نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
صحتهم في الميزان

بقلم: مصطفى الزائدي

 ت.رايد مراسل وكاتب صحفي مشهور، له عدّة مؤلفات ومقالات كتبت في صحيفة نيوزويك الأمريكية وأورد في العدد الصادر بتاريخ 28  الفاتح 2009..  تقريراً عنوانه " لا توجد دولة للإنسان المريض".. يقول في مقدمته  " لتقييم مستوى تقدم الدول التي تلقي نظرة على نظم الرعاية الصحية بها ."

 

يبين التقرير: أن عشرات الملايين من المواطنين الأمريكيين لا يحظون بأية تغطية صحية ، الأمر الذي يؤدي إلى إفلاس أكثر من 700.000  مواطن سنوياً بسبب نفقات الرعاية الصحية، وإن أكثر من 22.000  أمريكي يموتون سنوياً لعدم تمكنهم من تلقي أي نوع من الرعاية الصحية؛ فالنظام الصحي الأمريكي يقدم الرعاية الطبية للأغنياء فقط ،فهم القادرون على تحمل تكاليف الرعاية الصحية التي تتضاعف باستمرار.

 

في لقاء للكاتب مع ماركوس ديفيس الناطق الرسمي باسم الجمعية الطبية الكندية ينقل عن ديفيس: إن أفضل نظام صحي في الدول المتقدمة يوجد في كندا حيث يغطي النظام كل المواطنين على حد سواء، لكن رايد ينتقد النظام الكندي.. ويوضح أن فترة الانتظار للحصول على الخدمات الطبية غير المستعجلة تصل إلى عدّة شهور ويبين أن إجراء فحوصات طبية أو تدخلات علاجية لآلام الكتف أو الركبة أو الظهر تتطلب فترة انتظار لا تقل عن  6 أشهر ومع اعتراف ديفيس بأن الانتظار الطويل مشكلة حقيقية لكنه يهون من ذلك لأن الجميع ينتظر سواء كانوا أغنياء أو فقراء .

 

أنا لا أهدف إلى تقديم دعاية مجانية لمجلة نيوزويك ولا للكاتب رايد.. لكني أدعو الجميع إلى الإطلاع على ذلك التقرير لما يحويه من معلومات مثيرة حول النظم الصحية في أهم الدول المتقدمة.

 

المهم في الأمر أن التقرير قد خلص إلى أن العالم يتخبط في إيجاد توصيف موحد لأهمية الرعاية الصحية وآلية تقديمها، حيث تعتبر في كثير من الدول المتقدمة نشاطاً اقتصادياً تجارياً يؤمِّن وسيلة لتحقيق دخول مناسبة للعاملين بالقطاع الصحي.. وتعتبر في دول أخرى أحد الحقوق غير الأساسية للإنسان، وتحاول بعض النظم الصحية إيجاد نوع من العدالة في تقديمها، لكن لا يوجد أي نظام صحي على المستوى الدولي يعتبر الرعاية الصحية حقاً أساسياً للإنسان يجب أن يتمكن الجميع من الحصول عليه بشكل متساوٍ وعادل ويسير تماماً كحق المعرفة من حيث الأهمية لتطور الإنسانية على أسس من العدل والمساواة.

 

المرض لا يفرق بين الناس والأجناس في اللون ولا الجنس ولا الأعراق والأعمار.. لا يعترف باختلاف الأديان.. والأيديولوجيات والحدود.. هذا يعني أن مقاومة المرض ينبغي أن تتعامل معه وفقاً للمعايير ذاتها.

 

إن ذلك يطرح أهمية تقديم تصور جماهيري لنظام صحي جديد يقدَّم للعالم لتحقيق حياة أفضل للإنسان، خاصة وأن الفكرة الجماهيرية تنطلق من بديهية أن الناس سواسية، وأن هذه المساواة أكثر وضوحاً في حالات المرض والموت. لقد رفعت منظمة الصحة العالمية شعار الصحة للجميع وبالجميع، لكنه شعار نظري لم يجد طريقاً للتطبيق، وبدراسة الإحصاءات العالمية حول الصحة، والاهتمام بها ستظهر أرقام مفزعة، أكثر من  %70 من السكان لا يتلقون الرعاية المناسبة، يقعون فريسة سهلة للمرض.

 

ارتفاع مضطرد ورهيب في تكاليف الرعاية الصحية بسبب اعتبار الرعاية الصحية مشاريع اقتصادية تخضع لمقاييس الربح والخسارة.. يتضح ذلك بالنظر إلى الدور الذي تلعبه الشركات التي يتعلق نشاطها بالصحة في إدارة أهداف وبرامج المشاريع الصحية وما ينتج عنها من ممارسة للاحتكار لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية..

 

قد يقول البعض: إن التنافس بين تلك الشركات كان سبباً في التطور الهائل الذي وصلته البشرية في مجال الصحة، ذلك قول قد يكون له ما يبرره؛ لكنه ليس صحيحاً بالمطلق.. ومنطق رفضنا له أن التقدم المذهل الذي حققته المؤسسات الحربية في العالم والتطور الهائل في إنتاج الأسلحة ناتج عن أهداف وأولويات الأنظمة السياسية وليس عن المنافسة الاقتصادية حتى إن البعض يقول: إن ما لحق الطب من تطورات إنما هو نتاج لما فاض من التطورات في المجالات العسكرية، والتي تقع في أغلب الأحيان تحت سيطرة مؤسسات الدولة حتى وإن استخدمت الشركات الرأسمالية كغطاء لها في بعض الأحيان.

 

أنا أدعو إلى نظام صحي محلي وعالمي يمكِّن من استخدام القدر المناسب من الموارد في تقديم رعاية صحية مناسبة للجميع. إن الأمر لا يتعلق فقط بإنتاج الأدوية والمعدات الطبية، بل يتعداه إلى إعداد الكوادر الطبية وغرس الروح الإنسانية فيهم، ونشر مؤسسات الرعاية الطبية وآلية تنظيمها وتطويرها.

 

وفي كل الأحوال لابد من الإشارة إلى أن ليبيا رغم كل ما يقال عن الخدمات الصحية بها وعن منظوماتها الصحية قد قطعت شوطاً مهماً في هذا الطريق؛ فالصحة متاحة للجميع وبالقدر الكافي، وإن حالة الوعي الصحي ارتفعت إلى درجة كبيرة مقارنة بالشعوب الأخرى، فصار المواطن الليبي يهتم بصحته وصحة أسرته ولا يتردد لحظة في طلب الخدمات الطبية حتى وإن اضطر إلى السفر إلى الخارج مهما كانت أسباب المرض، ومهما كان الثمن..

 

لا ينبغي النظر إلى المشاريع الصحية على أساس أنها مشاريع اقتصادية، بل هي مشاريع إنسانية تقدَّم للأفراد لكنها ذات مردود عام..

 

ولا ينبغي أن تبهرنا الدعاية حول مستوى الرعاية الصحية في الدول المتقدمة.. نعم هي راقية ونوعية فقط للأغنياء، لكنها معدومة في أغلب الأحيان للفقراء الذين هم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض.. النظام الصحي العالمي في أزمة حقيقية ونحن نمتلك الجرأة والمقدرة والفكرة على تقديم الحلول..

 

 

بقلم: مصطفى الزائدي

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية