بقلم: زيد ابوزيد
القضايا الإفريقية مهمة لعالمنا العربي بقدر أهمية
القضايا العربية، فالحديث عن السودان له ارتباط بمصر وليبيا كما له ارتباط
بإثيوبيا وتشاد وغيرها، واستقرار أوغندا يصب في صالح مصر والسودان وكل العالم
العربي، والدخول الصهيوني إلى قلب إفريقيا يؤثر سلبياً في كل المعادلة العربية
ناهيك على أن الموقع الفريد لقائد عربي على رأس الاتحاد الإفريقي وإدراكه لأهمية
تشكيل فضاء عربي إفريقي يقف في مواجهة الفضاءات الأخرى الأمريكي والأوروبي في عالم
لا يعترف إلا بالأقوياء حصانة لمستقبل إفريقيا كما هو حصانة للعالم العربي، فمصلحة
العرب إستراتيجية في إفريقيا مستقرة ومزدهرة، وفي قوة إفريقيا منع لأي طامع من
إستغلال حالة الضعف للدخول من البوابة الخلفية للعالم العربي وتهديد أمنه
الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والبيئي إذا علمنا أن منبع النيل في قلب إفريقيا،
والدخول إلى ملفه يهدد الأمن المائي العربي خاصة للسودان ومصر، من هنا نطرح قضاياه
لأنه امتدادنا البشري والجغرافي والاقتصادي ولذلك نهتم باستقراره.
ولذلك نطرح
اليوم قضية غينيا التي ودعت نهاية العام 2008 لانسانا كونتي ، وفتحت صفحة جديدة باستيلاء
داديس كامرا على السلطة بالقوة قاطعا الطريق أمام أتباع نظام لانسانا كونتي الذي حكم
غينيا طويلاً بقبضة حديدية طوال ربع قرن من الزمن، وقد بدأ داديس كامرا عهده
بإمطار شعبه بالوعود الحالمة كتحقيق النماء والبناء وإرساء دولة القانون والحريات
معرباً عن زهده في السلطة محدداً أنَ كلمة الفصل ستكون للشعب الغيني.
وقد بدأ داديس كامرا عهده فعلاً بإصلاحات مهمة في محاربة
الفساد، كما استمر يعيش حياته بتواضع ، محاولاً ربط علاقات بلاده مع دول الجوار
الإفريقية التي تشعر بالقلق حيال التغيير الذي حصل خوفاً على استقرارها خاصة منطقة
نهر مانو الذي يضم كلا من غينيا وسيراليون وساحل العاج وليبيريا.
ويحاول داديس الآن طمأنة المجاورين ومحاصرة ردود الفعل
الدولية باتخاذ إجراءات تشي بان فترة حكمه مؤقتة وانتقالية وانه سيجري انتخابات
ويسلم السلطة ، كما انه فتح وسائل الإعلام الرسمية أمام المواطنين بعد عقود من
التدجين، والتوجيه، و رفع شعار حرمة أرواح ودماء الغينيين، وهذا ما ساهم في تخفيف
الضغوط الخارجية إذ أظهرت
قوى الداخل دعماً له، لأن التجربة الإفريقية في الانقلابات
تؤكد في معظم الأحوال أن الضباط ذوي الرتب الدنيا والمتوسطة في الجيش أكثر صدقا في
وعودهم وتعلقا بشعاراتهم من ذوي الرتب العليا، فهؤلاء في الغالب مجموعة من الشباب
الغيورين على أوطانهم، والراغبين في تغير أحوال شعوبهم.
ولكن سرعان ما تبخر الحلم بالاستقرار ، واحتدمت
الاضطرابات الداخلية معبرة عن تناقضات داخلية وتدخلات خارجية أوقعت مئات القتلى
والجرحى في صفوف المدنيين، وقد حاول موسى داديس كمارا التنصل منها بالحديث عن عدم
سيطرته الكاملة على الجيش الغيني للحد من مسؤوليته عن القمع الدموي للمظاهرات في
كوناكري، قائلاً أنَ الحدث قد تخطاه، ومؤكداً
انه ورث إرثاً عمره نصف قرن ، وطالب بتعيين
رئيس إفريقي حكيم لتولي وساطة في غينيا، و ثم دعا الى تشكيل لجنة تحقيق لقمع الجيش
للتظاهرات ، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم كل الأحزاب السياسية وتكلف إدارة للمرحلة
الانتقالية قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في كانون الثاني/يناير والتي يسعى الى
الترشح لها.
وإجمالاً فإنني لا أدعم الانقلابيين رافضاً فكرة
الانقلاب دون هوية سياسية وفكرية تنتقل بالحالة البائسة للديمقراطية إلى حالة
الثورة الجذرية التي تنتقل بالشعب من حالة المشاهدة لحالة الفعل المباشر كسيد،
ولذلك فإن كمارا ورفاقه لا يمكن أن يكونوا قد انقلبوا على السلطة لان السلطة لم
تكن أصلاً بيد الشعب عند وفاة الرئيس السابق لانسانا كونتي، فإفريقيا لا توجد فيها
ديمقراطية بالمفهوم الصحيح ، و جل أنظمتها غير ديمقراطية ، والفساد يستشري فيها،
والأصل إعطاء الفرصة داديس كامرا لإصلاح الأوضاع خاصة وانه يحظى بتأييد كبير تصل
نسبته إلى 80% شريطة التزامه بوعده للشعب بإجراء انتخابات خلال عامين، خاصة إذا
ترافق ذلك مع مبادرة من الأخ قائد الثورة رئيس الاتحاد الإفريقي معمر القذافي حكيم
إفريقيا لرعاية المصالحة وترتيب الأوضاع في هذا البلد الإفريقي لخلق الظروف
المناسبة لإعادة السلام والاستقرار السياسي الدائم و تجاوز التطورات التي يشهدها
هذا البلد الإفريقي .
إنَ الأفارقة يحتاجون أكثر من غيرهم تحريك واقعهم
الثقافي والاجتماعي، ذلك أن هذا الواقع هو أشبه ما يكون بالواقع الخام ، حيث عمل
المستعمر على تعطيل تنميتهم الثقافية، وبالتالي التنمية الاجتماعية، وذلك لحساب
ثقافة وتقاليد المستعمر، وكان الهدف هو سلخ الأفارقة عن واقعهم ، وفصلهم عن جذورهم
، وتغريبهم عن بيئتهم ، وجعلهم يعيشون في حالة انفصام حضاري ، تحول دونهم ودون
إنجازهم لحضارة أفريقية خاصة بهم، ولهذا فهم يحتاجون الدعم والمؤازرة للخلاص من
حالة عدم الاستقرار المسببة للانقلابات ، ومن أجل إنجاز النهوض الإفريقي العظيم.
إن إفريقيا تقف الآن أمام الفرصة التاريخية التي قد لا
تتكرر، وعليها إن أرادت إنجاز التقدم أن لا تضيع هذه الفرصة، وأن تتجه بكل ثقة
الاتجاه السليم ، الذي يمكنها من إيجاد البدائل المناسبة لحل مشاكلها
السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، شرط
أن تكون هذه البدائل نابعة من إرادة إفريقية صادقة ومؤمنة بحلم المواطن الإفريقي
في حياة كريمة.
وعلى غينيا على سبيل المثال عدم السماح بأي تدخل خارجي
في أزمتها، وترك حل الخلاف للاتحاد الإفريقي الذي بات اليوم صوتاً مسموعاً في
العالم، فالعالم باتَ يشعر الآن بوجود قوة الاتحاد الإفريقي و مؤسساته الاتحادية،
وهي المؤسسات التي من شأنها أن تفرض احترام وهيبة إفريقيا دولياً، وفي المنظمات
الدولية ، وتعزز مواقفها السياسية والاقتصادية، وتجعل صوتها مسموعاً ومؤثرا في المواقف الدولية يحسب له ألف حساب ، ويسعى
الجميع لكسبه ، وقد مارس رئيس الاتحاد الإفريقي الأخ قائد ثورة الفاتح دوره في حل
الخلافات بإيفاده مبعوثاً شخصياً يرافقه الأمين المساعد لتجمع ( س . ص ) للوقوف
على آخر التطورات في هذا غينيا ، والاتصال بكل الأطراف هناك لتحديد سبل مساهمة
الأخ القائد في مساعدة الشعب الغيني للخروج من الأزمة التي يمر بها هذا البلد
الإفريقي ، ووجه الأخ القائد مبعوثه بدعوة مختلف الأطراف السياسية للتعامل مع
الأوضاع في غينيا بحكمة ورؤية والوصول بطريقة هادئة إلى مخرج يتيح المجال أمام
الشعب الغيني ليتفرغ لبناء بلده ويساهم بفاعلية في تعزيز مسيرتي تجمع ( س.ص)
والاتحاد الإفريقي لتعزيز مفهوم
الديمقراطية والنظام الدستوري في القارة من أجل السعي لتحقيق السلام والتنمية والرخاء.












