بقلم :أ.د مهدى أمبيرش
إن هذه المقالات التي أوردناها تحت عنوان تزييف الوطنية
هي تمهيد لمفهوم الوطن باعتبار الوطن قيمة ، وقد يتوهم البعض أن الوطن هو هذا
المتحد الواحد ، أو هو هذا المنطقي المحدود بحدود ، كأن يفهم أن الوطن (الليبي) ،
هو هذه الأرض المحدودة بحدود منطقية معترف بها وفق ما يعرف بالقانون الدولي ، مع
تأكيدنا أن كل ما هو منطقي هو اصطناعي وغير طبيعي ، ونقصد بالطبيعي هنا هو الطبيعي
بالمفهوم الإنساني ، أي بطبيعة الإنسان التي تكون وراء إقامة علاقات اجتماعية
طبيعية ، ولهذا قلنا إن ما يكّون الأمة هو التاريخ المشترك ، هو هذا الوعي بوحدة
الانتماء والمصير التي لا تتأسس إلا على الوعي بقيمة التاريخ والفعل التاريخي ،
البشر ليسوا مركبًا فيزيائيًا كهذا المفهوم الشكلي الاصطناعي الذي تأسست عليه
الأشكال الجماعية صغرت أم كبرت عبر التاريخ بما في ذلك هذه الأشكال الاصطناعية بما
يسمى بأوروبا وأمريكا ، والتي يطلقون عليها مصطلح (Nation) والتي أدت إلى التعريف بالساذج الذي يعرف
الدولة أنها شعب وأرض وحسب قولهم نظام سياسي ، أي أن الدولة هي هذا المركّب
الاصطناعي ، وبالنسبة لأوروبا اليوم تقبل أوضاعها هذه التعريفات ، فظروف المجتمعات
الأوروبية وهيمنة الإمبراطوريات الشمولية فيها والنـزاعات والحروب التي امتدت إلى
قرون ومحاولة الخروج عن الإقطاع بما في ذلك إقطاع الكنسي ، قد يسمح بهذه التجزيئية
والتفكيكية ، لأن الإقطاع هو مركّب اصطناعي ، تأسس على معطيات القوة الفيزيائية
المادية ، ومن ثم فإن ما يتم تركيبه بالإمكان تفكيكه ، وبذلك كان ما يسمى
بالبرجوازية ، أو هذه النـزعة الفردية محاولة لتفكيك هذا المركّب الاصطناعي ، ومن
ثم كان الاتجاه لضرب المعطيات التي تأسس عليها الخطاب الشمولي الإقطاعي ، خاصة بعد
هذه الكشوفات خاصة الكشوفات الفلكية التي زعزعت معطيات هذا المركّب الذي كان يعتمد
على نظرية الفلك القديم الذي يقول بثنوية السماء والأرض ، وبوجود فراغ هو ما كان
يعرف بالفراغ الاقليدي والذي يسمح بالوسيط كما يعطي مبرر الشرعية القدسية لهذا
الكهنوت الكنسي ، والذي كان يعمد الأباطرة والملوك ويبرر الغزو والحروب باسم الدين
، كما تم في الحروب الصليبية والتي ما تزال آثار خطابها قائمة حتى اليوم في
الخطابات الأوروبية والأمريكية على السواء ، أي إعطاء مبرر ديني لأي عمل غير
أخلاقي وغير إنساني ، كما هي هذه الحروب التي تشن اليوم في العراق وأفغانستان.
إن البرجوازية هي نتاج هذا الانقلاب الصناعي في أوروبا ،
ولا يفهم من الوصف بالصناعي هو هذا التطور في اختراع الآلات والمصانع ، بل إن
التصنيعية تحولت إلى منهج تفكير وإلى أطروحات وسلوك ، أي أن التصنيعية هي ظاهرة
أوروبية وأمريكية ، فكل ما هو فطري يتم تصنيعه ، ليس المواد الخام فحسب ، بل
الشرائع والعقائد ، والمعروف أن الأوروبيين فيما يتعلق بالعقائد ليسوا وفق المصطلح
الديني أهل كتاب ، أي أن الله لم يرسل رسولاً أو نبيًا لأوروبا ، وهذا يسبب عقدة
في الضمير الأوروبي وشعورًا بالنقص ، الأمر الذي تأسس فيه المشروع الأوروبي منذ
الإمبراطورية الرومانية إلى اليوم إلى إعادة تصنيع شرائع ومعتقدات الشرق بما في
ذلك الأساطير والخرافات ، فما يعرف بالمسيحية نسبة إلى المسيح هي تسمية تمت في
مصانع أوروبا الفكرية ، فالمسيح هو رسول لبني إسرائيل ، وبنو إسرائيل هم أولاد
يعقوب وليسوا كل اليهود أو المتهودين ،
وعيسى يؤكد من خلال الوحي القرآني أنه نبي
لبني إسرائيل :" {إِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ
يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ . وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي
المَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ . قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي
وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ . وَيُعَلِّمُهُ
الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ . وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي
قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ
كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ
وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ
وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنينَ}49,48,47,46,45 /آل عمران ، حتى هذه الروايات والقصص التي يطلق
عليها الأناجيل تقول على لسان عيسى إنما بعثت للخراف الضالة من بني إسرائيل" ،
وبهذا فإن المسيحية مثل اليهودية بدعة ، وتصنيع متعمد من خلال التأويل كي يلائم
هذه الشريعة المحدودة هذا الشكل الجديد في الإمبراطورية الرومانية ، بل كان
بالضرورة لهذه النـزعة الإمبراطورية أن تبحث عن روح تتلاءم والشرق ، فالقوة
المادية وحدها لا تكفي ، وبذلك تم اعتماد أطروحة الحلول والاتحاد الآرية القديمة ،
أي أن المطلق يحل في المحدود أو أن اللاهوت بما هو الغيبي يتجسد في الناسوت بما هو
المتعين والمحدود ، في محاولة لتجاوز الثنوية القديمة من خلال منهج تركيبي أو من
خلال ما يطلق عليه باللوغوس ، والمعروف أن أي مركّب اصطناعي يحتاج إلى شكل يتم فيه
هذا التركيب ، وقد رأينا كيف اضطر المقدوني أرسطو طاليس 384-322ق.م ، إلى البحث عن
أرغانون يتم فيه وضع شكل لمشروع الاسكندر الإمبراطوري ، ولأن هذا الشكل شكل منطقي
فإنه يحتاج بداهة إلى لوغوس ، وقد استعارت الثيولوجيا (Theology) الرومانية ، ونقصد
بالثيولوجيا أي منطق يحاول أن يجعل النظري والمطلق داخل المنطق بما في ذلك
القائلين بأن الله وحاشا له ذلك هو في السماء ، أي أن الله الذي لا يحده مكان ولا
زمان صار محدودًا ضمن المكان ، وصولاً إلى الثيولوجيا التي تقول بأن التاريخ هو ما
تحقق بمحدود زمني أو مكاني ، كالنـزعة التراجعية في التاريخ بما في ذلك ما يطلق
عليه بالسلفية بكل أشكالها مثل سلفية الإغريقي هزيود ، إلى سلفية ميكافيلي 1527-1469أو أي سلفية ترى أن المتحقق هو
الحقيقة ، إضافة إلى أن الثيولوجيا قد تتحول إلى ثيوصوفيا (Theosophy)في مواجهة أزمة الحقيقة وطبيعة
الحياة المتسمة بالصيرورة والتغير والحركة والتقدم ، وقد رأينا الثيولوجيا
الأمريكية التي تأسست على نـزعة من يطلق عليهم التطهريين تتحول الآن إلى
الثيوصوفيا ، فمنذ فلتة لسان بوش الأب في القول :"نحن الحقيقة المطلقة" ،
ضمن هذه النـزعة الحلولية التي تحل فيها الحقيقة المطلقة في هذه النحن الواقعية
الانجلوسكسونية ، إلى النـزعة الثيوصوفيا التي أنهت التاريخ لتدعي أنها تقدم آخر
إنسان كما جاء على لسن فوكاياما ، ولتستعير الاستقطابية (Polarization) الفيزيائية لتبرير هذا المنطق الاصطناعي الذي يسمح بالشمولية ،
أي هذا الارغانون الجديد الذي يترجم في العربية على أنه العولمة ، بعد أن يفقد
الإنسان مكوناته الإنسانية وقيمه ، فيتم تجريده وتحويله إلى عدد ضمن التعددية أو
إلى ذرة تلتصق بالقطب الوحيد أو تدور في فلكه.
من هنا فإننا نقرأ مدارس الفكر الأوروبي والأزمة التي
تعيشها أوروبا وامتدادها في أمريكا من خلال التأكيد على أنها أزمة منهجية ، أي
أزمة في منهج التفكير الأوروبي ، وقد عبّرت هذه الأزمة على نفسها من خلال كتاب
ومفكرين وأدباء شعروا أن هذا المنطق يسحق الإنسان فيهم ، وأنه ينذر بالموت
والنهاية ، أي موت الفكر الأوروبي ونهاية منطقه ، الذي لم تعد تصلحه عمليات
التجميل والترقيع أو الوصف بالتجديد أو الجديد ، فالعطار لا يصلح ما أفسده الدهر ،
فكيف له أن يصلح ما أفسده صاحبه في جسده بنفسه ، إن موت الإله الذي قال به
الألماني نيتشه 1900- 1844ليس سوى موت الإله المصنع الأوروبي ، إذ حاول نيتشه
مادام هذا الإله هو إله مركّب وحال في المتعين وبالإمكان أن يكون الإنسان المتفوق
، أي ما بعد أطروحة زرادشت القديمة في الخير والشر ، فخطاب نيتشه خطاب موجه إلى
هذا الإنسان الأوروبي الذي وصفه أنه دودة ، وأن الإنسان المتفوق الجديد هو الذي
يكون الجسر نحو إنسانية أبعد من هذا الوضع المأسوي الذي وصل إليه الإنسان الأوروبي
، وهذا البؤس والسكونية بفعل هذا المنطق المقفل الأوروبي ، ومن هنا يأتي هجومه على
المناطقة التجريديين خاصة سقراط وأفلاطون ، ويريد العودة إلى الحركة والحياة فيجعل
ديونوسوس في مواجهة أبوللو ، ومن هنا يتبنى نيتشه القوة التي تدفع إلى الحركة
ويهاجم هذا التصور الأوروبي الرسمي للمسيح على أنه الضعيف المسالم في كتابه : ضد
المسيح ، فالخطاب الرسمي الأوروبي يواجه الثورة ويخشى الحركة ، ومن ثم من مصلحته
أن يقدم المسيح بهذه الصورة ، في الوقت الذي تتمثل فيه عقدة الانفصام ، أي الحديث
عن الحرية والسلام والعدل مع ممارسة الاستعباد والحروب والظلم .
إن الألماني شبنجلر
1936-1880كان واحدًا ممن نعو بالمدنية الغربية الأوروبية المعاصرة وقال
إنها في طريقها إلى الموت في كتابه المعروف انحدار المدنية الغربية ، ويمكن أن
نقرأ هذا النعي في كتابات المعاصرين الأوروبيين من القائلين بموت الإنسان وموت
الواقع مثل خطاب الفرنسي جان بودريار ، والذي يصف ما يسمى بالعولمة على أنها
المحرقة العالمية الجديدة ، إلى القول بموت المؤلف في الدراسات النقدية حتى نهاية
التاريخ عند فوكاياما ، وبهذا فإن موقفنا من هذا المنطق المادي الفيزيائي الذي
نشأت عليه الليبرالية والماركسية على السواء هو منطق ضد الإنسان وضد مشروع
الإنسانية وخاصة القيم الإنسانية والفطرة الإنسانية التي أولها فطرة الحرية ، وأن
النظر إلى الوطن على أنه متحد (جغرافي) ، هو قول لا يليق بالإنسان ، ولو كان
المتحد يكوّن أمةً أو حتى دولة بالمفهوم التقليدي لوجدنا دولة للبقر ، ودولة
للأغنام ، إن الحيوانات قد يجمعها المتحد الواحد وقد تدفعها الغرائز فتجعل منها
جماعة ولكنها أبدًا لا تستطيع أن تكّون مجتمعًا ، أي أنها تتشكل بفعل هذه الدوافع
في جماعات ولكنها لا تملك الوعي بنفسها أو الوعي بالمشروع الاجتماعي فتعطي قيمة
للمكان تفتحه على الإمكانية أو قيمة للزمن تفتحه على الزمنية ، إن النـزعة المادية
الأوروبية تلغي الوعي والإرادة في الإنسان ، وتؤسس في سلوك دافعه الارتباط الشرطي
، فالروسي بافلوف 1936-1849 كي يبرهن على النـزعة المادية الماركسية يجري تجربة
على الكلب من خلال الناقوس والطعام ليثبت أن الكلب يسلك وفق الارتباط الشرطي ،
والمادي الأمريكي جون واطسون 1878-1958
يؤسس ما يسمى بالسلوكية (Bhaviorism) على ذات الأطروحة ، أي الفعل
ورد الفعل ، والانجليزي أرلوند توينبي 1975-1889هو
الآخر يقدم منطقًا للتاريخ يقوم حسب قوله على التحدي والاستجابة ، أي على الفعل
ورد الفعل ، وبذلك يتم احتقار التاريخ الإنساني وتسفيه الإنسان وتحقيره ، كما لا
يتورع هذا المنطق الذي ينـزع الوعي و الإرادة عن الإنسان و أن يقبل بما ذهب إليه
اليهودي سيغموند فرويد 1856-1939 من أن
سلوك الإنسان ليس سلوكًا واعيًا ، بل يتأسس على اللاوعي ، وإن كان يحاول أن يبرر
العودة لما يطلق عليه الكتاب المتأثرون بالثقافة اليهودية خاصة من الفرنسيين ، إلى
المهمّش والمسكوت عنه ، على الرغم من أن فرويد يعترف صراحة في كتابه موسى والتوحيد
، إن ما يسمى بالتحليل النفسي الفردي هو علم يهودي ، بل إن العودة إلى الطبقة
الأصلية والتدمير الماركسي هو محاولة انقلابية تفكيكية لهذا المنطق الأوروبي الذي
أدى إلى وهم الاستعلاء والتفوق ، ومثاله المنطق التركيبي الهيغلي الذي يبرر التفوق
الجرماني .
إن الوطن هو التاريخ ، والتاريخ هو هذا الامتداد
الإنساني في مشروع الحقيقة ، أي هو هذا الانتماء المتحقق والمصير الذي سوف يتحقق
من خلال هذه الذات الواعية بحقيقة التاريخ ، حيث لا يسمح هذا الوعي بالقطيعة او
الانقطاع ، إن أي سماح بقطيعة أو انقطاع سيحول دون هذا التواصل في التاريخ بمفهومه
الإنساني وليس بالمفهوم النفعي البراغماتي ، وهنا ندرك قيمة الخطاب الإسلامي الذي
يطالب بسد الفُرج ، فسد الفُرج في الصلاة هو سد للفُرج في أي عملية اتصال ، إن من
يسمح بالفُرج سيسمح بالفراغ والخواء ويبرر عودة الوسيط والصنم من جديد ، إن (إصلاح
ذات البين) ، يتأسس على هذا الوعي بأن هذا الفراغ لابد من سده ، وعملية الإصلاح هي
إصلاح لهذا الوعي الذي يسد هذا البين وهذا الفراغ ، ومن هنا ندرك كيف زلزل هذا
المنهج الإسلامي فكرة الشرك المنهجي ، أي ثنوية السماء والأرض ، وهذا المنطق
التركيبي للحقيقة ، فالله قريب من البشر :" {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي
عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ}186 /البقرة ، وعلاقة القربى تتأسس على المحبة ،
بل إن الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد:" {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ
وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ
الوَرِيدِ} 16/ ق ، وأن الله تعالى بذلك هو حاضر في وعينا لا نغفل عنه بل نذكره
كذكرنا آباءنا أو اشد ذكرًا :" {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ
النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ
مِنْ خَلاق}ٍ 200/ البقرة ، وهنا ندرك مفهوم الشهادة التي هي قدرة فائقة على تجاوز
هذه المشاهدة المنطقية أو هذه الرؤية المحدودة بالتاء المربوطة لا الرؤيا بألف
الإطلاق ، وتجاوز البصر إلى البصيرة ، أي أن نعبد الله كما جاء في الحديث الشريف
كأننا نراه ، فإن لم نكن نراه نؤمن أنه يرانا ، وقمة الإيمان هو الإيمان بالغيب ،
ومن ثم فإن الإيمان بالله الحق يقتضي أن نقارب هذا الإيمان بالإيمان بالحقيقة التي
فيها هذا الغيب ، أي المتحقق الذي ينفتح من خلال وعينا على الذي سوف يتحقق ، أي أن
الحضور ليس هو الحضور العيني في المحدود المنطقي الزمني ، بل هو القدرة على
استحضار هذه الحقيقة من خلال تذكر المتحقق ومن خلال تصورنا لما سوف يتحقق على سبيل
الإيمان الغيبي ، ومن هنا تأتي مهمتنا في قراءة التاريخ والوطن بمفهوم الأمة
الشاهدة على الوسط ، ففي كل مرة نملأ هذا الوسط فنحول دون الفراغ ، ونستشرف هذه
الشهادة فيكون الانفتاح على معنى الوطن ومعنى التاريخ .












