الثورة في أبسط تعريف لها، هي حالة فكرية رافضة للسائد، محطمة لأسسه الظالمة التي يستند إليها وعليها، جادة في طرحها البديل العقلي الذي ينسجم وطبيعة الإنسان، متناغماً مع القواعد الطبيعية المقياس والمرجع لجملة العلاقات البشرية والإنسانية، والثورة بهذا المعنى هي ثورة على المفاهيم المغلوطة التي تصادر الوعي الإنساني وتنحرف به وتعمل على تزييفه بشكل قسري..
الثورة إذن هي معركة فكرية وعقلية – في المقام الأول- تقودها قوة ثورية،
وتدور رحاها في أدمغة الناس، لتتساقط المفاهيم البالية صريعة أمام زحف المفاهيم
الثورية الجديدة التي تعيد الأمور إلى نصابها، مثلما تعيد الاعتبار لجملة المفاهيم
التي انحرف بمضمونها الحذاق، وألبسوها لحماً وعظماً مصطنعًا وزائفا..
إن الثورة بهذا المعنى ذات محتوى قيمي، ينتصر للقيم الإنسانية وينحاز إليها، ليعيد للإنسان قيمته وكرامته وآدميته وينسف القيم المصطنعة التي تتجرد من القيم الإنسانية وتضرب بها عرض الحائط.. إن الثورة في حد ذاتها هي قيمة أخلاقية، ضد الظلم، وضد الاستغلال، وفي مواجهة التزييف والتعمية والتضليل.. والثورة بمفاهيمها الجديدة وقيمها الإنسانية، غايتها النهائية هي بناء الإنسان الجديد في وعيه وقيمه وسلوكه..
هكذا هي ثورة الفاتح العظيم، ثورة إنسانية، مفاهيمية وقيمية، قوامها الإنسان، غاية ووسيلة، الإنسان المتحرر من أسر المفاهيم البالية والمدسوسة، الإنسان القيمة والجوهر..
ومن هنا يؤكد قائدها المفكر الثائر معمر القذافي، أن الإنسان هو الجوهر، وأن الثورة لابد أن تقع داخل الإنسان، ثورة الإنسان على نفسه ومن أجلها.. هذه هي الفلسفة الثورية الجديدة التي أسهمت بها ثورة الفاتح العظيم في علم الثورات، فالثورة ليست عملاً نخبوياً، ولا طليعياً، ولا انقلابياً، بل هي عمل جماهيري تقوده الجماهير التي وعت حقيقة العلاقات الظالمة، فثارت ضدها، محطمة إياها، مرسخة قواعد إنسانية جديدة بديلاً عنها وعلى أنقاضها..
إن هذه الفلسفة الثورية الجديدة، تعيد الاعتبار لمفهوم الثورة، الذي تم الانحراف به، وتزييفه، وإفراغه من مضمونه، وشحنه بمفاهيم تتناقض معه هدفاً وقيمة، فالثورة تغيير جذري لأسس المجتمعات التقليدية البالية، وليست محاولة إصلاحية تلفيقية لأوضاع تلك المجتمعات المتأزمة وعلى الأصعدة كافة..
فالثورة لا تكتفي بكشف العلاقات الظالمة وحسب، بل إنها تتجاوز ذلك إلى تحطيم هذه العلاقات، وطرح البديل الحضاري عنها وبدلاً منها، بديل جذري يستهدف إرساء علاقات عادلة وسليمة تستجيب لطبيعة الإنسان وتجسد إرادته وتشبع حاجاته ورغباته.
الثورة في المفهوم الثوري الجماهيري، مفهوم شامل متكامل في جوانبه النظرية والعملية، وفي انسجام وتناغم تام، فهي ضد تجزئة المفاهيم أو قضمها أو الانتقاص منها، وهي ليست حلماً خيالياً طوباوياً، بل هي عمل واع يقوده أفراد ثوار هدفهم تحرير الإنسان، وتخليصه من أسر المفاهيم المغلوطة والمزيفة، كي ينطلق الإنسان نحو براح أوسع من الحرية والإبداع..
إن مفاهيم تقليدية سائدة تتداعى سقوطاً أمام زحف المفاهيم الثورية الجديدة، فالمعركة معركة ثقافية في المقام الأول، وثورة تصحيح حقيقي لجملة المفاهيم التي سعت قوى الظلام للانحراف بها وإصباغ شرعية واهمة عليها، مثل مفاهيم النيابة والتمثيل والوصاية التي يتم بناء مقولات رجعية عليها لشد الجماهير إلى الخلف وتزييف وعيها ومن ثم مصادرته في عملية غسيل للعقول.. إن مقولات مثل: الشعب الساخط له الحق في طرد حكامه، والشعب هو صانع الملوك، والحكومة البرلمانية هي أم الحريات المدنية، والقانون السليم هو الذي يقبله الشعب، والحكومة السليمة هي التي يرضى عنها الشعب، وغيرها من المقولات الرجعية، هي مقولات نتاج تزييف وعي الشعوب، وهي مقولات تنحرف بالمعنى والمضمون الحقيقي للديمقراطية والتي تعني سلطة الشعب، فالكتاب الأخضر يشرح المفاهيم ليكشف عن أوجه القصور والخلل فيها، ثم يعيد بناءها بشكل صحيح، حيث يحمل المفهوم دلالته وعمقه، فالشعب في المفهوم الديمقراطي هو الحاكم، وهو صاحب السيادة، وهو المالك لسلطته وإرادته، وغياب الشعب أو تغييبه أو تنصيب حاكم أو حكام عليه، أو الإنابة عنه من قبل نواب أو مجالس نيابية يعني غياب الديمقراطية معنى وقيمة ومضموناً.. إذ إن مفهوم الديمقراطية لا يستقيم إلا بوجود وحضور الشعب نفسه وجودًا دائمًا وحضورًا فاعلا..
الفكر الجماهيري، فكر الكتاب الأخضر، فكر المفكر معمر القذافي، خلاصة الفكر الإنساني الذي استوعب التجارب الإنسانية كافة من أجل الحرية والتحرر يعيد الاعتبار لكل المفاهيم، وينتصر للقيم الأخلاقية والإنسانية، كي تنتصر البشرية، وكي يتحرر الإنسان من أسر المفاهيم المغلوطة، ويعيد صياغة حياته من جديد على أسس عادلة وسليمة، فالديمقراطية في المفهوم الجماهيري هي الديمقراطية الحقيقية التي يباشر فيها الإنسان الفرد سلطته كاملة وبشكل دائم ومباشر، ديمقراطية الحضور الواعي والفاعل في مؤتمرات شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ.. إنه المفهوم الذي يتطابق فيه الجانب النظري مع الواقع العملي في مشهد جماهيري شعبي ديمقراطي.. إن مفهوم الديمقراطية يصبح هنا مفهومًا ذا معنى ودلالة ومضمون، وليس مفهوماً نظرياً مجرداً لا معنى له وبلا فاعلية، بل هو مفهوم حيوي يتجسد واقعياً، وفي ذلك يقول الكتاب الأخضر "إن الكتاب الأخضر يقدم الحل النهائي لمشكلة أداة الحكم، ويرسم الطريق أمام الشعوب لتعبر عصور الدكتاتورية إلى عصور الديمقراطية الحقيقية.. إن هذه النظرية الجديدة تقوم على أساس سلطة الشعب دون نيابة أو تمثيل.. وتحقق ديمقراطية مباشرة بشكل منظم وفعال، غير تلك المحاولة القديمة للديمقراطية المفتقرة إلى إمكانية التطبيق على أرض الواقع والخالية من الجدية لفقدانها للتنظيم الشعبي على المستويات الدنيا"..
إن فكر الكتاب الأخضر لا يترك المفاهيم هكذا مجردة تدور وتسبح في الفضاء النظري، بل يقرن المعنى النظري للمفاهيم بالتجسيد العملي لها وتلك خاصية مميزة لفكر الكتاب الأخضر الذي يقول في الشأن الديمقراطي "المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ليست من صنع الخيال بقدر ما هي نتاج للفكر الإنساني الذي استوعب كافة التجارب الإنسانية من أجل الديمقراطية"..
كما إن الشأن الاشتراكي في الكتاب الأخضر لصيق بالحياة، معانق لها، يمثل خلاصة الفكر الاشتراكي الإنساني ومدارسه ويجسد اشتراكية حقيقية، ويقيم نظاماً اشتراكياً يستجيب لحاجات الإنسان ويحررها قياساً على القواعد الطبيعية التي يقول عنها الكتاب الأخضر "إن القواعد الطبيعية هي المقياس والمرجع والمصدر الوحيد في العلاقات الإنسانية".. وهكذا يتأسس مفهوم الاشتراكية على هذه القاعدة التي تنبذ الاستغلال والاحتكار، وترفض العبودية والاستعباد، اشتراكية تحرر حاجات الإنسان، وكما يقول الكتاب الأخضر "إن حرية الإنسان ناقصة إذا تحكم آخر في حاجته، فالحاجة قد تؤدي إلى استعباد إنسان لإنسان، والاستغلال سببه الحاجة، فالحاجة مشكل حقيقي والصراع ينشأ من تحكم جهة ما في حاجات الإنسان".. إن الاشتراكية بهذا المعنى الجماهيري هي تحرير الحاجات ليتحرر الإنسان، ففي الحاجة تكمن الحرية – كما يقول الكتاب الأخضر- ويضيف القول "هكذا أنتجت التجارب التاريخية تجربة جديدة كتتويج نهائي لكفاح الإنسان من أجل استكمال حريته وتحقيق سعادته بإشباع حاجاته ودفع استغلال غيره له، ووضع حد نهائي للطغيان، وإيجاد طريقة لتوزيع ثروة المجتمع توزيعاً عادلاً حيث تعمل بنفسك لإشباع حاجاتك، لا أن تسخر الغير ليعمل لحسابك لتشبع على حسابه حاجاتك، أو أن تعمل من أجل سلب حاجات الآخرين".. إنها صياغة جديدة ومنطقية لمفهوم الاشتراكية بشكل شامل ومتكامل، وتتطابق جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. اشتراكية الشركاء الأحرار في السلطة والثروة والسلاح.. اشتراكية المعرفة والرياضة والفنون.. اشتراكية الجميع من أجل الجميع.. هكذا هي منظومة المفاهيم والقيم الجماهيرية، منظومة مترابطة متكاملة منسجمة مع طبيعة الإنسان نظرياً وواقعياً تستجيب لحاجات الإنسان وتلبي رغباته.. فالفكر الجماهيري الجديد الذي جاءت به ثورة الفاتح العظيم هو فكر إنساني يعيد للمفاهيم اعتبارها وتتمثل من خلالها كل القيم الإنسانية النبيلة.
عن صوت إفريقيا














من مصر