الشيوعية ، نحو الرأسمالية .
لكن يمكن السؤال : بعد عدة سنوات من هذا الانتصار ، ماذا
حقق للشعب العراقي ؟ لن نفترض الحرية ، والتطور ، ومستوى حياة لائقا ، وإنما مجرد
الأمن والأمان وامكانيات العمل من أجل العيش ، العراق اليوم أسوأ مما كان ، يتخبط
في مقاومة الاحتلال ، وفي التناحر الطائفي الذي استخدمه وغذّاه الاحتلال ..
مع ذلك لانبالغ إذا قلنا إن الهدف الحقيقي ليس نشر
الديمقراطية ، وليس فتح العراق أمام التطور الاقتصادي ، وإنما ببساطة فرض
الرأسمالية ، العراق لم يكن إلا نموذجاً لكل بلد يقف في وجه زحف الرأسمالية ،
وأيضاً ضمان إمدادات النفط من العراق ومن جيران العراق .
مع ذلك انتصار الرأسمالية يعطي ضوءاً جديداً للتاريخ
الاقتصادي العالمي ، إنه يغير من جغرافيته بعمق .
حالما أثار العمى ، ليل سيبيريا الشيوعي ، أزاحها ضوء
الواقع صار كل التاريخ الاقتصادي ينقسم إلى زمنين متناقضين :
ـ ما قبل الرأسمالية ، طوال التاريخ ، كان العالم ، بما
في ذلك الحضارات الكبرى ، يشبه ما يدعى اليوم عالما ثالثا ، عالما حيث الإنسان
يولد طبيعياً ، بيولوجياً ، كأي حيوان تقريباً ، ويموت ، في المتوسط ، قبل بلوغ
الثلاثين ، ضحية مجاعات متوالية ـ وأبئة مرتبطة بسوء التغذية ، واضطهاد السلطان : فرنسا
مثلاً ، بزراعتها الغنية جداً ، عانت مجاعات عدة ، حتى قبيل ثورة 1848م .
إنه عالم العوز ، عالم ماقبل التاريخ الاقتصادي
ـ المهمة التاريخية ، التي لا سابق لها ، التي قامت بها
الرأسمالية ، والتي بدأت منذ حوالي ثلاثة قرون ، كانت جعل العوز يتراجع ومعه
المجاعات والقمع .
هذه النهضة بدأت في بلدان ذات تقاليد مسيحية ، تحررت من
سلطان الكنيسة ، وانتشرت وتوسعت ، منذ قرن ، في الشرق الأقصى ، وفي كل مكان تبدو
مؤسسة على نفس النظام : الرأسمالية ، أي حرية تحديد الأسعار في السوق ، وحرية
ملكية وسائل الإنتاج ، وحقوق الإنسان ، وبدايات حرية الضمير ، والتطور نحو الفصل
بين السلاطين ، والديمقراطية .
بعد زمن العوز الدائم ، الزمن الجديد ، زمن التطور
الاقتصادي ، بالكاد بدأ ،مع الانتصارات التاريخية الثلاثة للرأسمالية ، هكذا بدأت
ترتسم جغرافية اقتصاد العالم في المقام الأول ، بعد أن كانت البلدان الرأسمالية ،
ولمدة طويلة ، كان فوق رأسها سيف ديموقليس ، فإن مشكلة التزود بالنفط ، والذي يعني
أوكسجين الحياة الاقتصادية ، صارت فيزيقيا محلولة ، ولمدة طويلة ، احتلال العراق
والهيمنة على كل بلدان الخليج العربي ، أتاح السيطرة الأمريكية على أهم مصادر
النفط ، المسألة لم تعد ما إذا كانت البلدان الصناعية الكبرى ، تحصل على حاجتها من
النفط ، وإنما بأي سعر ، وألا يقذف منه كثير في الهواء ، هكذا جغرافية الطاقة
الجديدة ، ليست جغرافية البحث عن النفط ، وإنما البحث عن بدائل طاقة ، وعن وسائل
مكافحة التلوث .
هكذا يظهر السبب الحقيقي وراء احتلال العراق ، وبث الرعب
في بلدان الخليج العربي ، التي صارت أيضاً شبه محتلة ، إنه تأمين إمدادات النفط
وفق احتياجات البلدان المستوردة وليس وفق حاجات البلدان المصدرة .
صحيح هذا أدى إلى تدفق كميات هائلة من الدولارات ، إلى
البلدان المصدرة للنفط ، لكن اقتصاديات هذه البلدان ليست في مستوى يسمح باستثمارها
، إذن تودع في مصارف البلدان المستوردة ، أو تستثمر في أسواقها ، مما جعل البلدان
المصدرة ، تتبنى الرأسمالية ولو من بوابة الأسواق المالية .
هكذا عصفوران بحجر واحد : استعادة أموال البترو دولار ،
واستثمارها في أسواق البلدان المستوردة الرئيسة ، وإدخال البلدان المصدرة في لعبة
السوق الرأسمالي .
من ناحية أخرى ، نلاحظ اختفاء محتوى مفهوم العالم الثالث
، منذ أن وضعت الحرب الباردة أوزارها .
عندما كانت الشيوعية تتحدى الرأسمالية ، على أرضها ، أي
في مسألة الفعالية الاقتصادية ، كان للثلاثية معنى : بلدان الرأسمالية ، بلدان
الشيوعية ، عالم ثالث .
يجب أن نتذكر أن خروتشوف ، عام 1960 م ، ومن على منصة
الأمم المتحدة ، أعلن أنه في عام 2000 م سيكون الاقتصاد السوفيتي في مستوى اقتصاد
الولايات المتحدة.
إن الذين سوف يبحثون عن أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي ،
بعد أن تهدأ الانفعالات ، وتصمت طبول انتصار الرأسمالية ، ربما سوف يكتشفون أن من
بين أهم الأسباب ، إرادة الوصول إلى مستوى الاقتصاد الأمريكي ، وإذن تبنى نمط نموه
ومعاييره ، في نظام كان يجب أن يخترع نمط تطور جديد ، ومن ناحية أخرى لا يجب تجاهل
تكاليف الحرب الباردة ، والستار الحديدي الذي فرضته الكتلة الرأسمالية على الاتحاد
السوفيتي .
على كل حال ، عندما سقطت الأقنعة ، وانفتحت بلدان الكتلة
الشرقية ، صار بالإمكان ، ميدانياً ، مشاهدة التخلف المؤسف الذي تعانيه
الاقتصاديات الشيوعية ، يجب إذن تصنيفها في فئة البلدان المتخلفة ، وهكذا التصنيف
الثلاثي ، يخلي مكانه لتصنيف ثنائي ، من ناحية البلدان المتطورة ، أو في تطور سريع
، ومن ناحية أخرى البلدان الأقل تطوراً ، أعني البلدان الفقيرة ، هكذا مصطلح عالم
ثالث لم يعد له معنى .
بالتأكيد لا يكفي إقامة الرأسمالية في بلد ما ، لكي
ينطلق في طريق التطور الاقتصادي ، من ناحية التطور الاقتصادي الذي تشهده البلدان المتطورة
، ليس في أصله ، نتاج الرأسمالية ، إنه نتاج تراكم من كل الأشكال ، استولت عليه
الرأسمالية ، إذن حتى تبنى الرأسمالية لا يخلق ثروة ليس لها أصول سابقة ، يبرهن
على وجهة النظر هذه ،أن عشرات البلدان ، تتبنى الرأسمالية ، منذ زمن طويل ، لكن
التطور الاقتصادي لم يكن في الميعاد ، تبني الرأسمالية لم يخرجها من فقرها ، بل
ربما زاد فقرها .
من ناحية أخرى يجب أيضاًَ حد أدنى من التنظيم ، وإذن
دولة فعالة وليست فاسدة .
لكن هذا لا يعني عدم وجود فقراء ، وإفقار ، حتى في
البلدان الأكثر تقدماً ، خاصة الولايات المتحدة ، هذا يطرح سؤالا عن جدوى تطور
اقتصادي ، ونمو ، لا يستفيد منه أغلبية المجتمع ، وإنما تحتكر ثماره أقلية لا تتعدى
أحياناً 5% من السكان .
عن صحيفة الزحف الأخضر












