من عادة الناس في بلادنا أن يشَمتوا العاطس ، قلت لصديقي وقد أدار وجهه للشمس وأخذ نفساً عميقاً استعداداً للعطاس؛ "رحمكم الله" وقد انطلقت من صدره صيحة مدويَة ، فأجاب على الفور ، ربنا جنِبنا الأنفاق فلست وإياها على اتفاق .
ابتسمت، ونظرت إليه مَلياً، لأنني وطوال عمري لم اسمع دعاءً على التشميت كهذا.
ولكنني تركت صاحبي ورحت أفكر فيما يقصده، وما الذي دفعه إلى هذه الإجابة، وفوراً تبادر إلى ذهني أنفاق ثلاثة: أحدها في غزة وما يواجهه الزاحفون خلالها من فقدان الحياة ، بعد أن تجشموا عناء شقها ،والثاني نفق السلطة وما يواجهه من ظلمة سرمدية صنعتها اتفاقية أوسلو، والثالث أنفاق بيت المقدس وما يخطط له من أصبحوا جيراناً لنا رغماً عنا.
غريبة هي فكرة الأنفاق بين من ابتدعها ،وما سمَى مصطلحها ومن شقها وسار فيها ، غريب هو إصرار كل فريق على السير فيها على الَرَغم من مخاطرها ،غريب هو التناقض بين الفرقاء في النظر إليها ، بعضهم يحاربونها ويرون فيها خطراً عليهم،والبعض الآخر يشيد بها ويرى فيها أملاً لا بدَ أن يوجد في آخره ضوء ، أو على الأقل بصيص ٌ من نور ، وبين المتفائل والمتشائم و المتشائل فإنني أرى أن النفق الذي دخلته الأمة أعظم من كل الأنفاق ، كيف لا وهذه الأنفاق الثلاثة هي تحصيل حاصل لهذا النفق العظيم.
وهكذا تمزق الفلسطينيون بين هذه الأنفاق ،بين نفق يصل رفح المصرية برفح الفلسطينية في ،مهمته الإمداد اللوجيستي لنقل الغذاء والدواء وغيره،لتتعدد صور الأنفاق في حياة الفلسطيني ولتعكس في مجملها حياة إنسانية صعبة، بين إلزامات الحاجة، وشروط الإكراه السياسي، ومطامع البشر،لتقع كلها على كاهل الإنسان الفلسطيني المحاصر من قبل الجميع، إنها حكاية الحرب والسلام.
والآن ،وبعد الحرب الهمجية على قطاع غزة أصبحت أنفاق قطاع غزة قضية شائكة ومعقدة، ففي حين يعتبرها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة معبراً لتهريب الأسلحة والأموال لحركة المقاومة، فإن أهالي قطاع غزة المحاصر يعتبرونها منفذاً مهما لتزويدهم بسلع أساسية يحتاجونها، وبين هؤلاء وهؤلاء فإن الأنفاق هي بالنسبة لأصحابها ومن يعمل عليها مهنة ووسيلة لكسب العيش.
ويعتمد وقت حفر النفق على المسافة التي تبعد عن الحدود المصرية ،حيث يمكن أن يستغرق بناء نفق واحد ما بين ثلاث إلى ثمان شهور ،ولا شك أن هناك صعوبات جمة تواجه القائمين على حفر الأنفاق إبتداءاً من تساقط الرمال على النفق من الأعلى مما يؤدي إلى تهدمه، واختناق العاملين داخل النفق،إلى جانب احتمالية هطول المطر الكثير والمفاجئ ففي حالة تسربه لداخل النفق يعمل على هدمه أو انقطاع الكهرباء مما يؤثر على كمية الهواء الداخلة للنفق حيث يتم ضخ الهواء لداخل النفق للتنفس، وفي حال انقطاعه يؤدي إلى اختناق العاملين فيه،أو دخول نفق على نفق أثناء عملية الحفر: وذلك بقيام آخرين ببناء نفق في نفس المسار مما يضعف الأرض فيؤدي إلى هدمه وعدم تماسك الرمال مع بعضها البعض،ولكن وعلى الرغم من المخاطر يجري العمل في الأنفاق بسبب ازدياد شدة الحصار على قطاع غزة.
لكن اكتمال حفر النفق لا يعني النهاية ربما، فمن الممكن أن يكتشف النفق من على الجانب المصري فيقومون بدفن النفق على من فيه .
أما الخطوات العملية لحفر النفق فهي تبدأ بالبحث عن منزل قريب من منطقة الحدود المصرية من الجانب الفلسطيني،ثم يتم قياس المسافة من الجانب الفلسطيني من البيت الذي سيقام فيه النفق إلى الحدود ما يقارب (70 متر ) من الحدود ،وإحضار بوصلة لقياس معيار النفق والحفر، ويسيروا على اتجاهها في بناء النفق،ثم البدء بعملية الحفر كالتالي: يتم النزول أرضاً ثلاثة عشر متراً كنظام حفر بئر، وبعد الوصول إلى ثلاثة عشر متراً يتم البدء بالحفر باتجاه الحدود المصرية،وحين يبقى (مترين) لوصول النفق إلى الحدود المصرية يقوم صاحب النفق بالاتصال مع الأمين ليخبره بانتهاء بالتجهيزات، ويخبره الأمين بأنه يجب أن يدق سيخاً حديدياً في الرمال باتجاه البيت المصري المتواجدة فيه العين "الحفرة الثانية " المدخل من الجانب المصري.
وبعد أن يصل القضيب الحديدي يتم الاتصال من جهة الأمين بأنه تم الانتهاء من العمل وهو جاهز ويقوم الأمين بالبدء بالحفر حيث انتهى القضيب.
ويحفر فيخرج له شاب فلسطيني من العاملين في الحفر، ويحتاط عادة فيكون مسلحا إذ ثمة احتمال من وجود الشرطة المصرية دائما، حال كونها قامت بالقبض على صاحب النفق، ثم بعد تأكيد وصول العامل الأول يتم الاتصال مع صاحب النفق ليؤمن الطريق لبقية العاملين في النفق، وهناك يتم الاحتفال بالنجاح في حفر النفق.
وهكذا فالإنفاق ليست قضية عسكرية أو سياسية فقط بقدر ما هي قصة معاناة وحاجات إنسانية، منها وعبرها تأتي الاختراعات وكذلك الكوارث.
وتشكل الأنفاق شريان الحياة الرئيسي لقطاع غزة المحاصر منذ شهور، وتعتبر المصدر الرئيسي للسلع في غزة ومع كل وقت يتواصل فيه الحصار تزداد أهمية الأنفاق أيضا.
وبدأ سكان غزة حفر الأنفاق في أوائل الثمانينات لإحضار السلع من مصر، واستغلتها الفصائل الفلسطينية المسلحة لجلب الأسلحة للتصدي للاحتلال الصهيوني وإرساء قاعدة قوتها.
أما النوع الثاني من الأنفاق فهو بأيدي أعداء الفلسطينيون "الصهاينة" فقد كشفت مصادر عديدة عن أنفاق تنشئها إسرائيل تحت الحرم القدسي لزعزعة أساسه وبنيانه، وهذا جزء من مشروع صهيوني جديد يتمثل بحفر أنفاق في مدينة القدس المحتلة لإقامة ما يسمى بـ "مدينة داوود" وتحقيق الأسطورة التلمودية المزعومة.
فمنذ سنين طويلة تحركت المؤسسة الصهيونية الساعية لتنفيذ مخطط طويل الأمد متدرج المراحل لتهويد مدينة القدس خاصة البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى المبارك، حيث تحاول المؤسسات الصهيونية بشتى الوسائل والطرق تحقيق الأسطورة التلمودية القائلة بيهودية القدس وإعادة بناء الهيكل الثالث المزعوم".حيث بلدة سلوان القريبة من القدس إلى هجوم شرس من قبل جمعيات وشركات صهيونية هي أذرع متنفذة في المؤسسة الصهيونية مدعومة بشكل أو بآخر بقرار سياسي، الأمر الذي يجعلها كما أكد أكثر من مراقب أنها فوق القانون وتشكل دولة في قلب دولة.
وقد ُكشف عن حفريات وأنفاق وممارسات تقوم بتنفيذها الجهات الصهيونية في بلدة سلوان وتحديدا في منطقة مجمع عين سلوان تندرج في مخطط التهويد والاستيلاء الكامل على المنطقة بهدف استكمال المشروع ألتهويدي المشهور باسم "مدينة داوود" كجزء من تحقيق الأسطورة التلمودية، وبناء الهيكل الثالث المزعوم بكل مستلزماته ومرافقه على حساب المسجد الأقصى والمحيط القريب الملاصق للمسجد الأقصى والبلدة القديمة في القدس المحتلة.
و معروف عن المؤسسة الصهيونية أنها تستغل أيما استغلال كل حدث مهما صغر لخدمة مخططاتها وبرامجها التنفيذية. وحدث بحسب الرواية الصهيونية أن انسدّ بداية العام 2005 ف خط للصرف الصحي في المنطقة المحاذية لعين سلوان أسفل حي وادي حلوة في بلدة سلوان، مما دفع جمعية "العاد" الصهيونية ومعناها نحو "مدينة داوود" والمشهورة بأنها صاحبة اليد الطولى في تنفيذ المشاريع الاستيطانية للاستيلاء على بلدة سلوان، الدخول وبسرعة على الخط لإجراء حفريات في المنطقة مستخدمة أياديها الطويلة وعلاقاتها مع مؤسسات صهيونية تحت غطاء حفريات أثرية بالقرب من مجمع عين سلوان لأشهر، ولتخرج بعدها على الملأ أن حفريات "ألعاد" التي نفذتها سلطة الآثار كشفت عن الطريق ألاستكمالي لما يسمى بـ "الطريق الهيرودياني" الذي يبدأ طرفه الآخر في الزاوية الجنوبية الغربية للمسجد الأقصى بالإضافة إلى الحديث عن اكتشاف عين سلوان أكبر مما كان يعرف حتى الآن – على حد قولهم – ويتم الحديث عن ربط هذه الحفريات ومكتشفاتها بتاريخ يهودي يعود لفترة الهيكل الثاني قبل نحو 2000 عام – بحسب ادعائهم -، الأمر الذي تحدث عنه الإعلام العبري خاصة المراسلون المقربون من المستوطنين ككشف تاريخي يهودي لم يسبق له مثيل.
ولم تمر أشهر معدودات حتى خرج رئيس دولة الكيان المستقيل لفضائح أخلاقية وماليه "موشيه كتساف"في احتفالية خاصة لافتتاح كنيس يهودي ملاصق للجدار الغربي للمسجد الأقصى، وساحة البراق داعيا لتنفيذ حفريات تحت المسجد الأقصى لربط طرفي الطريق الهيرودياني بين جهتي الجدار الغربي والجنوبي للمسجد الأقصى.
الأمران المذكوران أضاءا الضوء الأحمر بشدة بأن مخططا خطراً يتم تنفيذه بتسارع في بلدة سلوان، وخاصة أنها منطقة مستهدفة منذ عشرات السنين وليس ببعيد أعلنت بلدية القدس عن نيتها هدم حي البستان في سلوان لإقامة ما أسموه " حديقة الهيكل"على أنقاض هذا الحي.
أنفاق لا يعرف أولها ولا آخرها وبطريقة ما استطاعت مؤسسة الأقصى أن تتجاوز الأسيجة الحديدية التي نصبت في منطقة مجمع عين سلوان، حيث تجري الحفريات أسفل المسجد والروضة، ودخلت مؤسسة إلى موقع الحفريات هناك، لتكشف عن نفق أرضي يحفر تحت مسجد عين سلوان والروضة المجاورة له بعمق أكثر من 12 متر، وهذا النفق يعرف أوله أما نهاياته فمخفية ، إلا أن الملاحظ أن عملية الحفر مستمرة وبعدة اتجاهات، وذكرت تقارير أن أرضية النفق المذكور هو جزء من الطريق الهيرودياني، وأن عملية الحفريات فيه كشفت عن آثار للتاريخ العبري المزعوم من عهد الهيكل الأول والثاني،لنستدل بلا ريب إلى المخطط الصهيوني البغيض الذي يصل بنا إلى أن نفق السلام المزعوم الذي لا ضوءاً في آخره لأن ما بني على باطل فهو باطل.








said:







من فلسطين