بقلم :زيد ابوزيد
يدعي الساسة الصهاينة أن الكيان الصهيوني هو واحة للديمقراطية في الشرق الأوسط، كما يدعي أسيادهم في الولايات المتحدة الأمريكية أنَ نموذجهم الديمقراطي هو المعبر الحقيقي عن الديمقراطية وأنَ الحرية تتجلى بأفضل صورها فيه ،ونحن إذ نستهجن سياساتهم ومواقفهم السياسية نقول بحيادية تامة أن ديمقراطيتهم مختلة،وأن نماذجهم نماذج قمع واستبداد لأن الحكم والسلطة والتسلط مفاهيم ذات دلالة وارتباط كبير بمصطلح الديمقراطية ،و الديمقراطية الحقيقية إن تحققت في مجتمع ما فلابدَ أن يسود العدل فيه ،وهذا لا ينطبق بالتأكيد على النموذجين سابقي الذكر،لأن الديمقراطية وإن انطبق عليها الوصف العربي البليغ "السهل الممتنع"، ولكن من السهولة التحقق من طبيعة نماذج الحكم السائدة بحكم نتاجاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية،و إذا كانت الديمقراطية تعني حكم الشعب من اندماج كلمتين من اللغة اليونانية القديمة،فلا شك ان لهاتين الكلمتين اليونانيتين دلالات تتعديان عدد حروفهما بكثير ، وبخاصة أن كل من كتبوا عن الديمقراطية اتفقوا على تعريف واحد يقترب من معناها الحرفي الذي يقر أن الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب وللشعب ، ولكن الصعوبات تظهر عندما نغوص في أعماق هذا التعبير ، لنصطدم بعدة تساؤلات أساسية ، عن ماهية الشعب الحاكم ، ومن هذا الشعب الذي سيكون من أجله الحكم ، وكيف يمكن أن يكون الحكم بالشعب وللشعب ؟، وهنا يبرز الاختلاف وتتعارض المدارس الفكرية والاجتماعية حيث يعطي كل منها للديمقراطية معاني ومضامين مشتقة من منطلقاته الأيديولوجية، وهو ما أدى بالتالي إلى ظهور عدة صور للسلطة وللحكم و للحكومات .
ومن هنا فإن بعض المفكرين عندما ينا قش النموذجين السابقين ،وانَ قانوناً كقانون الوطنية الأمريكي الذي أقره الكونجرس الأمريكي بعد أيام فقط من أحداث 11سبتمبر/أيلول 2002 يصادر حرية الأفراد والجماعات ويسمح للحكومة بالتصنت على اتصالاتهم الهاتفية دون إذن، إلى جانب الاعتقال للشبهة وفتح معتقلات ذات طبيعة استعمارية وحشية كغوانتنامو،كما وأن مجازر قانا ودير ياسين واغتيال غزة، لا يمكن ان يقنع أي متابع بأن هذه السياسات تعبر عن أنظمة ديمقراطية وأن هذه الوحشية لها تبرير، فيردون عليك إن مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني فوق كل اعتبار، وهذا يبرر أي إجراءات وأي قرارات متخذه والاستنتاج الذي نتوصل إليه ان هذه النماذج وانْ أصبحت متوحشة كأنظمة رأسمالية امبريالية فهي جزء لا يتجزأ من فكرة الديمقراطية الليبرالية بشكل عام.
و الاختلاف بين التطبيق والفكرة المجردة ،ليس مجالاً للمناقشة في الأنظمة الليبرالية ،إذ تبرز مقولة الكاتب الفرنسي جورج بوردو في كتابه عن الديمقراطية في أن الديمقراطية ترتبط فكرياً وعملياً بفكرة الحرية، والحرية هي التعبير الخارجي عن الإرادة، والديمقراطية هي التعبير القانوني عن استعمال الحرية الجماعة الإنسانية ، ومن ثم فإن الحرية لا تنفصل عن الديمقراطية،ونماذج الحكم الليبرالي بشكل عام أثبتت غير ذي مرة تجاهلها لرغبات الشعوب "وأقول رغبات لأن آليات الحكم لا تسمح للشعب كل الشعب اتخاذ القرارات في هكذا أنظمة".
وإذا كانت الديمقراطية بصورتها المثالية يمارس فيها الشعب الحكم بغير وساطة أجهزة أخرى أي مباشرة ،كما هو مطبق في الجماهيرية العربية الليبية تطبيقاً للنظرية العالمية الثالثة، حيث يشارك الشعب في صنع الإرادة العامة واتخاذ القرار وتنفيذه من الشعب ،فإن نماذجهم تقوم على وجود ممثلين عن الشعب مستقلين عن ناخبيهم يتخذون القرارات بعزل عن قواعدهم الشعبية ، بل أن الفائزين في عضوية هذه المجالس ليس بالضرورة هم ممثلي الكتلة الأكبر بل هم ممثلي ائتلاف كتل نيابية تتفق بغض النظر عن برامجها على الحكم تقاسماً للسلطة على حساب أفراد الشعب الذين بالتأكيد أن ممثلي بعضهم سيكونون خارج حسابات هذه المجالس لأربع أو خمس سنوات قادمة إلى جانب اثر من نصف المجتمع الذي لم يصل لهم أي ممثلين إلى قباب البرلمانات المصطنعة بعمليات جراحية في معظمها ستتواجد في غرف إنعاش طبي لتعرضها لهزات الفساد وغيرة على مدار فترات التمثيل.
وحتى النماذج الليبرالية الحديثة كالنموذج السويسري - نظام الجمعية-، و النموذج البريطاني –البرلماني -،و النموذج الرئاسي الفرنسي لم تتجاوز بأي حال من الأحوال عقدة النيابة عن الشعب ، بل أن جاك لندن في كتابه العقب الحديدية يتحدث ان هذه النماذج لن تقبل ان تفرز نماذجها للديمقراطية كتل فائزة ببرنامج غير البرنامج الرأسمالي،حتى لو أدى ذلك إلى حرب أهلية ، فديمقراطيتهم ذات لون واحد وطعم واحد ورائحة واحدة وانْ كانت نتِنه.فهذا النوع من السلطة - ونقصد بها الديمقراطية غير المباشرة إن جاز لنا تسميتها بذلك - يحد من الحرية، فالحكومة في النظام الليبرالي يفرزها الحزب الذي ينجح في الانتخابات، فهي حكومة حزبية أي حكومة الأغلبية الحزبية، وليس كما يدعي البعض بأنها حكومات برلمانية، وأن التعددية الحزبية وصراعها من أجل السلطة قد جعل من البرلمان مطية للوصول إلى السلطة.
وبعض دساتير الأنظمة الليبرالية تمنع الجمع بين البرلمان والحكومة مثل فرنسا إلاّ أن جميع الوزراء ينتمون إلى الحزب السياسي الفائز الذي يشكل أغلبية حزبية داخل مجلس النواب الفرنسي، وهكذا فالصراع بين أحزاب المعارضة وأحزاب الأغلبية هو صراع على السلطة، والبرلمان هو ساحة هذا الصراع. ولكن واستنادا إلى ما بينته مسيرة الاقتراع العام في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ودول أوروبا في الماضي من إشكاليات بنيوية في هذه الأنظمة وأنها لا يمكن أن تكون بديلا يحتذي به ، بل أن هذه الأنظمة قد تأخرت ولعقود بعد ثورات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في إعطاء المرأة حق التصويت.
كما وأن الديمقراطية الليبرالية حاولت جعل نموذجها السياسي أكثر فاعلية بإعطائه أبعاداً جديدة ، كالإصلاحات الاقتصادية وتحسين بعض قوانين العمل ، وصياغة بعض القوانين الاجتماعية التي تريد من ورائها إعادة رسم الواقع التلفيقي بواقع أكثر تلفيقية،ولكن الهيمنة الأيديولوجية لفكر اليمين الرأسمالي والانتصار المؤقت لنموذج العولمة الأمريكية وامتداده جعل من البديل الآخر أكثر بعداً وأكثر صعوبة من الناحية الواقعية في ظل توازن القوى العالمي الحالي والحروب الأستباقية والتدخل الأميركي في شؤون الدول الأخرى كما حدث في العراق وأفغانستان .
ان تسويق مفاهيم الليبرالية الجديدة والأفكار والظواهر الناجمة عنها بواسطة ثورة الاتصال والأعلام الفضائي والانترنيت ، لعب دورا كبيرا في جعل الديمقراطية الليبرالية هي الخيار الوحيد والممكن في المرحلة الراهنة في نظر الجميع بما في ذلك قطاع واسع من (الماركسيين ) ، ورغم ذلك نقول أن ذلك لا يلغي الخيار الجماهيري الإنساني الديمقراطي كونه ما يزال البديل الوحيد الممكن لتحقيق الديمقراطية والحرية على مستوى العالم.
فالديمقراطية الليبرالية المتبعة في العالم الغربي والولايات المتحدة الأمريكية ، والمأخوذ أجزاء منها في بعض دول العالم الثالث ، وبشكل أكثر تشويهاً بكثير من النموذج الأصلي ، تحقق في معظم الأحوال مصالح الأطراف الأقوى اقتصاديا في المجتمع، ويتجلى ذلك بشكل واضح وجلي في الولايات المتحدة حيث يمثل البرلمان ( الكونجرس ) مصالح الرأسماليين وكبار الملاك والصناعيين والمدراء والشركات الكبرى ،ومهما تحدث منظرو الديمقراطية الليبرالية سواء من الليبراليين الجدد أو من "الماركسيين" المنحدرين إلى جنة الديمقراطية الليبرالية عن حسنات الديمقراطية الليبرالية والطابع العام والشامل لها وعن حق الانتخاب للجميع.. فأن ممارسة الديمقراطية ستظل مرهونة بطبيعة المصالح، وسوف تخضع لمؤثرات موازين القوى السائدة.
ويتضح لنا باختصار قابل للفهم بأن الحكومات في أوروبا جميعها حكومات حزبية، والمجالس البرلمانية عبارة عن تجمع للأحزاب والمال هو المحرك الرئيس في هذه اللعبة، فقوة المال في المجتمع الرأسمالي تضغط وبشكل مستمر باتجاه تشكيل أحزاب سياسية، بل وتضغط على الرأي العام كله من خلال وسائل الإعلام، فالمال هو اللاعب الأول في المسرح السياسي، وفيه يتم التحكم بتشكيل وبلورة إرادة الناخبين، وبذلك تعكس الحكومات والبرلمانات السيطرة الاقتصادية في المجتمع.
رغم أن المنطق يقول أن السيادة واجبة للشعب، لا يختص بها فرد أو طبقة، وكل القرارات يشرعها الشعب، تطبيقاً لمبدأ الحكم المباشر،وهذا ما طرحته
النظرية العالمية الثالثة ،التي لم تقدم نفسها حلاً وسطاً بين النظريتين الماركسية والرأسمالية، وإنما هي استجابة لمرحلة تاريخية عليا في حياة الشعوب ، وليست ثمة ما يحول دون تطبيقها في كل المجتمعات، أياً كان مستواها الاقتصادي أو إمكانياتها المادية ، وذلك لأن الشعب وهو يملك السلطة ويحكم نفسه بنفسه، ويستطيع تشييد حضارته تشييداًِ سليماً مادام سبيله إلى هذا الغرض تمليك السلطة للعموم"عموم الجماهير" وليست لطبقة منها .
و الديمقراطية المباشرة في النظام الجماهيري مجموعة مؤسسات شعبية مؤلفة أو مشكَلة على نحو يجعل الجماهير بمختلف قطاعاتها تمارس السلطة السياسية كما تمارس الإدارة، بغية تنفيذ القرارات ، وهكذا تجتمع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بيد الشعب ، فتندثر بذلك الأجهزة التسلطية التي تخلقها الليبرالية للتضليل، كالمجالس النيابية والحكومات التقليدية ....الخ.
إن النظرية العالمية الثالثة التي تنبعث من الفضاء العربي الإفريقي قد تقود إلى بناء حضارة جديدة، هي حضارة لم تكن مقصورة على الشرق ، أو العرب،الإفريقيين، أو على المسلمين ، إنما هي مشروع نفع للبشرية،فالكتاب الأخضر موضوع لكل الشعوب مهما كان دينها ومعتقدها ، وليس من تعارض بين الدين والإيمان في الكتاب الأخضر ، ولكن ليس هناك أيضاً ما يُستنتج ويعتمد على الدين، فالكتاب الأخضر ليس بديلاً للرسالة ، ولكل منهما مجاله ،والكتاب الأخضر هو الخط الأخير لإصلاح المجتمع العربي ، وهذا الإصلاح يسمح للبلاد العربية بأخذ مكانتها بين الأمم ، مع الحفاظ على ملامح شخصيتها.
أما عن الحقوق والعدالة الاجتماعية، فالنظام الجماهيري كما تعبر عنه النظرية يعلن عن حقوق الشعب بأسره وحرياته العامة ويقدم الضمانات الفعلية الكافية التي تتيح على وجه الدقة التامة إمكانات التمتع بها ، فهذه الحقوق والحريات ليست نظرية وحسب ولكنها في الواقع حقيقية لأنها مكفولة بوسائل تحقيقها فعلاً ، وبذلك وضعت النظام حداً لمخاوف المواطن في أن يصبح فيجد نفسه ذات يوم محروماً من وسائل المعيشة والرزق،لقد تحول مركز الثقل والجاذبية من الاعتراف الشكلي بالحقوق والحريات إلى ممارستها ممارسة حقيقية، ، فكل مواطن يتمتع بحق العمل لنفسه وبالتعاون مع الآخرين ، ويتمتع بحق التعليم ، لأن المعرفة حق طبيعي لكل إنسان ، والمجتمع يكفل ذلك بصورة عملية ، والحريات بكل صورها مصانة بتناغم شديد بين الفرد والمجتمع .
أما العرب وهم يدخلون عاماً تاسعاً بعد الألفية الثانية،بتاريخ مهزوم وفعل متهالك سياسياً واجتماعيا واقتصادياً، بفعل حجم تردي الوعي السياسي والابتعاد عن فن التعامل مع هذا النظام العالمي الذي يندفع بكل قوته لإدانة كل منطقتنا ليس بالتخلف والتحجر، بل بالإرهاب ضد الإنسانية والحضارة البشرية ، وفي دواخلنا العربية، خواء في المؤسسات وتكلس في المفاهيم، لا نعرف حتى يومنا هذا اي سبيل للمشاركة في الدفاع عن المصالح المشتركة العليا، و ليس لدينا أساليب لا في التجمعات، كمؤسسة الجامعة العربية ، ولا في التشاورات الثنائية والثلاثية ، ولا في تبادل المصالح علي مستوي مؤسسات المجتمع المدني، ولم ندرك قيمة حقوق الإنسان . هذا في حين ان شعوبا ومجتمعات أخرى في العالم اجمع تعمل اليوم بتطوير جملة هائلة من الآليات والأساليب من اجل التشاور والتكتل ضد الهيمنة أولا.. ثم أنها تتفاعل في دواخلها بتطوير الوعي بما سيصيب العالم من هزات اقتصادية وسياسية كتلك التي أفرزتها حالات الانفصام بين عالمي الشمال والجنوب، ناهيكم عن السلطة والتنافس الديمقراطي، ولعل أهم ما يمكن التفكير فيه عند العرب يكمن في كيفية التوصل إلي الديمقراطية في ظل الظروف التي يعيشونها اليوم ثم كيفية الحفاظ عليها في وحدات اجتماعية لا تدرك معانيها بعد، فكيف بممارستها.
من هنا نعيد التأكيد على المستوى السياسي العودة للمطالبة الشعبية ومن مؤسسات المجتمع المدني كأدوات ضغط على النظام الرسمي العربي للإنظمام إلى الفضاء الإفريقي مشكلين فضاءاً عربياً إفريقياً قادراً على الحياة في عالم لم يخلق للضعفاء فقد خسر العرب وقتاً ثميناً من تاريخهم ، وعاشوا واقعاً مراً ، لا ننكر صعوبة تغييره.
إن العرب اليوم بحاجة إلى الاحتذاء بأول ثورة ديمقراطية في التاريخ، وهي الثورة الليبية، التي مثلت نظريتها الموهوبة للبشرية أنموذجا على الصعيد الثوري والسياسي من أجل التغيير نحو الأفضل.












