نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
المبتكرون
 
بقلم : أ. الهادي الورفلي 

 

يذهب الكثيرون من أبناء "العالم المتقدم" إلى الغد بعقولهم، فكثيراً ما تنقل لنا وسائل الإعلام أخباراً عن "مخترعات" الغد التي يضعها المبتكرون هناك..، سمعنا، ورأينا سيارة الغد الأكثر تطوراً، والأكثر حفاظاً على البيئة..، سمعنا، ورأينا عن ذلك الاكتشاف الذي سيخفف من الآلام الحادة للجروح، والحروق التي يتعرض لها الإنسان..، وقرأنا عن أفكار هي في تصورنا خيالية لكنها سرعان ما تصبح حقائق في حياتنا..، كل ذلك بفضل تلك العقول المشغولة بالمستقبل، المشحونة بطاقة الإبداع، المؤمنة بأن الابتكار هو الدور المميز للإنسان الذي وهبه الله العقل.  

 قصة الابتكار قصة معقدة التفاصيل فهي تداخل، وتشابك بين الثقافة، والاجتماع، بين التقدم بكل تفاصيله، وبين التخلف بكل جزئياته..، تداخل بين الحلم والحقيقة، حيث فضاء العقول الموهوبة المؤمنة بالممكن لا فضاء العقول المتبلدة المحكومة باليأس رهينة الماضي، وأسيرة الواقع الراهن.. المشدودة دائماً إلى الوراء.

المبتكرون في البيئات المتقدمة منتجو أفكار، ومبدعو تصورات تلاحقهم الشركات، والمصانع، والممولون الذين يتولون أفكارهم، وتصوراتهم، وحتى أحلامهم فيحيلونها إلى حقائق، إلى منجزات، تقنية، وعلمية.. وهكذا فالمبتكرون في البيئات التي "تقدر" الابتكار محترمون، ومبجلون، ومحل تقدير.. أما المبتكرون عندنا، في عالمنا الثالث.. وعالمنا العربي على وجه الخصوص فلا ينظر إليهم إلا كحالات مستعصية على العلاج فيهملون، ويسخر منهم، ولا يكترث بهم أحد إلا فيما ندر وهم لذلك يهاجرون بأفكارهم، وتصوراتهم وابتكاراتهم، واختراعاتهم إلى حيث يصنع الغد..، وحيث غادرت الثقافة الأمس واليوم منذ عقود على الأقل..

إن هؤلاء المبتكرين تعدهم الشعوب المتقدمة" ثروة وطنية" يسعون للحفاظ عليها، وتنميتها، وتبني أفكارها، واختراعاتها لدرجة أنهم يسجلون أفكارهم، وتصوراتهم، واختراعاتهم في سجلات "براءة الاختراع" الأشبه بموضوع الملكية الفكرية.

أما عند الشعوب المتخلفة اللاهثة وراء الحاضر، المتعيشة على أمجاد الأمس فالمستقبل مجهول، وليس هناك من يسعى نحوه.. لا بحلمه، ولا بعقله لأن الحاضر بقضاياه، ومشاكله المزمنة يثقل كواهلنا، ويكفي أن هناك الكثيرين منا لم يدخلوا بعد عصر الحاضر..

أليس منطقياً إذن أن يظل المبتكرون غرباء بيننا..، وكائنات غريبة إن لم نطاردها فنحن نهملها كما نهمل كل الأشياء التي لا نعرفها .

 

عن صحيفة قورينا

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية