نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
تزييف الوطنية

بقلم : أ.د مهدي امبيرش

 إن البحث في ماهية التاريخ يجعلنا منذ البداية ندرك أن التاريخ ليس هو المتحقق ، وهو هذا السرد القصصي والروائي لحوادث الجمل التأريخية ، أو بالمصطلح اللساني ، الجمل الخبرية ، التي لا تختلف عن هذه الروايات التي نقرؤها ، سوى أن القاص لما يُعرف بالتاريخ في المتحقق يدّعي أن ما يقصه حقيقة تاريخية ، على الرغم من هذا التدخل في ملء الفراغ في الحوادث التاريخية ، هذه الحوادث التي هي أفعال متقطعة يلعب خيال الراوي أو القاص دورًا لتقديمها لنا ضمن منطق خارجي يبدو من الناحية الشكلية أنه متماسك ، وبذلك فإن قبول ما يسمى بالتاريخ ، والذي يقصد به عادة التاريخ أو المتحقق من التاريخي يحتاج إلى احتراس واحتراز شديدين ، إننا لا نتبنى هنا ما يطلق عليه بموقف الشك الديكارتي ، ولكن عملية التحقق والتحقيق هي أشبه بما تقوم به أجهزة الأمن من التحقق والتحقيق في الحوادث بما في ذلك الجرائم التي تقع كلها ضمن منطق الجملة الخبرية ، مع التأكيد أنه على الرغم من تطور الوسائل والأدوات والأساليب التي تمكّن أجهزة الأمن من التحقق والتحقيق ، فإن نتائج هذا التحقيق أو الأحكام المنطقية التي تصدرها الهيأة القضائية تظل مفتوحة دائمًا على الاستئناف ، أي في مقدور المحققين أن يعيدوا التحقيق إذا بدت شبهة ، مثلما تعيد الهيأة القضائية من خلال الاستئناف البحث من جديد فيما يسمى بأركان القضية التي هي أركان الجملة الخبرية في معجم اللسانيات ، يضاف إليها الأحكام المعيارية .

 

من هنا فإن ما أشرنا إليه في المقالة السابقة حول مبدأ الهُوية (Principal of i     (dentity)  يحتاج منا إلى إعادة قراءة ، لأنه يرتبط بشكل مباشر بسؤال ما التاريخ ، وما الوطن ، ونحن نعالج ضمن المنهج الثوري التقدمي هذين السؤالين وغيرهما من الأسئلة الماهوية ، وكما هو معروف فإن الفكر الأوروبي المعاصر خاصة بعد ظهور هذه الأشكال الاصطناعية التي يطلق عليها ((Nations وهي أشكال خرجت للتو من المنطق التركيبي الإمبراطوري ، الروماني الجرماني ، وهو منطق فرض نفسه على الميراث الفكري والثقافي الأوروبي والانجلوأمريكي ، حيث إن ما يعرف بالمركّب الأمريكي (American nation)  والتي تترجم على غير دقة في العربية على أنها الأمة الأمريكية ، مع معرفتنا أن مفهوم الأمة يحيلنا إلى تكّون طبيعي وليس إلى تشكّل اصطناعي تركيبي ، إذ التكّون الطبيعي لجسد الأمة يخضع لمنطق عضوي ، أي لعملية تخلق خلوي حي وواع وإرادي ، في حين أن المركّب الاصطناعي يخضع لمنطق التركيب الجزئي الكلي ، وهو المنطق الذي تأسست عليه أطروحات هذه المركّبات الأوروبية بما في ذلك المركّب الانجلوأمريكي الذي يبدو أكثر وضوحًا ، هذه المُركّبات الاصطناعية تحتاج إلى منطق تركيبي بداهة ، وربما يلعب المتحد الواحد الذي هو بلغة المقدوني أرسطو ، الارغانون ، أي الشكل ، ولوغوس التركيب ، أو منطق التركيب الأساس لهذا التشكل الاصطناعي ، ومن ثم ندرك مفهوم الليبرالية ، والليبرالية هي محاولة استقلالية من مركّب أكثر شمولية ، ففرنسا على سبيل المثال ، هي مركّب اصطناعي وليس مكونًا طبيعيًا ، وسويسرا هي كذلك ، وانجلترا منذ بداياتها هي مركّب كيانين طبيعيين ، هما الأنجلو والسكسون ، إضافة إلى مكونات قومية طبيعية دمجت في هذا المركّب الاصطناعي ، ومن ثم فإن ما يطلق عليه بالحركات الوطنية في أوروبا ليست سوى حركات ليبرالية استقلالية على مستوى هذا المركّب ، وعلى مستوى المحتوى داخل المُركّب ، ولأن العلاقة ليست علاقة طبيعية فإنها تتأسس على المنطق المادي الفيزيائي ، أي على الاستقراء الذي يحكم بواسطته على الكل من خلال الجزء , وعلى القياس الذي هو الشمولية التي يحكم بها على الجزء من خلال الكل ، وهذا هو المنطق الذي يحكم ليس العلاقات الجماعية داخل هذه المركّبات الاصطناعية التي يطلق عليها (Nations)  فحسب ، بل ومنهج التفكير الليبرالي ، والذي يحاول أن يزيف الوعي من خلال ديموغوجيا إدعاء أن الاستقلالية والفردية هي الحرية ، وهو ادعاء لا يستوعبه حتى قاموس اللغة عندهم الذي يفرّق بين مفهوم  (Liberalism)ومفهوم ( Freedom) او في الألمانية( Freiheit)   فالحرية هي فطرة إنسانية يحاول الاستقلاليون الليبراليون أن يصادروها لمصلحتهم ، كما صادروا الكثير من القوانين الفيزيائية الحيوية ، كالعرض والطلب ، وهو قانون طبيعي يمكن أن يُجرى حتى على المخلوقات الحية الأدنى ، فالقطيع إذا كان هناك وفرة من العُشب نادرًا ما يتقاتل لكثرة العرض على الطلب ، ولكن إذا كان هناك قطيع من الغنم وقدم له بعض العشب ، أو بعض الماء فإننا نلاحظ هذا التدافع والتقاتل لقلة العرض ، ومن ثم تقدم الليبرالية نفسها بفضل مصادرة القوانين الفيزيائية المحضة والحيوانية على أنها علمية ، بل يمكن القول إن ما يحكم هذه الجماعة الليبرالية داخل هذا الشكل الاصطناعي سواء التجزيئي المدى الليبرالي ومركّب الـ ( Nation) أو الشكل الاصطناعي الشمولي (التوتاليتاري) ، مثل المركّب الاصطناعي الشيوعي ، والمركّب الاصطناعي الانجلوأمريكي الذي يقدم نفسه اليوم على أنه (العولمة) ، إن ما يحكم هذه الجماعات هو دوافع الغريزة ، أي الدوافع الحيوانية من خلال الاعتماد البراغماتية والنفعية والانتهازية ، مدعومة بقوانين الارتباط الشرطي ، والفعل ورد الفعل ، والقوانين الآلية والأداتية ، وكلها تعمل على نـزع المعامل الموضوعي للفعل الإنساني الذي هو الوعي والإرادة .

 

إن هذه الأشكال الاصطناعية كانت تبحث وما تزال عن خطاب يبرر وضعيتها التركيبية ، ومن ذلك ما يطلق عليه بالعقد الاجتماعي ، أو على وجه الدقة بالعقد الجماعي ، حيث إن الاجتماعية هي وصف لعلاقات طبيعية وواعية وإرادية ، ومن ثم نفرّق بين الجماعات التي يضمها المركّب الاصطناعي الأوروبي الأمريكي ، وبين المجتمعات ، أي المكونات الطبيعية للأمم والشعوب ، بما في ذلك الأمم والشعوب الأوروبية قبل أن يتم هذا التشوه الذي حصل بفعل الهيمنة والإمبراطورية والنـزعات الانفصالية الفردية ، إن الأشكال الصناعية هي التي تحتاج إلى منطق تركيب ، وإلى خطاب تبريري ، وفي أكثر الأوضاع إلى خطاب ديموغوجي يزيف كما أشرنا الوعي ، فيصادر الحرية ويدعي حقوق الإنسان ، والدفاع عن الديمقراطية ، وهذا ما يقودنا إلى تعرية ما يسمى بالمبادئ المنطقية التي اعتمدت عليها هذه الأشكال الاصطناعية الأوروبية منذ بداية ظهور البرجوازية ، أي منذ محاولات الاستقلال على الشمولية الإقطاعية ، وهي الفترة التي يطلق عليها فترة الميلاد الجديد ، Renaissance))  والتي ترجمت إلى العربية على أنها عصر النهضة ، والتي كانت في البداية محاولة لإعادة أمجاد الإمبراطورية الرومانية في الهيمنة ، ولكن الجسد الإيطالي المرهق لم يتمكن من أن يعيد ولادة الإمبراطورية الرومانية من جديد ، فكان أن امتدت النـزعة البرجوازية الاستقلالية إلى باقي أوروبا ، وقد شاهد التاريخ الأوروبي معارك ضارية ، كان آخرها الحرب الأوروبية الأولى التي يطلق عليها تزييفًا ، بالحرب العالمية الأولى ، والحرب الأوروبية الثانية ، أو ما يطلق عليها بالحرب العالمية الثانية ، حيث كانت بلاد العالم مسرحًا لهذه المعارك المفروضة دون أن يكون لهم دور لا في قرار الحرب ولا في نتائج الحرب التي ما زالت الشعوب والأمم تدفع فاتورتها حتى اليوم .

 

من هنا فإن ماهية التاريخ تحتاج إلى توقف لمناقشة ما يسمى بمبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض الذي تأسس عليه الأشكال الأوروبية المعاصرة ، خاصة إن هذه التي يطلق عليها المبادئ تم تصديرها إلى شعوبنا كما تُصدر بضائعهم اليوم ، وجيش من الوسطاء يحاولون أن يقنعونا بسلامة الوصفات الأوروبية والأمريكية التي اتضح عجزها حتى على معالجة أمراضهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، بله أن تصلح علاجًا لمشاكل العالم ، إن ما يسمى بمبدأ الماهية لا يمكن أن نعتبره من الناحية الفلسفية مبدأ على الإطلاق ، ونقصد بالناحية الفلسفية طرح السؤال الماهوي حول الحقيقة التي هي أبعد من ما يطلق عليه بالدليل الأنطولوجي والفينومونولوجي ، والذي هو نتاج الفكر الخرافي القديم والأسطوري والميراث اليوناني والهلينستي الذي تأسس عليه منهج التفكير والفكر الأوروبي بعامة ، فالدليل الأنطولوجي (Ontology) ? يدخل ضمن منطق الموجود ، وليس منطق ، وهو يكشف النـزعة الفيزوقراطية والمادية في الفكر اليوناني والفكر الأوروبي على السواء ، فالفكر اليوناني وبدقة أكثر الإغريقي ، بدأ ماديًا فيزيائيًا ، وهنا نلاحظ أن مصطلح الفيزيائي لا يقابل مصطلح الطبيعي في العربية ، فالطبيعي في العربية لا يجرى على الفيزيائي أو المادي المحض ، إنه أبعد من ذلك بكثير ، فالحجر له طبيعة حجرية فيزيائية ، هي الطبيعة الحجرية ، والنبات له طبيعة حيوية ليست فيزيائية محضة ، لأنه يتخلق من خلايا ويتنفس ، ومن ذلك فإن طبيعة النبات ليست طبيعة الحجر ، وهكذا الحيوان والإنسان ، ومن ثم فإن مشكلة المنطق الإغريقي الأوروبي هو إجراء القوانين الفيزيائية المحضة على المخلوقات التي طبيعتها ليست فيزيائية محضة ، وعلى سبيل المثال ، إجراء علاقة الجزء بالكل في المركّب الفيزيائي أو الكل بالجزء على المخلوقات الحية المتعضية بما في ذلك الإنسان الذي هو أرقاها الذي يمتلك إضافة إلى النفس التي هي قوام منطق الأحياءBiology)  ) الروح ، وهي التي تجعل من الفعل فعلاً إنسانيًا ، يخرج عن قوانين الآلية (الميكانيكية ـ Mecha         ( nism) والأداتية Instrumentalism) المحضة والدافع الغريزية التي تتأسس عليها قوانين الحركة الإنسانيـة في الفكر الأوروبي ، وتجعل من فعله فعلاً يتأسس على الوعي والإرادة ، حيث نصفه بالفعل التاريخي .

 

إن ما يسمى بـ(مبدأ) الهوية (Principal of identity)  ) لا يمكن أن نقبل به على أنه مبدأ ، إن الخطاب الأوروبي هو الذي يجعل منه مبدأً يؤسس عليه منطق وقانون الوجود والحقيقة على السواء ، وقد أشرنا في دراسات سابقة إلى عدم التدقيق حتى عند المهتمين من العرب والمسلمين بين معنى الوجود ومفهوم الموجود ، أي بين حقيقة الوجود ومنطق الموجود ، حتى في الوجود الفيزيائي للأشياء ، فالخشب يدخل ضمن حقيقة الوجود ، أي حقيقة الخشب إلى نهاية الحياة ، في حين أن الكرسي المصنوع من الخشب هو دليل وجود الخشب ولكن ليس كل الخشب ، أي أنه الموجود الذي يدل على الوجود ، ومن ثم يرتبط الموجود بغيره من الموجودات التي توصف بالخشبية ، هذه العلاقة الخشبية ، فالعلاقة بين الطاولة المصنوعة من الخشب ، وهنا نلاحظ أن دلالة من تفيد في العربية الجزئية وما يطلق عليه بالجنسية ، وعلاقة الطاولة بالكرسي هي العلاقة الخشبية ، ومن ثم فإن ما يطلق عليه بمبدأ الهوية في الفكر الفيزيائي بعامة عدا الفكر المفارق كالنـزعة التجريدية الأفلاطونية ، يرى أن الحقيقة هي الشيء في ذاته ، ويضاف أحيانًا إلى هذا التعريف بالشيء لذاته ، أي أنه يبحث في الشيء ، ويجعل الشيء هو المتشيأ ، أي أن الميتافيزيقي الذي يتجاوز الفيزيقي ليس مفارقًا على أنه الحقيقة الأفلاطونية ، بل هي ميتافيزيقا الفيزيقي نفسه ، وهذا هو الذي جعل مناطقة الوجود المعاصرين من أمثال أدموند هوسرل 1859-1938 يتحدث عن الـ(Da sein) ) أي حقيقة الموجود التي هي ذات الوجود في الهناك ، وهذا ما جعل هوسرل يخطئ في التفريق بين مشروع الفلسفة الذي يبحث في حقيقة الوجود الماهوي وبين المنطق الذي يتحقق من الموجود ، أي أن هوسرل يريد أن يجعل الوجود الماهوي ، أي حقيقة الشيء هي ذاتها حقيقة المتشيأ ، وبذلك يمكن أن نفهم المُركّب (Identity) أي الـ ( Entity) بما هي الـ ID) ) أي حقيقة وجود الهو ، وهنا تبدأ المغالطة في فهم الحقيقة ، واعتماد المادية على منطق الاستقراء والقياس ، وعلى التفكيك والتحليل والتركيب ، وعلى اعتبار التجريبية هي معيار الحقيقة ، واعتماد الوضعية والواقعية والبراغماتية ، أي كل ما لا يخضع للتجربة هو ليس حقيقيًا ولا علميًا ، ما دامت الحقيقة هي هذا المتموضع والواقعي والعملي ، وهنا تبدأ مصادرة الحقيقة والعلم والعمل والحرية ، أي تقديم المعرفة على أنها العلم ضمن المنطق أو اللوغوس ، أي اعتبار الـSociology)  ) الذي هو منطق التركيب الجماعي ، علم الاجتماع ، ومنطق الأحياء         (Biology)  على أنه علم الحياة ، وهكذا الأمر الذي يعيدنا إلى اللوغوس التركيبي في منطق الكنيسة الكهنوتي الذي كان يعتمد المسيح ? اللوغوس التركيبي ، وهو ما صرح به يوحنا في إنجيله الذي صاغه بالقول :"في البدء كان اللوغوس ، وكان اللوغوس عند الله ، ثم صار اللوغوس الله" ، واللوغوس هو الذي ترجم على غير دقة في العربية على أنه الكلمة ، حتى أننا نجد البعض حتى من المسلمين يردد دون معرفة مقولة :"في البدء كانت الكلمة" ، إن يوحنا لا يتكلم عن مؤنث بل يتكلم عن السيد لمسيح ، الذي يعتبره كما اشرنا المنطق التركيبي ضمن الأرغانون وهو ما يعيدنا المنطق الخرافي والأسطوري في الشرق القديم ، وفي محاولة ضمن ما يسمى بمبدأ الهوية في تقديم الحقيقة في ذاتها ، أي الحقيقة بما هي غيب ومطلق في المتجسد بما هو متعين وحاضر .

 

إن هذا الخلط هو الذي أوجد في الفكر الأوروبي مشكلات حادة وعميقة في علاقة الإنسان بالحقيقة وعلاقة الإنسان بالمتحقق ، وإذا كان التاريخ الإنساني هو تاريخ علاقة اجتماعية واعية وإرادية ، فإن هذا المنطق المغالط هو الذي أنتج لنا هذه الأشكال الأوروبية التي تعتمد على منطق التفكيك ومنطق التركيب ، وتقديم الحقيقة على أنها الشيء في ذاته بعد أن يختزل الشيء في المتشيأ ، والحقيقة في المتحقق ، والعلم في محدود المعرفة ، وهكذا ، وهو ما أنتج لنا هذه المصادرات وأوصل الفكر الأوروبي إلى أزمة المنطق المقفل وخطاب الموت والنهايات .

 

 

بقلم : مهدي امبيرش

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية