نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
مــــــا(ذا)العــلـم؟4
بقلم: أ. د مهـــدي أمبيـــرش

 

إن سؤال ما (ذا) العلم ؟ ، هو كما أشرنا سؤال ينفتح على الشيء بما هو وجود ، هذا إذا طرحنا هذا الاستفهام فيما يتعلق بالحقيقة ، الحقيقة بما هي مشروع العلم ، أي بما هي ، كما أشرنا مرارًا ، الذي تحقق ، بشرط التأكد من تحققه ، وبشرط الحكم عليه أنه بعض الحقيقة ، وإن كانت حتى هذه التي يطلق عليها العلوم هي ليست كذلك ، إذ ما عندنا هي معارف وليست علوماً ، هي معارف ما تزال رهن الاكتشافات المستمرة ، ورهن الإضافة ، والتعديل ، وربما الرفض ، وتأريخ ما يعرف بالنظريات (العلمية) ، يشهد على ذلك ، منذ بدايتها خرافات وأساطير ، وسحر وشعوذة ، ما تزال آثارها حتى اليوم ، وحتى هذه الاكتشافات والتعديلات في المباحث الفيزيقية ، ودائمًا تكشف الفيزيقا على أنها مشروع منفتح على الميتافيزيقا حتى بالنسبة للفيزيقيين الماديين ، وهذا ما قصدناه في بداية مقدمة هذه المقالة ، أي أن (ذا) ، إذا راعينا دلالة الكلمات العربية ، لا تشير إلى المتعين فحسب ، بل تفتح هذا المتعين على السؤال الوجودي ، فالمتعين هو الموجود ، في حين أن الوجود هو أبعد من الموجود ، أي أن الوجود هو الشيء ، أو هذه التي نطلق عليها الميتافيزيقا ، في حين أن الموجود هو الموجود الفيزيقي ، وهذا ما قصدناه في مقالات سابقة من خلال قراءتنا لأطروحات أرسطو ، وهوسرل ، وهايدغر ، من الذين تصدوا لمبحث الوجود ، وكذلك لسارتر الذي اهتم بالوجودية ، مع الفارق بين الوجود والوجودية ، وإن كان الخطل الذي وقع فيه باحثو الوجود ، أنهم لم يفرقوا بين الوجود والموجود ، فعند تناولهم للوجود إنما يقصدون حسب قولهم ماهية الموجود ، وليس الوجود بما نقدمه ، أي أنهم يبحثون في (ماهية) المتشيأ ، هذا إذا وافقنا على اعتماد مصطلح الماهية للمتشيأ ، ولكنهم لا يبحثون في ماهية الشيء ، إن ماهية الشيء هي الماهية التي نقصدها والتي هي موضوع مباحث الميتافيزيقا ، أي مشروع العلم في البحث عن الحقيقة ، أو الحقيقة بما هي الميتافيزيقا ، حيث الموجود أو الذي يوجد ، هو دليل هذه الميتافيزيقا ولكنه ليس الميتافيزيقا ، إنه المنطقي موضوع الأحكام المنطقية ، ولكن الموضوع ليس الحقيقة ، إن الموضوعية  Objectivismهي البحث في موضوعية الموضوع بما هو منطقي ومتموضع ، أي أنها تتعلق بالأحكام الموضوعية ، وما يطلق عليه هايدغر وهوسرل أنه الوجود هو الموضوع ، أو بالألمانية ، وحسب اقتراحهم الـ Da Seinبغض النظر على أن الـ Das Sein  قريبة أم بعيدة ، إن (الهناك)،  Daفي الألمانية هي ما تشير إلى هذا البعد في أذهانهم ، الذي هو في نظرهم وجود الموجود بما هو موجود ، وليس الموجود بما هو دليل الوجود ، وحتى إن اعتبر البعض أن هوسرل وهايدغر هم فلاسفة وجود ، فإن الباحث في أطروحاتهم سيكتشف أنهم مناطقة الموجود ، وليسوا فلاسفة الوجود ، ولهذا فهم يبحثون في منطق المتعين ، أو ما يطلق عليه (الأنطولوجي) Ontology وكما أشرنا في معارض أخرى أن هذا اللفظ اليوناني الأصل مركّب من مقاطع ثلاثة ، هي (الآون)  Onو To حيثOn تدل على المحايث ، و To تدل على المحايث بما هو متظرف Ontoوبداهة فإن الموجود المتعين لابد بما هو متشيأ أن يشغل ظرفاً ومحدوداً مكانياً زمانياً ، ومن هنا نفهم إضافة  Logyالتي هي  Logicأو لوغوس ، أو بالمقابل العربي ، منطق ، وإن كانت اللوغوس هي عروبية الأصل ، أي أنها اللغة ، وكما أشرنا في مباحث سابقة أن علاقة اللغة باللسان ، أن اللغة هي منطق اللسان ، مثل علاقة المنطق بالبيان ، ومن ثم ترتبط مباحث اللغة بمباحث الأحكام المنطقية ، وبمباحث القواعد ، ومعالجتنا دائمًا وفق مشروع الفلسفة العربية ، هو البحث في البيان ، واللسان ، والنحو ، ومن ثم فإن المنطق هو مظهر البيان وليس البيان ، عندما يرتبط بالإنسان ، وهو شرط أساس للتمييز بين المنطق الإنساني والمنطق بمفهومه العام ، فالمنطق بمفهومه العام يصدق على الإنسان وغير الإنسان ، وبهذا نكشف المغالطة في التعريف الذي نقل على أرسطو حدًا للإنسان على أنه حيوان ناطق ، باعتبار أن الحيوان هو جنس لكل حي ، وأن النطق بما هو خاص بالإنسان هو نوع يميز الإنسان عن غيره من الحيوانات ، ولكنّ اللسان العربي من خلال الوحي القرآني يكشف هذه المغالطة ، فكل المخلوقات بما في ذلك الإنسان تنطق ، أي لها منطق ، وقد أشار القرآن في ذلك إلى منطق الطير ، الذي علمه الله النبي سليمان عليه السلام ، ولكن منطق الطير كمنطق بقية المخلوقات غير الإنسان هو منطق محدود وساكن ، في حين أن منطق الإنسان هو منطق حي ومتحرك ، وبذلك فإن حد الإنسان في مشروع الفلسفة العربية ، إذا اعتبرنا أن حيواناً في العربية في الأصل هو الحياة ، والتي عبّر عنها القرآن في قوله تعالى واصفًا الحياة الآخرة بأنها الحيوان الحقيقي: { وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} 64 سورة العنكبوت ، فإن الإنسان حيوان مبين ، وليس حيوانًا ناطقًا ، فحد الإنسان بما هو إنسان هو البيان وليس المنطق ، وفي سورة الرحمن يتأكد ما ذهبنا إليه: {الرَّحْمَنُ 1   عَلَّمَ القُرْآنَ2  خَلَقَ الإِنسَان 3  عَلَّمَهُ البَيَانَ 4} سورة الرحمن ، فقدرة الإنسان على القراءة ، أي على اكتشاف المكنون ، والقراءة ليست هذه الرموز الخطية ، مثلما الخط ليس الكتابة ، فالكتابة أبعد من الخط ، والوحي القرآني هو كتاب مكنون قبل أن يُخط على القراطيس ، وقدرة الإنسان على القراءة بهذا المفهوم ترتبط بقدرته على البيان ، ومن ثم ينفتح الإنسان بهاتين القدرتين على الوحي ، أي على اكتشاف المكنون ، حيث الوحي في كتاب مكنون ، تكون العلاقة معه علاقة مس وليست علاقة لمس: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ  77فِي كِتَابٍ مَّكْنُون78  لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ79  تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ80} سورة الواقعة ، فالمؤمنون هم القادرون على هذا المس ، في حين يتوهم الفيزيقيون والماديون أن المس هو اللمس ، أي بدل أن يتوجه المسلمون إلى مقاربة المكنون أي إلى اكتشاف الكُنه ، من خلال مقاربة الكن والمكنون ، يتوهم البعض أن الكتاب هو القرطاس ، وأن اللمس هو المس ، أو أن الحقيقة هي المتحقق ، وبذلك فإن الإنسان بما هو إنسان ، أي بما هو مشروع منفتح على الإنسانية ، أي مشروع ماهوي ، وحده القادر من خلال البيان والكلام ، أن يتجاوز محدود المنطق ، وهذا هو سر الإبداع ، بما هو عملية خلق ضمن الممكن البشري ، وبما يمكن أن نصفه بالإبداع الثوري ، أي الخروج من المعقول إلى ما هو أبعد من هذا المعقول المنطقي ، أي التوجه إلى المكنون ، الذي يوصف في العربية على أنه الغائب ، أو المخفي ، أو المجنون ، إذا اعتبرنا أن كلمة جنّ، اختفى وغاب ، كالجنين ، والجن ، والجنة ، وبهذا يتقدم الإنسان من خلال مشروع العلم على كل المخلوقات المنطقية ، يتقدم بهذه الروح التي نفخها الله فيه ، على الرغم من أن الله تعالى أوحى لكل المخلوقات، وقد أشار تعالى ، على سبيل المثال ، أنه أوحى للنحل أن تبني مساكن ، ولكن النحل بما هو مخلوق منطقي لم يستطع أن يحدث أي تغيير في منطقه الساكن ، حيث ظلت هذه المساكن كما هي على الرغم من مرور الزمان والمكان: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ  68ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ69} سورة النحل ، وعلى الجملة فإن النحل لم يخرج بما هو منطقي عن هذا الأمر الإلهي ، بخلاف الإنسان ،فالإنسان بهذه القدرة على القراءة والبيان لا يخرج عن المعقول فحسب ، بل يصل إلى حد الطغيان أحيانًا ، أي الخروج عن كل حد ، وإن كان هذا الطغيان على الرغم من وضع التجاوز فيه ، هو ميسم إنساني ، بغض النظر عن الأحكام الخلقية ، فالعصيان والتمرد صفتان من صفات الإنسان ، أي الخروج عن المنطق والخروج عن المحدود ، بل إن الخروج عن المحدود هو سر الإبداع ، ويمكن القول إن مشيئة الله في استخلاف البشر على هذه الأرض ، إنما يرجع إلى قدرة البشر على تحمل مشروع الاستخلاف بما في ذلك العصيان الذي بدأ به آدم عليه السلام مشروع الاستخلاف ، فالعصيان هو وضع تصلب ، حيث العصا هي هذا الجفاف بسبب نقص الماء من العود الطري، فالعصيان هو مؤشر استعداد آدم عليه السلام لتحمل المشاق وزوجه، آدم عليه السلام كان في الجنة وزوجه بمثابة العود الطري ، ولكن وعى آدم بنفسه وبمحدود الزمان ورغبته الخروج من هذا المحدود هي التي دفعته إلى البحث عن الخلد والملك الذي لا يبلى ، أي الخروج عن المحدود ، وخطأ آدم هو في الوسيلة التي اتخذها ، أي في اقترابه من الشجرة ، حيث توهم أن الشجرة بما فيها من ثمر ، قادرة على أن تحقق له الخلد ، ولكن ليست في فكرة الخلد ذاتها ، كما أن آدم عليه السلام لم ينتبه إلى أن تعليمه الأسماء وأنه مستخلف يمكن أن يحقق الخلد بهذا الاستخلاف من خلال أولاده ، حيث أراد آدم عليه السلام أن يكون الخلد له في نفسه ، وهنا هو الطغيان ، أي تجاوز كل حد ، فالاستخلاف ، أو الأولاد ، هم العمل الذي يتجاوز الفعل بما هو متظرف ومنطقي ، تمامًا كما هو العمل الصالح ، والصدقة الجارية التي لا تنقطع بالموت ، ومن ثم أشرنا في مواضع غير هذا إلى أن الفعل هو منطق العمل ،

 فالعمل أبعد من الفعل ، إذ العمل في العربية يمتد إلى ما بعد الفعل ، ومن ثم يعقد القرآن علاقة بين الإيمان بالغيب ، والعمل الصالح ، ولا يمكن أن يكون العمل صالحًا ، بل لا يكون عملاً إلا إذا انفتح على الغيب ، فالصلاحية هي امتداد هذا الصالح ، ولهذا ننقذ منطق الذين يتوهمون أن الوجود هو الموجود ، وهو منطق يؤدي إلى أزمة الحلولية ، وإلى الطغيان ، وإلى التأله ، عندما يتوهم المحدود أنه قد صار مطلقًا ، كما أنه يؤدي إلى التراجع إلى المتحقق ، أو توهم أن الذي يتحقق أو الواقع هو الحقيقة ، فتكون أزمات الفكر الإنساني حتى اليوم . من هنا نكتشف لماذا كان أرسطو يقول بالوجود بالقوة ، والوجود بالفعل ، أي أن القوة بما هي وجود هي الوجود بما هو فعل ، وهو بالضرورة سيقول بهذا المنطق لكي يبرر مشروع القوة الذي يريد الإسكندر المقدوني أن يركّب به منطقًا لإمبراطورية عالمية ، كما نكتشف لما يقول هوسرل وهو المنطقي الذي يدافع على المشروع اليهودي التلمودي بأن الموجود هو الوجود ، ولماذا هذه النـزعة الفيزيقية أو المادية في تفكير الذين تبنوا الدفاع عن المشروع اليهودي التلمودي من المعاصرين ، من أمثال ماركس ، وفرويد ، وأغلب من يطلق عليهم بمدرسة فرانكفورت ، بما في ذلك التفكيكي اليهودي دريدا ، أو اللغوي التوليدي ، ناحوم تشومسكي ، والقائلين بما ذهبوا إليه ، إن ما يهم هؤلاء من هذه الأطروحة التراجعية ذات المحتوى الفيزيقي ، أي الذي يرى أن الوجود الحقيقي هو الموجود ، وإن كان الموجود في الهناك، Da Sein حيث يرى هؤلاء جميعًا بغض النظر عن خطاباتهم المتنوعة أن اليهود هم الحقيقة ، وأن التاريخ بعد اليهود بمثابة الطبقات بلغة ماركس التي يجب تدميرها وإزاحتها ، والحفر فيها وصولاً إلى الطبقة الأصلية ، أي إلى اللاشعور الفرويدي ، أو المسكوت عنه ، أو المهمش ، ويمكن أن نلاحظ أن هذه المصطلحات التي يقدمها المناطقة اليهود أثرت وتؤثر اليوم في خطابات وأطروحات المفكرين الأوروبيين المعاصرين ، بل والكثير من العرب والمسلمين الذين ، كالعادة ، يستهلكون الإنتاج الأوروبي ، بما في ذلك المنتج الفكري والمنتج الخطابي .

إن هذا يجعلنا نكتشف سر الخلاف الحاد بين المناطقة الألمان والمناطقة اليهود ، فهو خلاف يرتبط باختلاف المشاريع ، بل بوصول هذا الاختلاف حد الصراع ، وكما نعلم فإن المشاريع الأوروبية تتأسس على فلسفات ، فهناك مشروع إيطالي ، وهناك مشروع ألماني ، وهناك مشروع فرنسي ، ومشروع انجلوسكسوني ، ومشروع تتأسس عليه هذه كلها هو المشروع اليهودي التلمودي ، والإسرائيلي ، ونقصد بالإسرائيلي ، هو الذي تأسس على مشروع موسى وعيسى عليهما السلام بعد التحريف ، باعتبار أن كليهما نبي لبني إسرائيل ، فأوروبا والأوروبيون ليسوا أهل كتاب ، بل هم على ملة اليهود والنصارى ، والصراع الحقيقي إذا جاز التعبير هو بين العرب والعبرانيين ، بين العرب الذين بدأت بهم رسالة الإسلام منذ نوح عليه السلام حتى محمد عليه السلام وبين العبرانيين الذين كانت رسائل أنبيائهم هي داخل بناء الدين الإسلامي الواحد ، ولكنهم لظروف نفسية واجتماعية حاولوا أن يفرضوا هذا المنطق البعضي على أنه الحقيقة الكاملة ، ولأن هذا المحدود الذي هو شرائع بني إسرائيل لا ينهض دينًا كاملاً ، فقد لجأ اليهود منذ القدم ، مرورًا بما عرف بمدرسة الإسكندرية ، حتى اليوم إلى التأويل ، والتأويل هو لملء هذا الفراغ ، وكما نعلم فإن السرد التاريخي للحوادث يحتاج إلى هذا العمل الدرامي ليسد الفراغ ويحاول أن يسد ذات البين ، وهو ما يتضح اليوم من خلال ما يعرف بالمدارس اللسانية والنقدية في أوروبا المولعة بما يطلق السرد ، وأهمية التأويل والهيرومنطيقا . إن المشروع الألماني هو مشروع تجاوزي (ترانسندنتالي) ، فهو على الرغم من أنه يتأسس في شرعيته على الميراث الإسرائيلي ، النصراني ، الذي نقل للجرمان من خلال المشروع الإيطالي الكاثوليكي ، والأخير تأسس على الميراث النصراني الأرثوذوكسي الممزوج بالفلسفة اليونانية الهلنيستية ، حيث يعتبر أورثوذوكس أنهم المنهج الصحيح ، فأرثوذوكسيOrthodox لفظ يتركب من مقطعينOrtho  بمفهوم صحيح أو صائب Dox، ورأي أو حكم ، في حين أن كاثوليك  Catholicمفهومها عالمي ، لأن المشروع الروماني كان ينهد إلى إمبراطورية عالمية ، ولهذا لجأ هؤلاء إلى تأويل الموروث النصراني بما يخدم هذه الإمبراطورية المركزية ، والتي ترفع شعار (كل الطرق تؤدي إلى روما) ، في حين أن الألمان ، أو المشروع الجرماني ، بدأ وثنيًا ، ثم تحول هذا المشروع إلى الإمبراطورية الجرمانية المقدسة ، حيث لجأ مفكرو الألمان إلى تأويل لهذا الموروث الروماني ، بمركباته التي أشرنا إليها ، وبالضرورة فإن المشروع الجرماني لابد أن يخرج من خلال هذا التأويل عن التبعية المطلقة للمشروع الروماني الذي بنا فوقه ، من ثم كان الرفض لهذه المركزية الكاثوليكية التي تفرض على الأوروبيين التبعية لروما ، من ثم جاء مارتن لوثر بما عرف بالبروتستانتيةProtestantism أي الرفض الألماني للتأويل الروماني الكاثوليكي ، فالمشروع الألماني بداهة لابد أن يتأسس على شرعية القديم ، ولكن القديم ليس هو الأفضل ، أي أن التأويل الألماني هو تأويل ترانسندنتالي تفوقي وتجاوزي ، يناقض المشروع اليهودي التلمودي الذي هو تفوقي تراجعي ، ومن هنا نكتشف سر هجوم الألماني فريدرك نيتشه على اليهود والميراث اليهودي ، حيث يعتبر أن الطبقة الأصلية هي طبقة ساذجة ، بل حتى الأخلاق بالمفهوم اليهودي والنصراني هي أخلاق مشوهة ، أو هي أخلاق زهدية ، كما جاء في كتاب) ، فالأخلاق في رأيه هي أخلاق القوة ، فالأقوياء وحدهم الذين يسنون القيم والمعايير ، ومن هنا جاء موقفه الحاد من التفسير الكاثوليكي لشخصية المسيح على أنه مهادن ، وأنه يقول ، حسب روايتهم ، "إذا ضربك أحد على خدك الأيسر ، فأدر له خدك الأيمن ، وإذا نازعك أحد طرف ثوبك فأعطه الثوب كله" ، وقد كشف نيتشه عن ذلك الموقف في كتابه (ضد المسيح) ، أي ضد ما نقل عن المسيح ، وبالطبع فإن هذه الرواية تخدم مشروع روما ، كما هي هذه الدعاية التي تتحدث عن النـزعة الإنسانية ، التي مهدت للاحتلال الأوروبي للعالم ، وهي ذات النـزعة التي يرفعها الأوروبيون من خلال ما يسمى بحقوق الإنسان ، والعولمة ، وعالم بلا حدود ، حتى أن فيلسوفًا فرنسيًا معروفًا ، هو جان بودريار ، يصف ما يسمى بالعولمة على أنها المحرقة العالمية ! .

من هنا فإن أطروحات هايدغر ، بل أطروحات أغلب المفكرين الألمان ، إنما تأتي مؤسسة على المشروع الألماني ، كما أن أطروحات اليهود بعامة هي أطروحات تخدم المشروع اليهودي التلمودي ، وإن كانت لها القدرة على أن تتلون في كل ظرف وفي كل عصر ، فما من حركة تغيير عالمية حتى إن بدت متناقضة أو متضادة ، حتى الصراع ، إلا وكان اليهود داخلها ، محرفين لها ، ومنحرفين بها ، الأمر الذي يستدعي من جديد الكشف عن هذا المنطق البائس الذي يجعل الحقيقة ضمن المنطق ، والوجود داخل الموجود ، أي يستدعي البحث عن منطق جديد ، يحترم الإنسان ويفتح الإنسان على الحقيقة ، والحرية ، والإنسانية ، والعلم ، وإن كان هذا المنطق لا يتأسس إلا على منهج تفكير ثوري ، يحقق هذه العملية الإبداعية ، التي تعيد للحياة جماليتها ، وحيويتها ، وفعلها ، وحركتها ، كما تتقدم بالإنسان من الموجود ضمن الوجود ، أي مشروع التقدم الفيزيقي نحو الميتافيزيقا ، إلى ما هو أبعد من ذلك ، أي إلى الإنسان باعتباره كائنًا ، يتقدم نحو الكينونة ، فينفتح الموجود على الوجود ، وينفتح الكائن الإنساني على الوجود والكينونة معًا ، وبذلك تتحول المعرفة إلى فرح وبهجة ، وليست إلى (تكنولوجيا) ، مدمرة للإنسان والبيئة ، والحياة .

 

عن صحيفة قورينا

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية