
أ.د المهدي امبيرش
أفلاطون كما أشرنا على عجالة في المبحث الخاص بنظرية أفلاطون في الشعر يحاول أن يمنطق الرؤى الخرافية (الميثولوجيا) ، والأساطير القديمة التي كانت في بلاد الشرق ، وتحديدًا الخرافات الهندية والإيرانية وتلك الخرافات والأساطير في العراق القديمة وسوريا القديمة ومصر القديمة ، أي يحاول أن يعقلنها وأن يجردها من ذلك الطابع الخرافي الذي يصل بها إلى حد الوثنية التي تلائم مرحلة التفكير الساذج ، وإن كان أفلاطون قد حاول ذلك ، كما حاول الخروج عن الحلول والتناسخ بمفهومه الصوفي العدمي القديم فه ما يلبث أمام المعطيات الموضوعية لأفكاره وأهمها ما مرت وتمر به أثينا من أوضاع الضعف وبوادر الانهيار ، أن يعود بالفكر ومن خلال هذا التجريد العقلاني إلى شطح صوفي عقلاني ، عندما اعتمد الحقيقة مفارقة في عالم المثل ، وعندما تحدث عن العقل الأول أو العقل الكلي أو النفس الكلية معتبرًا المثل هي بمثابة هذه الآلهة أو هذه العقول الصغيرة ضمن العقل الكلي ، أي ضمن هذا الذي أطلق عليه أرسطو فيما بعد الأرغانون ، أو هذه الآلة أو الشكل أو النسق الذي يسمح بهذا التعدد ضمن الكل ، مشيرين إلى أن التعدد هنا يرتبط بالأعداد المجردة ، وكما يعلم أن أفلاطون كان ينتصر للرياضيات والهندسة ، فهو لم يخرج من نظرية الوجود القديمة التي تعتبر المطلق في السماء ، والتي تصل بداهة إلى المنطق الثنوي ، أي إلى الثنويةDualism ، والتي وجدناها في الفكر الهندي القديم وامتداده الإيراني ، إلا أن أفلاطون يرى في الأرض أو الجسد ظلالاً ووهمًا ، وبهذا يتحدد موقفه كما أشرنا من الخطابة ، ومن الفن ، ومن الشعر تحديدًا ، خاصة هذا الشعر الذي يصدر عن إلهام يبتعد عن الحقيقة ، وإن كانت أطروحات أفلاطون تؤكد كما اشرنا النـزعة الاستعلائية التي تبرر أن تعود أثينا على رأس المنظومة التركيبية الاجتماعية السياسية لبلاد الإغريق ، فأثينا هي التي استطاعت أن تقود بلاد الإغريق إلى النصر في تلك المواجهات المصيرية مع الإمبراطورية الفارسية الإيرانية .
عن مشروع أرسطو يبدأ كما هي أساسات الفكر الإغريقي بعامة في البحث عن العلة الأولى ، إنه لا يفارق من حيث المبدأ أستاذه أفلاطون في القول بأن الحقيقة في الأصل هي في الأعالي ، فالنفس الكلية أو العقل الكلي هو في السماء ، ولكن النفس أو العقل الجزئي لم يسقط نتيجة فقد التوازن ، أو ما يسمى بالخطيئة الكبرى كما صاغها اللاهوت القديم الجديد ، بل إن هذه النفس هبطت في حالة صدور عن النفس الكلية أو العقل الكلي ، وأن هذا الصدور مر بمراحل ، أي أن كل عقل يصدر عن العقل الكلي يخلق الذي بعده ، حتى العقل العاشر الذي منه القمر ، وبذلك فإن الخلق الفيزيقي هو نتاج هذا الصدور ، أي الصدور عن النفس الأولى أو العقل الأول ، فيقترب أرسطو بهذا من ثقافة التنجيم القديمة ، ومن ربط مصير البشر بالكواكب والنجوم ، وما يزال الكثيرون يعتقدون أن مصيرهم مرتبط بالأبراج ! . من هنا فإن موقف أرسطو من الأشياء الفيزيقية ومن الجسد ليست كموقف أستاذه أفلاطون وأستاذ أفلاطون سقراط ، فالجسد هو بمثابة الوجود بالفعل لهذا الوجود بالقوة ، ولهذا يعتبر الكثيرون أن أرسطو نقل الحقيقة من السماء إلى الأرض ، وان هذا النقل كان بعلة انشغاله بما يسمى بالعلوم التطبيقية أو العلوم الفيزيقية ، وسوف نقرأ أن هذه الأطروحات ترتبط بمشروع أرسطو الفكري الذي ينظّر لمشروع الاسكندر العالمي ، وإن كانت هذه الأطروحات ستنعكس على نظريته في الفن والجمال فهو كما يقول عبد الرحمن بدوي " يهتم بالبحث في الفن بمعنى الإبداع ، أو الإنتاج ، أو النشاط ن أي إظهار شيء في الخارج .. وأن أرسطو ينظر إلى الجميل باعتباره وجودًا ، أي أنه وجودًا بموجود ، لا باعتباره موجودًا قائمًا بالذات ، فإذا ما بحثنا في الفكرة الرئيسة ، لكلمة الفن عند أرسطو ن وجدنا أنها ترجع أولاً إلى المبدأ الأصلي الذي أقام عليه نظريته في الوجود ، وهو مبدأ الهيولي والصورة ، فالأصل دائمًا هو تحقق صورة في هيولي ، هذا بالنسبة إلى كل موجود ، والحال على هذا النحو تماماً بالنسبة إلى الفن ، وإنما الفارق بين الموجودات كأشياء (طبيعية ـ يقصد فيزيقية) ، أو قسرية ، وبين الموجودات كأشياء فنية أن الصورة في الحالة الأولى توجد باطنة في الأشياء ، والصورة هنا بمعنى الطبيعة ، أما في حالة الأشياء الفنية فإن الصورة تأتي من خارج ، وهذا معنى التفرقة الرئيسة بين أشياء مبدؤها في ذاتها ، وأخرى مبدؤها من خارج ، وهذه الأخيرة هي التي تشمل الفن ، فالفن إظهار خارجي لشيء داخلي في معرض خارجي" ، (عبد الرحمن بدوي )، المرجع السابق ، ص126 ، وبهذا يقارب أرسطو بين نظريته في الوجود بالقوة والوجود بالفعل ، أي نظريته في الوجود بما هو موجود ، والتي سنجد لها انعكاس في نظريات الوجود المعاصرة ، وهي محاولة لإيجاد مقاربة بين ما يطلق عليه اليوم بالنظرية والتطبيق ، والتي تكشف عن أزمة معرفية سببها هذه الثنوية بين النظري والعملي ، وبين إمكانية تجسد المطلق في المحدود المكاني ألزماني ، هذا من جهة ، وفي ربط العمل الفني بهذه الحالة الاستبطانية ، أي باستبطان المعنى ، هنا نلاحظ مقولة "المعنى في بطن الشاعر" ، وبين نقل هذا المعنى إلى الخارج ، أي من خلال الألفاظ والتعابير ، وهو ما يعطي هذه العملية طابعها الفني والتقاني . إن نظرية المحاكاة عند أرسطو هي الأقرب لتحديد أطروحته في وظيفة الفن بعامة والشعر على وجه الخصوص ، فبالإضافة إلى الفنية ، أي إلى أن العمل الفني يحاكي الطبيعة لا بمعنى التقليد ، بل إنه يكمل النقص في الطبيعة ، أي أن للعمل الفني وظيفة إبداعية ، أي وظيفة خلق ، وهنا يحدد أرسطو مهمة العمل الإبداعي والفني بعامة ، ولا يعتبره كما يذهب أفلاطون إلى أنه مجافاة للحقيقة أو إلى أنه وهم الحقيقة ، فالفن عند أرسطو له وظيفة إبداعية ، هذا بالإضافة إلى أن الجانب الإبداعي والجمالي ليس لذاته كما يذهب القائلون في نظرية الفن لذات الفن ، فهو يهتم بالجانب الفني ، ولكنه يعطي الفنية أو العمل الإبداعي مهمة أخلاقية ، يشير إليها بعملية التطهير ، (كاثارسس ـ Catharsis ، فالتطهير لم يعد شطحًا صوفيًا أو تخلصًا من الجسد ، كما يذهب الصوفيون الفنائيون أو أفلاطون ، بل التطهير عملية فنية إبداعية ، فمن خلال التعرف في المسرحيات المأسوية ، وهو التعرف الذي يحل العقدة تحدث حالات الرحمة والخوف لدى المتفرج ، الرحمة للبطل المأسوي الذي يدخل المأزق ، والذي كثيرًا ما يكون سببه كما يذهب اليونانيون إلى تحكم إلهات الجبر (الموهيرا) ، في مصير البطل ، واغلب أخطاء الأبطال هي أخطاء غير إرادية ، فهم محكمون بالقيام بها ، أما الخوف فهو الخوف من أن يتعرض المشاهد إلى ذات المصير المأسوي ، وبذلك يضع أفلاطون نظريته في ربط الفنون بعامة ، وخاصة فن التمثيل بالأخلاق ، وما يزال الكثيرون يقولون إن المسرح هو أستاذ الشعوب .
و تفوتنا الإشارة هنا إلى ما ألمحنا إليه فيما تقدم إلى هذه الأطروحات الهامة تناولها أرسطو طاليس في كتابه فن الشعر ، ونظريته في الفعل ووحدة الفعل ،وفي فن الملهاة (الكوميديا) ، والمأساة (الترجيديا) ، وفي التعرف والمحاكاة والعقدة والحل والأسماء البسيطة والمركبة ، المجاز ، وفي علاقة المحاكاة بموضوع المحاكاة ، والفرق بين الأفعال بحسب موضوعها ، وهو ما سنقرؤه في نظريات النقد الأدب العربي عند النقاد المسلمين والعرب ، كما لابد من الإشارة إلى تناول أرسطو لفن الملحمة ومهمة العمل الملحمي ، وكذلك إلى أهمية الوزن ، وأشكال التراكيب ، وبهذا ندعو إلى قراءة جديدة وجادة لأطروحات أرسطو في الفن وفي الأعمال الإبداعية بكل أساليبها ، وإن كنا نقرر أن أطروحات أرسطو لا تخرج عن نظريته السياسية ، فمشروع الاسكندر المقدوني الذي يؤسس على القوة العسكرية هو الذي ينظر له أرسطو على أنه الوسط الذهبي ، أي أن أفلاطون في نظريته الاستعلائية لصالح أثينا يقدم ما نطلق عليه بالرأس الذهبي ، والذي يقدم القوة الغضبية التي يجسدها العسكر والشرطة باعتبارها الوسيط بين الحكام والجماهير ، فإن أرسطو يعطيها الأهمية ، أي أن هذا الوسط هو الفضيلة التي يجعلها بين رذيلتين ، وكأنه يقول إن الشهوات والانغماس في الملذات هو إغراق ورذيلة ، كما أن التجريد العقلاني ، وهذا الشطح الذي يقدمه أفلاطون هو كذلك رذيلة ، وأن الوسط هو هذا الذي يطلق عليه الواقع ، أي هذا الذي يحقق الوجود بالقوة ، أي الماهوي ، أو الهيولي ، أي في الوجود بالفعل ، ويمكن نقول إن الهيولي يقترب به أرسطو من أطروحة اليهودي الألماني أدموند هوسرل ، في أن الميتافيزيقا ليست في المفارق ولكن الميتافيزيقا هي إدراك ماهية الفيزيقا التي هي الهيولي عند أرسطو ، أي أن الوجود هو الموجود ، وأن كل جهودنا تتمخض في معرفة حقيقة الموجود ، حتى أن هوسرل يقدم مشروعه في تحويل الميتافيزيقا إلى علم دقيق ، وإن كان هوسرل كذلك يدافع وينظر للمشروع اليهودي ألتلمودي ، الأمر الذي يجعلنا نعرض في المقابل للاختلاف بينه وبين تلميذه الألماني مارتن هايدغر ، وذلك بما يذكرنا من باب المقاربة في الفرق بين سقراط وأفلاطون من جهة ، وتلميذهما أرسطو من جهة أخرى ، وإن كان الفرق هو فرق في مشاريع ، يدعو إلى اختلاف في الأطروحات ، وإن بدا أن المبدأ الذي ينطلقون منه هو مبدأ وحد .
عن صحيفة الشمــس












