بقلم: د. عبد السلام الطيف
لقد كشفت أحداث غزة عن مجموعة من الحقائق المؤسفة التى باتت واضحة وضوح الشمس رغم محاولة الكثيرين لإخفائها وهذه الحقائق هي :
الحقيقة الأولى:إن هناك مؤامرة دولية أطرافها عرب وقوى أخرى ومنظمات دولية، تتمثل في تصفية القضية الفلسطينية وتحقيق الأمن الكامل والوقائي لاسرائيل .
الحقيقة الثانية: هي مأساوية النظام الدولي وعجزه أمام صلف وجبروت قوة الشر، أمريكا وإسرائيل، فلقد فشل مجلس الأمن في إصدار قرار ملزم لوقف إطلاق النار واتخاذ أي إجراء فاعل يوقف الهجمات البربرية.
الحقيقة الثالثة: هي تفرد أمريكا وإسرائيل بالعالم وممارسة الهيمنة عليه وترويعه في كل مرة يريد أن يستعيد قوته وإرادته.
الحقيقة الرابعة: تخاذل النظام الرسمي العربي وانهزامه أمام العدو الصهيوني والأمريكي بسبب ما قامت به أمريكا وإسرائيل من ترويع لشعبنا في فلسطين ولبنان والعراق.
هذه الحقائق اختزلتها، بل أكدت عليها قمة شرم الشيخ التي انعقدت بعد إعلان إسرائيل وقف إطلاق النار من جانب واحد.
لقد أبرزت قمة شرم الشيخ أن إمعان إسرائيل في التنكيل والبطش بالشعب الفلسطيني في غزة ليس سببه صواريخ المقاومة ولا تواجد حماس في غزة. كان على إسرائيل أن تدرك أن الأسلوب العصري والحضاري الذي ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة هو اللجوء إلى الحل الدبلوماسي والسلمي لا إلى الوحشية والعنف، لكنها وبتشجيع من حلفائها اختارت كل ما يخالف ميثاق الأمم المتحدة وهمشت المنظمة في القضية وما موقف الأمين العام للمنظمة في قمة شرم الشيخ إلا دليل على ذلك .
إن السبب الرئيسي في كل هذا هو خلق ظروف مناسبة يسمح لأصدقاء إسرائيل وحلفائها التحرك من خارج الأمم المتحدة وذلك لدمج الكيان الصهيوني في أنشطة فضاء المتوسط وذلك بسبب عزلها بعد حرب 2006 وهزيمتها أمام حزب الله. لقد جاء ذلك صريحا في كلمة رئيس الوزراء البريطاني الذي دعا إلى إقامة دولة فلسطينية تعترف بإسرائيل ليتضاعف عدد الدول التي تعترف بإسرائيل والتي بلغت إلى حد الآن 59 دولة وهو رقم غير كاف لإضفاء الشرعية الكاملة على وجودها.
كذلك فإن موافقة الجميع على تأمين وقف إطلاق الصواريخ لا على الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة يؤكد هذه المؤامرة. أما موقف الأمين العام فقد كان محتشماً إلى درجة أنه لم يستطع أن يدين هذا العدوان الغاشم واكتفى بالتأسف.
وهو تحول أولي في دور الأمين العام للأمم المتحدة وتوريط المنظمة في هذه المؤامرة. أما موقف الزعماء الأوروبيين فلم يكن إلا في إطار إرضاء إسرائيل والتأكيد على دعمهم لها، والدليل على ذلك هو توجههم بعد انتهاء القمة، مباشرة إلى إسرائيل لتقديم عربون الصداقة والتضامن معها.
هذا يبرهن على الحقيقة الثانية المتعلقة بفشل النظام الدولي، حيث أصبح دور المنظمة هامشياً وتحول من دورها كحافظ للأمن والسلم الدوليين إلى منظمة إغاثة ومساعدات إنسانية. لقد أكد هذا التحول الأمين العام في كلمته في قمة شرم الشيخ حيث تعهد بأنه سوف يكلف لجنة لتقدير حجم الخسائر ثم سيعمل بعد ذلك على إرسال المساعدات اللازمة للمنكوبين في غزة..
إنه تحول خطير في دور المنظمة الدولية حيث حلت الآن محل منظمة الصليب الأحمر الدولي والتي هي منظمة غير حكومية محايدة.
كان على الأمين العام للأمم المتحدة أن يتصرف بموجب الدور الموكل إليه بفعل المادة 99 من الميثاق وهو تنبيه مجلس الأمن إلى وجود انتهاك خطير وتهديد الأمن والسلم الدوليين فيطالب بإعمال الفصل السابع أو على أساس الفصل السادس بأن يدعو الجمعية العامة لاتخاذ إجراء للتدخل من أجل إقامة السلم عندما يعجز مجلس الأمن عن التدخل وكما حدث في حرب كوريا سنة 1955عندما أصدرت الجمعية العامة قرارا للتدخل تحت عنوان الاتحاد من أجل السلم وذلك بطلب من وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية. أو أن يفعل كما فعل هومورشولت عند تدخلت الأمم المتحدة في حرب الكونغو سنة 1960
إن هذا الضعف وهذا التحول ليس جديدا على الأمم المتحدة وعلى الأمين العام، فمنذ انهيار نظام القطبين وظهور ما يسمى بالنظام العالمي الجديد ، هيمنت أمريكا على القرار الدولي وتحول دور مجلس الأمن المتمثل في حفظ الأمن والسلم الدوليين إلى أداة للسيطرة على الشعوب الضعيفة. أما الدول المعربدة مثل إسرائيل والدول الكبرى فإن قرارات مجلس الأمن لا تطالها وأن دور الأمين العام هو تجاهلها والخضوع لها، وهو واضح في قرارات المجلس فيما يتعلق بالعراق ويوغسلافيا وغيرها من الحالات .
إن إصدار قرارات لحفظ الأمن والسلم الدوليين لم تعد من مهمة الأمم المتحدة وإنما من مهام إسرائيل والولايات المتحدة، فهما اللتان تقرران ما إذا كانت الحالة الموجودة تهدد السلم والأمن الدوليين أم لا، وأن وقف إطلاق النار وإيقاف الحرب، ليس من مهام المجلس والأمين .
ظهر ذلك واضحا عندما رفضت إسرائيل قرار مجلس الأمن رقم 1860 بشأن وقف إطلاق النار في غزة وذهبت وزيرة خارجيتها إلى نيويورك للالتقاء برايس وتم التشاور على وقت إطلاق النار بعد أن تم التوقيع على اتفاقية تتعهد فيها أمريكا بضبط المعابر نيابة عن مصر كشرط لوقف إطلاق النار في غزة، ثم بعد ذلك أوقفت إسرائيل النار من طرف واحد دون الإشارة إلى قرار مجلس الأمن رقم 1860 من قريب أو من بعيد.
هذه المواقف تؤكد أن أمريكا وإسرائيل يتصرفان خارج نطاق المجتمع الدولي ويدل على أنهما لا يعيران اهتماما لقرارات مجلس الأمن ولا لسيادة الدول الأخرى فهما يفعلان ما يريدان بأمن العالم و أراضي الدول المستقلة ومقدرات ومصير الشعوب الأخرى .
إن الاتفاق الذي عقد بين إسرائيل وأمريكا بخصوص ممارسة اختصاصات على معبر رفح هو اتفاق مخالف لقانون المعاهدات الدولي حيت أنه لا يجوز أن تحل دولة محل دولة أخرى و تنوب عنها في ممارسة اختصاصات تهمها إلا إذا كانت دولة تحت الحماية أو الوصاية ، وان وقف إسرائيل لإطلاق النار من جانب واحد يعني أنها لا تعترف بوجود حماس القانوني أو حتى وجود السلطة الفلسطينية أو الأمم المتحدة ... إن غياب إسرائيل و والولايات المتحدة عن قمة شرم الشيخ له مدلولاته ومضامينه. إنه يعنى أن الأمريكان و الإسرائيليين يقررون و أن حلفائهم يباركون هذه القرارات ويدعمونها ليس لإضفاء الشرعية عليها و إنما يؤكدون قاعدة التابع و المتبوع . ولقد برع العرب في تأكيد وتجديد هذه التبعية، فالدعوة إلي قمة شرم الشيخ التي باركت مواقف أمريكا وإسرائيل كانت من حاكم عربي ، وكان أحد روادها أمين الجامعة العربية .
هذا يدل على أن العرب لم يعد لهم أي وزن أو أي وجود.
هذا يؤكد على الحقيقة الرابعة وهي تخاذل النظام الرسمي العربي ، فلم يستطيع العرب عقد قمة بسبب الضغوطات التي مارستها الدول الغربية خاصة أمريكا على الدول العربية .
إن تخاذل العرب أمام ما قامت بها إسرائيل من انتهاك صارخ لحقوق الإنسان في غزة واختراق للقوانين والأعراف الدولية والأمن و السلم الدوليين وحماية الإنسان من الآثار المدمرة للحروب وحق الشعوب في تقرير مصيرها ووقوفها متفرجة على شعب آمن من شعوب الأمة العربية ، وهو يتعرض للعدوان والإبادة، لدليل على أن الغالبية من الزعماء العرب قد روعهم و أرهبهم ما قامت به أمريكا من استهداف لدول وحكومات كانت قائمة. إن استهداف أمريكا (بوش) للحكومات التي تنتهج سياسة لا تخدم المصالح الأمريكية في إطار ما يدعيه ذبا من إقامة للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان خلق شعورا عاما لدى الحكام العرب من أن أي مساس بإسرائيل هو تهديد للديمقراطية وحقوق الإنسان و أن من يفعل ذلك سيتعرض إلى ما تعرض له صدام حسين، وبالتالي عليهم الحفاظ على أمن إسرائيل وحماية المصالح الأمريكية في المنطقة. إن الدليل على ذلك هو أن كل الاعتداءات من إسرائيل أو أمريكا على الدول العربية برر بعدم احترام هذه الدول للقانون الدولي ولحقوق الإنسان.
لذلك يجب على العرب عدم عقد أي قمة تتخذ قرارات تتناقض مع أمن إسرائيل ويجب عليهم الذهاب إلى مجلس الأمن (بالطبع مجلس أمن أمريكا وإسرائيل) لكي تتم موائمة تطلعات العرب مع ما يقتضيه سلام وأمن إسرائيل فقط.
كان على الأمين العام أن يلفت نظر المجلس إلى أن هناك في الميثاق مادة تنص على حق المنظمات الإقليمية في اللجوء إلى القوة إذا ما تعرض أمن أحد أعضائها إلى تهديد أو انتهاك وعجز المجلس عن معالجة ذلك فعليه أن يسمح للمنظمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة أن تتدخل لإيقاف ذلك العمل مثلما فعل بخصوص حلف الناتو عندما غض الطرف عن تدخل هذا الأخير في يوغسلافيا السابقة.
أخيرا أقول، إن قمة شرم الشيخ التي جاءت تتويجا لأحداث غزة اختزلت ما عليه صورة المجتمع الدولي فيما يخص موقفه من القضية الفلسطينية في الآتي: دول تنفذ مؤامرة التصفية، ودول تبارك وتدعم مخططات أمريكا وإسرائيل، ودول تتفرج على المسرحية، ومنظمات تتحول من منظمات ترعى السلم والأمن الدوليين إلى منظمات للشجب والإدانة والإغاثة والمساعدة الإنسانية والتبعية والخنوع، انه تحول خطير في مهام المنظمة الدولية يؤكد فشل فشلل النظام الدولي.
عن صحيفة قورينا












