اتسم عهد الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته بوش الصغير في الشرق الأوسط إستراتيجياً في اعتبارات محدده أبرزها:-
1. تأمين إمدادات النفط بأسعار معقولة،بما يخدم عجلة الاقتصاد الأمريكي.
2. حماية أمن واستقرار الكيان الصهيوني،وجعله الأقوى والأكثر نفوذاً في المنطقة.
3. تغيير الجغرافيا السياسية والثقافية والتربوية في المنطقة، بتعديل المناهج والمقررات الدراسية، وتسويق خطط التجزئة والتفتيت وإثارة الحروب الأهلية والطائفية.
4. تشكيل خريطة المنطقة كجزء من عملية تغيير الخريطة الكونية لإتاحة الفرصة أمام الولايات المتحدة لممارسة دور "الإمبراطورية المهيمنة" على النظام الدولي.
وعلى ذلك فقد بنت الولايات المتحدة الأمريكية إستراتيجيتها تجاه المنطقة على أساس أنَ تعرض إمدادات النفط وأمن الكيان الصهيوني لأزمة ما أو تهديد ما سيكون كفيلا بدخول الولايات المتحدة حرباً دفاعا عن أي منهما، من هنا كانت الحرب على العراق واحتلاله،ومن هنا كان الهجوم على السياسة السورية والإيرانية ،وكذلك كان الدعم اللا محدود لاغتيال غزة ،وإباحة دم الشعب اللبناني في 2006.
ونتيجة للتداخل والتشابك بين القضايا،أخذت الساحة العراقية عنصر الحسم في القضايا السابقة ، ففي أزمة العراق يتواجد النفط، وأمن الكيان الصهيوني أيضا ،و الولايات المتحدة علمت أن النظام العراقي السابق يمثل خطرا على تدفق إمدادات النفط بأسعار معقولة إلى أسواقها، كما أنها رأت في ما يمتلكه النظام العراقي السابق من أسلحة يمثل تهديدا حقيقيا لأمن الكيان الصهيوني، لا سيما أن العراق سبق أن قصف الكيان الصهيوني بالصواريخ إبان حرب الخليج الثانية، وقبلها بفترة محدودة كان الرئيس صدام حسين قد أطلق تهديداً بحرق نصف الكيان الصهيوني.
من هنا حشدت الولايات المتحدة قواتها و ضربت العراق، لتغيير النظام والتواجد المباشر على أراضيه ،ونصَبت نظاماً يمكنها من تحقيق أهدافها،وبنت لذلك اكبر سفاراتها على وجه البسيطة على أرضه بتكلفة وصلت إلى ثمانمائة مليون دولار أو يزيد؟؟
لقد كان العراق ،وما يزال هو ورقة الجوكر في السياسة الأمريكية،وأثبتت الانتخابات الأمريكية ذلك، فسوء إدارة بوش الصغير أودى بحزبه بعيداً ،وقضى على فرص ماكين بالوصول إلى سدة الحكم في البيت الأبيض لصالح الأمريكي من أصل إفريقي صاحب شعار التغيير أوباما.
لقد ضغطت الأوضاع في العراق على برامج مرشحي الرئاسة الأمريكية من خلال رؤيتها للحرب في العراق وموقفها تجاه إبقاء أو سحب القوات الأمريكية من هذا المستنقع الدامي, سيما إن كلفة الحرب أنهكت الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من حالة الانكماش باعتراف معظم الاقتصاديين واستنزفت من الخزينة أكثر من ثلاثة تريليون دولارا ومن المرشح أن تصل إلى(450) تريليون في حال استمرارها, إضافة إلى أكثر من(4) آلاف قتيل, وعشرة أضعافه من الجرحى وعشرات الآلاف من المرضى العقليين والنفسيين بين صفوف الجنود العائدين إلى بلاد العام سام،في ظل صعوبة قطف ثمار الاحتلال اقتصادياً بسبب عدم وجود الاستقرار.
هذا من ناحية الولايات المتحدة والقوى الدولية الكبرى، أما من ناحية الكيان الصهيوني، فالقضية مختلفة، وفي هذا السياق تعد الكيان الصهيوني الطرف الإقليمي الأول الذي رأى في ضرب العراق واحتلاله مصلحة إستراتيجية له، ولا يتوقف النظر الكيان الصهيوني عند حدود إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية أو تغيير النظام العراقي، بل تتجاوز ذلك كثيرا وتدخل في نطاق الرؤية الإستراتيجية لما بعد التغيير ووضع تصورات تقول بأن النظام الجديد في العراق، سوف يدخل منظومة التسوية السياسية كفاعل رئيس، حيث سيوافق على صيغة التسوية السياسية القائمة، ويدخل أيضا طرف في تنفيذها عبر تحول العراق إلى أحد أبرز ساحات التوطين كجزء من تسوية البعد الأصعب في معادلة التسوية السياسية وهو قضية اللاجئين.
ومع تغيرت وتبدل ساكن البيت الأبيض يتطلع العالم و ينتظر ملامح السياسة الأمريكية القادمة، أملا في التغيير العالمي، ، فقد شكل انتخاب أوباما تحولاً مهماً في السياسة الأميركية الداخلية والخارجية وتحولاً أهم في العلاقات الدولية، وأوباما وحده لن يغيّر العالم، وبالتأكيد لن يغيّر المنطقة العربية للأفضل ما لم يكن للعرب دور نشط وفاعل يهدف إلى إعادة صياغة العلاقات العربية - الأميركية برمتها، فقد كانت الماضية سنوات عجاف في هذه العلاقات، وألقت قسوتها بكثير من الضرر على منطقتنا العربية وعلى علاقاتنا بالولايات المتحدة بل وعلى ثقتنا بأنفسنا وبقدرتنا على التأثير في مجريات الأمور،كوننا جزءاً رئيسياً في هذه المشكلات ،وبما يعني أيضاً أننا جزء من الحل، أو على الأقل أنه لا حل لأي من هذه المشكلات من دوننا كعرب،و هذا في حد ذاته يعطينا القدرة على التفاوض على شكل الحل في كل القضايا ، ما لم نقرر بالطبع أن نقنع بالسلبية كأسلوب حياة، وهذا ليس خياراً عاقلاً.
و ليس مقبولاً أن ننتظر بلورة السياسة الأميركية وأن نقصر دورنا على قبولها أو رفضها، بل يجب أن يكون لنا دور في عملية صياغة هذه السياسة ، وليس هذا مستحيلاً إذا تحلينا بوضوح الرؤية وتسلحنا بمنهج عملي وطرحنا على الجانب الأميركي عرضاً للمشاركة وليس مجرد مطالب تحت محاور خمس رئيسة تمثل أزمات المنطقة وهي:-
1. الوضع في العراق.
2. الصراع العربي – الصهيوني، والتهديد النووي الصهيوني للمنطقة.
3. استهداف سورية ولبنان.
4. مشكلة إيران النووية، والتدخل في أفغانستان ،والتعامل مع مشكلات الإرهاب.
5. الشراكة الاقتصادية على أساس التكافؤ.
فبالنسبة إلى الوضع في العراق، تحتاج الإدارة الأميركية الجديدة لإستراتيجية تسمح لها بالخروج من حالة الاستنزاف العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تواجهها هناك وفي أسرع وقت ممكن،فقد سبقت الإدارة الأمريكية المنتهية ولايتها، مقدم أوباما بالتوصل إلى اتفاق أمني جديد مع الولايات المتحدة بشأن وجود قواتها في بلادهم، ورغم أن أكثر من سياسي عراقي يعتقد أنه لن يكون هناك أي احترام أو التزام بالجدول الزمني المقرر لانسحاب القوات الأميركية التام من العراق، بحلول الحادي والثلاثين من كانون الأول عام 2011 رغم توقيعهم للاتفاقية الأمنية الحالية.
و أوباما كان قد أعلن خلال حملته الانتخابية تفضيله لجدول زمني مداه 16 شهراً لانسحاب الألوية العسكرية المقاتلة، ويلاحظ أن هذا الموعد أسرع وأقصر بمعدل ضعف ما تنص عليه مسودة الاتفاقية الأمنية الحالية بين واشنطن وبغداد.
وبالنظر إلى تشرذم وهشاشة النظام السياسي العراقي الحالي، فإنه ليس مستبعداً أن يؤجل تنفيذ بند انسحاب القوات الأمريكية في هذه الاتفاقية، ويتوقع بعض المراقبون لإدارة أوباما الجديدة أن تكثف اهتمامها وجهودها أكثر في أفغانستان وليس العراق، ومن رأي المسؤولين الأميركيين وتصريحاتهــم الأخيرة بشــأن تدهــور الأداء العسكري في أفغانستان، أن أية قوات عسكرية أضافية يتم إرسالها إلى أفغانستان يجب أن تكون من بين القوات المنسحبة من العراق. وتربط نيويورك تايمز بين انتخاب أوباما وقبول المفاوضين الأميركيين لبعض التعديلات التي طالب العراقيون بإجرائها على مسودة الاتفاقية الأمنية.
واستنادا إلى ذلك فمن المرجح قيام أوباما بِسَحْبِ القوات غير المقاتلة من العراق، والإبقاء على وجود عسكري رمزي، غير أنه قادِرٌ على الحفاظ على مصالح واشنطن، وإيجاد نوعٍ من التوازن في العراق، لاسيما أن الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق لا يحظى حتى بدعم عربي رسمي خاصة من العربية السعودية ومصر وآخرين؟.
وبالنسبة إلى سورية، فإن هناك أصواتاً كثيرة في واشنطن تدعو لانفتاح أميركي - سوري، وهو بالقطع تطور مطلوب لدعم استقرار المنطقة المزعزع، وترتبط بذلك - وبشكل وثيق - فرص تسوية الصراع العربي – الصهيوني، فمهما كانت درجة استعداد أوباما للانخراط في محاولة تسوية هذا الصراع، فإنه لن يتمكن من تحقيق تقدم إذا استمر الانشقاق الفلسطيني الحالي في التدهور، أو قامت بعض الأطراف العربية بتقديم المبادرة العربية السلام و استخدامها كإطار في ظل عدم واقعية بنودها وتقديمها لدعوة مجانية للكيان الصهيوني للانخراط في المنطقة،وكذلك استثنائها لقضية اللاجئين من حساباتها،والأهم أن العرب لن يقبلوا دوراً أمريكياً لا يستند للتدخل بقوة لدى الكيان الصهيوني لوقف بطشه وعنفه ومجازره اليومية ضد الشعب الفلسطيني ،فما يحدث في غزة كان فوق تحمل البشر ،وسفك الدم الفلسطيني وقتل الأطفال والنساء والشيوخ سيبقي فلسطين راسخة الصورة في عقل كل عربي شريف لا يقبل طي صفحة الشهادة كمن يطوي ورقة.
أما المشكلة النووية الإيرانية فهي بالأساس بين إيران والغرب والكيان الصهيوني، إلا أن تداعياتها الإقليمية بينة للعيان، ومن المرجح أن تتفاعل هذه القضية خلال ولاية أوباما ، وقد يكون احتمال توجيه ضربات عسكرية لها تكون عواقبها وخيمة على الجميع،وبالتالي فهناك مصلحة عربية أكيدة في التدخل والحيلولة دون وقوع ذلك، وبقدر ما ستكون الدول العربية مستعدة لتحمل مسؤولية في هذا الصدد بقدر ما ستكون لها القدرة على التأثير في مجريات الأمور.
والقاعدة نفسها تنطبق على الوضع في أفغانستان و الحرب على الإرهاب ،فعندما تجنح أميركا للسلام، سيعم السلام العالم، وعندما تعتمد واشنطن أسلوب الحوار تصبح العواصم العالمية الأخرى في مزاج حواري إيجابي ويصبح من الممكن الحديث عن عالم أكثر أمناً واستقراراً رغم أنه يعيش واحدة من أصعب اللحظات على الصعيد السياسي والاقتصادي.
والخطورة تأتي من مساعدي أوباما الذين أعلن عن تعيينهم مبكراً، كهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية ونائبه جو بإيدن ،فهل سيكون أوباما قادراً على اتخاذ القرارات غير المنحازة وغير المتأثرة باللوبي الصهيوني ،وسيكون على عكس جورج بوش الصغير رجل سلام وليس رجل حرب، وسيدير العالم إدارة جماعية عاقلة وليس إدارة أحادية هوجاء، وسيسعى إلى الوفاق والحوار بدلاً من الصراع والصدام ، وسيعتمد الأسلوب الدبلوماسي بدلاً من الأسلوب العسكري في التعامل مع الخلافات والأزمات والقضايا العالمية الساخنة والصعبة التي جعلها جورج بوش أكثر سخونة وصعوبة،
فلننظر ذلك، ونرى ما ستثبته الأيام والشهور القادمة؟












