نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
رأسمالية ضد رأسمالية

بقلم: أ .د. رجب بودبوس

 

نقاد ودارسو الرأسمالية ، من بعض خصومها ، ومن بعض أنصارها ، على الأقل ، ينظرون إليها غالباً ، على أنها كل واحد ، مزود بنظام قيم ومبادئ واحدة ، هي نفسها في كل البلدان الرأسمالية ، تحكم وتوجه اقتصادياتها .

 

هل الرأسمالية هي كذلك ؟ هل الرأسمالية في الولايات المتحدة هي نفس الرأسمالية في ألمانيا ، في اليابان ، في بريطانيا ، في فرنسا ، وفي اسبانيا وإيطاليا؟

 

وماذا لو أنه لا توجد عملياً رأسمالية واحدة ؟ وأنه تحت هذا الغطاء المجرد توجد رأسماليات وليس رأسمالية ؟

 

وماذا لو أنه في محل التجانس المفترض وجدنا نزاعات وتناقضات بين هذه الرأسماليات؟

 

في الحقيقة عندما نتناول الرأسمالية ، على أنها رأسمالية واحدة ومتجانسة ، فإننا نتناول كيانا مجرداً ليس له وجود عيني ، مثل هذا التناول نظرياً مفيد ، لكن يمكن أن يكون كالشجرة التي تخفي الغابة .

 

الرأسمالية في أصلها ليست أيديولوجية ، وإنما هي أولاً ممارسة عملية تهدف إلى تحقيق الربح الأقصى ، هذا الهدف يوحد كل الرأسماليين ، لكنه أيضاً يفرقهم ، إنه عامل اختلاف ونزاع بقدر ما هو عامل وحدة ، لكنه لا يكون عامل وحدة ، إلا إذا واجه الرأسماليون خطراً عاماً ، يضع هذا الهدف موضع اتهام .

 

اديولوجية الرأسماليين هكذا براغماتية ، ولا يترددون عن أية ممارسة أو طريق يحقق لهم الهدف ، ولهذا السبب تتنوع وتختلف النماذج الرأسمالية ، ولا يمكن إدراك وحدتها إلا تجريداً وافتراضاً .

 

مع ذلك زمناً طويلاً ، حوالي قرن ، بدأت الرأسمالية كياناً واحداً وموحداً ، في معسكر واحد ، سمي المعسكر الحر ، في مواجهة خصمها المعسكر الشيوعي لكن في أيامنا هذه ، ولأول مرة في التاريخ ، انتصرت الرأسمالية على كل الجبهات ، واعتبر انتصارها قد حسم أكبر مسائل هذا العصر ، لكن هذا الانتصار نفسه ، يمكن أن يكون عامل تفكك الوحدة الرأسمالية ..

 

 انتصار الرأسمالية كان على ثلاث جبهات :

 

ـ المعركة الأولى جرت في انجلترا ، قادتها تاتشر ، أو حزب المحافظين ، وفي الولايات المتحدة ريغان .

 

هذه المعركة كانت معركة داخلية ، ضد تدخل الدولة المتهمة بإعاقة أداء السوق وبعدم الفعالية الاقتصادية ، ابنة تاجر البقالة والكوميدي السابق ، قادا معاً ما يطلق عليه أنصارهما : أول ثورة محافظة ، في موضوع السياسة الاقتصادية ، إنها ثورة دولة الحد الأدنى ، ريغان يعلن أن الدولة ليست حلاً لمشكلة ، إنها هي المشكلة ، إذن يجب تقليصها إلى أقصى حد ممكن ، مبدؤها الآخر ، الأكثر وضوحاً هو : ضرائب أقل على الأغنياء ، الحجة في هذا ،إنهم إذا الأغنياء ـ بما في ذلك الرأسماليون ـ دفعوا ضرائب أقل ، فإن نمو الاقتصاد سيكون مضموناً ، وسوف يستفيد منه الجميع ، في الولايات المتحدة ، عام 1981 م ، كانت الحكومة الفيدرالية تفرض ضرائب تصل إلى 75% على الدخول العالية بالنسبة لكل مواطن ، لكن في عام 1989 م معدل الضرائب الأقصى ، هبط إلى 33% ، أما في بريطانيا ، فإن معدل الضرائب في عهد حكومة العمال ، بلغ 89% بالنسبة لدخول الرأسمال ، لكنه في عهد حكومة تاتشر ، هذا المعدل الأقصى هبط إلى 40% ، هذا الإصلاح المالي ، شاع في بلدان العالم ، وفي عشرات البلدان ، غير من طبيعة العلاقات التاريخية بين المواطن والدولة ، منذ قرنين لم يتوقف الضغط الضريبي عن الزيادة ، خاصة في البلدان المتطورة ، هذا الوضع انقلب اليوم ، ونحن نشاهد اليوم على العكس سباقا دوليا نحو تخفيف الضرائب .

 

ما سمي هكذا ثورة ، غير طبيعة العلاقات بين المواطن والدولة ، تخفيف الضرائب على الثروات ، جعل كفة السلطان العمومي تميل في صالح الأغنياء ، وتقليص الدولة جعله يبتعد عن عامة الناس .

 

إن حجة تخفيف الضرائب على الأغنياء ، تستند إلى فرضية أن الأغنياء سوف يستثمرون أموالهم ، وخاصة ما كانت تدفع ضرائب ، كما يشجعهم على الاستثمار ، وأن هذا الاستثمار يكون في مجالات يستفيد منها الجميع ، مثل خلق فرص عمل ، وتوفير حاجات الاستهلاك ، في هذه الحالة ، تخفيف الضرائب يمكن أن يحقق الهدف منه ، ذلك لأن الدولة المحصلة للضرائب ، متهمة بسوء إدارة واستثمار أموال الضرائب .

 

لكن بما أنها دولة الحد الأدنى ، فإنها لا تملك أية وسيلة لضمان الاستثمار مقابل تخفيف الضرائب ، عندئذ يمكن أن تخفيف الضرائب لا يقود بالضرورة إلى استثمار أموالها .

 

من ناحية أخرى ، حتى لو فرضنا أن الأغنياء استثمروا أموالهم ، يشجعهم في هذا تخفيف الضرائب ، فإن لهم وحدهم ، وفق أهدافهم ، تحديد واختيار مجالات الاستثمار ، وهذا مبدأ رأسمالي ، عندئذ يمكن أن الاستثمار يجري في السوق المالي مما يحقق لهم أرباحاً لكنه لا يخلق فرص عمل ولا يفيد الناس .

 

وهذا ما حدث بالضبط .

 

إن الاستثمار، في مجموع بلدان الليبرالية الجديدة، لم يتجاوز 10% من الناتج المحلي الخام، وهذا يعني أن هناك كميات هائلة من الأموال غير مستثمرة.

 

الاستثمار في الغالب صار مالياً ـ مالياً ـ ولم يخلق هكذا فرص عمل وإن حقق أرباحاً .

 

ترتب على هذا ، على العكس البطالة ، كما أن استحواذ الأغنياء وهم 5% على الثروة ، وتقلص حصة الأجور في الناتج المحلي الخام ، بسبب البطالة ، ومرونة الأجور ـ أدى إلى قصور الطلب الكلي ، والذي جرت معالجته بإغراق العامة في الديون ، وهذا رتب نمواً يتغذى على الديون ، (بدون ارتفاع معدلات ديون الأسر ، يكون النمو ، في منطقة الأورو صفراً منذ عام 2002م ) .

 

هذا ما تمخضت عنه المعركة الأولى ..

 

ـ الانتصار الثاني للرأسمالية كان حاسماً ، وتحقق دون الدخول في معركة ، منذ حوالي قرن ، كانت الرأسمالية في مواجهة مع الماركسية ، ومنذ حوالي نصف قرن ، كانت هذه المواجهة ، خاصة ، بين الولايات المتحدة ، والاتحاد السوفيتي ، وأثرت على كل العلاقات الدولية ، في شهر 11 ـ 1989 م ، الشباب الألمان الذين تجرؤوا واجتازوا جدار برلين ، كانوا طليعة 300 مليون من المقهورين في البلدان الشيوعية ، إنهم كما وصفوا ، يتطلعون إلى الحرية وإلى السوبر ماركات .. أي الرأسمالية .

 

لكن لننظر في واقع هذه البلدان اليوم ، بعد أن خرجت من هيمنة الاتحاد السوفيتي ، ودخلت نظام السوق ، هل حققت الحرية ؟ هل عمت فيها سوبر ماركات الرأسمالية ؟ وكم نسبة مواطنيها الذين استفادوا من الحرية ومن السوبر ماركات ؟ حوض السفن الذي انطلقت منه حركة التضامن ، أزيل تماماً ، وعماله في قوائم العاطلين !

 

إن نسبة المتمتعين بالحرية وبالازدهار الاقتصادي ، هي تقريباً ، نفس النسبة في النظام المسمى شيوعيا : هكذا بدل الحزب الشيوعي حلت طبقة سياسية ، وبدلاً من «النومينكلاتورا» حلت الطبقة البرجوازية ، والجدار الفاصل لم يعد بالإمكان تجاوزه ، لأنه صار لا مرئياً ، بدل مستوى الحياة المتواضع بالنسبة للأغلبية ، حلت البطالة والفقر .

 

أما بالنسبة لانتصارها الثالث ، كان يكفي معركة مئة ساعة في جنوب العراق ، لكسبها ، لكن بنسبة ألف ضد واحد ، إنه انتصار القوة ، قوة الولايات المتحدة مدعومة بثمانية وعشرين بلداً ، منها ثمانية بلدان إسلامية ، ومؤيدة ، في الأمم المتحدة ، من الاتحاد السوفيتي ، ومن الصين .

 

بالنسبة للبعض هو انتصار التطور على أوهام شعب محروم من التطور الاقتصادي بسبب حاكمه الدكتاتور ، هكذا الجماهير التي خدعها صدام حسين ، ستسلك نفس طريق جماهير البلدان الشيوعية ، نحو الرأسمالية .

 

لكن يمكن السؤال : بعد عدة سنوات من هذا الانتصار ، ماذا حقق للشعب العراقي ؟ لن نفترض الحرية ، والتطور ، ومستوى حياة لائقا ، وإنما مجرد الأمن والأمان وامكانيات العمل من أجل العيش ، العراق اليوم أسوأ مما كان ، يتخبط في مقاومة الاحتلال ، وفي التناحر الطائفي الذي استخدمه وغذّاه الاحتلال ..

 

مع ذلك لانبالغ إذا قلنا إن الهدف الحقيقي ليس نشر الديمقراطية ، وليس فتح العراق أمام التطور الاقتصادي ، وإنما ببساطة فرض الرأسمالية ، العراق لم يكن إلا نموذجاً لكل بلد يقف في وجه زحف الرأسمالية ، وأيضاً ضمان إمدادات النفط من العراق ومن جيران العراق .

 

مع ذلك انتصار الرأسمالية يعطي ضوءاً جديداً للتاريخ الاقتصادي العالمي ، إنه يغير من جغرافيته بعمق .

 

حالما أثار العمى ، ليل سيبيريا الشيوعي ، أزاحها ضوء الواقع صار كل التاريخ الاقتصادي ينقسم إلى زمنين متناقضين :

 

ـ ما قبل الرأسمالية ، طوال التاريخ ، كان العالم ، بما في ذلك الحضارات الكبرى ، يشبه ما يدعى اليوم عالما ثالثا ، عالما حيث الإنسان يولد طبيعياً ، بيولوجياً ، كأي حيوان تقريباً ، ويموت ، في المتوسط ، قبل بلوغ الثلاثين ، ضحية مجاعات متوالية ـ وأبئة مرتبطة بسوء التغذية ، واضطهاد السلطان : فرنسا مثلاً ، بزراعتها الغنية جداً ، عانت مجاعات عدة ، حتى قبيل ثورة 1848م .

 

إنه عالم العوز ، عالم ماقبل التاريخ الاقتصادي

 

ـ المهمة التاريخية ، التي لا سابق لها ، التي قامت بها الرأسمالية ، والتي بدأت منذ حوالي ثلاثة قرون ، كانت جعل العوز يتراجع ومعه المجاعات والقمع .

 

هذه النهضة بدأت في بلدان ذات تقاليد مسيحية ، تحررت من سلطان الكنيسة ، وانتشرت وتوسعت ، منذ قرن ، في الشرق الأقصى ، وفي كل مكان تبدو مؤسسة على نفس النظام : الرأسمالية ، أي حرية تحديد الأسعار في السوق ، وحرية ملكية وسائل الإنتاج ، وحقوق الإنسان ، وبدايات حرية الضمير ، والتطور نحو الفصل بين السلاطين ، والديمقراطية .

 

بعد زمن العوز الدائم ، الزمن الجديد ، زمن التطور الاقتصادي ، بالكاد بدأ ،مع الانتصارات التاريخية الثلاثة للرأسمالية ، هكذا بدأت ترتسم جغرافية اقتصاد العالم في المقام الأول ، بعد أن كانت البلدان الرأسمالية ، ولمدة طويلة ، كان فوق رأسها سيف ديموقليس ، فإن مشكلة التزود بالنفط ، والذي يعني أوكسجين الحياة الاقتصادية ، صارت فيزيقيا محلولة ، ولمدة طويلة ، احتلال العراق والهيمنة على كل بلدان الخليج العربي ، أتاح السيطرة الأمريكية على أهم مصادر النفط ، المسألة لم تعد ما إذا كانت البلدان الصناعية الكبرى ، تحصل على حاجتها من النفط ، وإنما بأي سعر ، وألا يقذف منه كثير في الهواء ، هكذا جغرافية الطاقة الجديدة ، ليست جغرافية البحث عن النفط ، وإنما البحث عن بدائل طاقة ، وعن وسائل مكافحة التلوث .

 

هكذا يظهر السبب الحقيقي وراء احتلال العراق ، وبث الرعب في بلدان الخليج العربي ، التي صارت أيضاً شبه محتلة ، إنه تأمين إمدادات النفط وفق احتياجات البلدان المستوردة وليس وفق حاجات البلدان المصدرة .

 

صحيح هذا أدى إلى تدفق كميات هائلة من الدولارات ، إلى البلدان المصدرة للنفط ، لكن اقتصاديات هذه البلدان ليست في مستوى يسمح باستثمارها ، إذن تودع في مصارف البلدان المستوردة ، أو تستثمر في أسواقها ، مما جعل البلدان المصدرة ، تتبنى الرأسمالية ولو من بوابة الأسواق المالية .

 

هكذا عصفوران بحجر واحد : استعادة أموال البترو دولار ، واستثمارها في أسواق البلدان المستوردة الرئيسة ، وإدخال البلدان المصدرة في لعبة السوق الرأسمالي .

 

من ناحية أخرى ، نلاحظ اختفاء محتوى مفهوم العالم الثالث ، منذ أن وضعت الحرب الباردة أوزارها .

 

عندما كانت الشيوعية تتحدى الرأسمالية ، على أرضها ، أي في مسألة الفعالية الاقتصادية ، كان للثلاثية معنى : بلدان الرأسمالية ، بلدان الشيوعية ، عالم ثالث .

 

يجب أن نتذكر أن خروتشوف ، عام 1960 م ، ومن على منصة الأمم المتحدة ، أعلن أنه في عام 2000 م سيكون الاقتصاد السوفيتي في مستوى اقتصاد الولايات المتحدة.

 

إن الذين سوف يبحثون عن أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي ، بعد أن تهدأ الانفعالات ، وتصمت طبول انتصار الرأسمالية ، ربما سوف يكتشفون أن من بين أهم الأسباب ، إرادة الوصول إلى مستوى الاقتصاد الأمريكي ، وإذن تبنى نمط نموه ومعاييره ، في نظام كان يجب أن يخترع نمط تطور جديد ، ومن ناحية أخرى لا يجب تجاهل تكاليف الحرب الباردة ، والستار الحديدي الذي فرضته الكتلة الرأسمالية على الاتحاد السوفيتي .

 

على كل حال ، عندما سقطت الأقنعة ، وانفتحت بلدان الكتلة الشرقية ، صار بالإمكان ، ميدانياً ، مشاهدة التخلف المؤسف الذي تعانيه الاقتصاديات الشيوعية ، يجب إذن تصنيفها في فئة البلدان المتخلفة ، وهكذا التصنيف الثلاثي ، يخلي مكانه لتصنيف ثنائي ، من ناحية البلدان المتطورة ، أو في تطور سريع ، ومن ناحية أخرى البلدان الأقل تطوراً ، أعني البلدان الفقيرة ، هكذا مصطلح عالم ثالث لم يعد له معنى .

 

بالتأكيد لا يكفي إقامة الرأسمالية في بلد ما ، لكي ينطلق في طريق التطور الاقتصادي ، من ناحية التطور الاقتصادي الذي تشهده البلدان المتطورة ، ليس في أصله ، نتاج الرأسمالية ، إنه نتاج تراكم من كل الأشكال ، استولت عليه الرأسمالية ، إذن حتى تبنى الرأسمالية لا يخلق ثروة ليس لها أصول سابقة ، يبرهن على وجهة النظر هذه ،أن عشرات البلدان ، تتبنى الرأسمالية ، منذ زمن طويل ، لكن التطور الاقتصادي لم يكن في الميعاد ، تبني الرأسمالية لم يخرجها من فقرها ، بل ربما زاد فقرها .

 

من ناحية أخرى يجب أيضاًَ حد أدنى من التنظيم ، وإذن دولة فعالة وليست فاسدة .

 

لكن هذا لا يعني عدم وجود فقراء ، وإفقار ، حتى في البلدان الأكثر تقدماً ، خاصة الولايات المتحدة ، هذا يطرح سؤالا عن جدوى تطور اقتصادي ، ونمو ، لا يستفيد منه أغلبية المجتمع ، وإنما تحتكر ثماره أقلية لا تتعدى أحياناً 5% من السكان .

 

عن  صحيفة الزحف الأخضر     

 

 

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية