
أ. د رجب بودبوس
إن صورة الموظف العمومي مزدوجة، تجمع الوجه الأسطوري للمعلم، المكرس لمهنته، الكفء، الحازم والعادل، ووجه الموظف على المقعد الدوار، المريح، الكسول وغير الكفء.
النظرية الاقتصادية دخلت حلبة نقاش الوظيفة العمومية ، جان جاك لافونت عام 2000 ، ادخل قطيعة في فرنسا ، عندما بين أن النقاش الجاري حول إصلاح الدولة لا يتعلق بتعريف ما يدخل في الصلاحيات العمومية ، في كل قطاع فقط ، وإنما أيضا أنماط إدارة الموارد البشرية في صميم القطاع العمومي .
إصلاح الدولة هكذا ليس فقط تحديد ما يدخل في صلاحيات الدولة، وإنما أيضا النظر في أنماط إدارة الموارد البشرية في القطاع العمومي، وهذا يطرح مسألة الكفاءة والفعالية.
هكذا مسألة حفز العمال تطرح في القطاع العمومي كما في القطاع الخاص، الكفاءة والفعالية إذن ترتبط بالحوافز على العمل.القطاع الخاص لا يعني انه يحفز العمال أكثر من القطاع العمومي، أو أن القطاع العمومي لا توجد به حوافز.
اقتصاد الموارد البشرية ، يدرس كيف يحفز العمال من اجل تقديم الجهد الأقصى ، من خلال المكافآت ، الترقيات .. الخ والرهان هو إمكانية استخدام هذه المناهج في الوظيفة العمومية.
- من رب العمل النموذج إلى رب العمل التابع .
- رب العمل النموذج .
إدخال نظام الاستحقاق ، كان له أولاً الميزات التي تمثلها البيروقراطية العقلانية ، كما حددها ماكس فيبر 1922 ، مقارنة بنظام الإنتاج التقليدي ، حيث كانت المهام وراثية ، غير ذات علاقة بالكفاءة والفعالية .
في الواقع إقامة رابط موضوع، بين الوظيفة والكفاءة يسمح، قبل كل شيء بالخروج من نظام الفساد والعلاقات الشخصية والسياسية في صميم الدولة.
النظام البيروقراطي، عند فيبر، يتضمن أولاً مركزية القرارات، ووحدة معايير الإنتاج، والتي تكفل معاملة متساوية للمواطنين، بعد ذلك يتضمن أيضاً مبدأ الهرمية، وأخيراً الوظيفة العمومية عند فيبر تعتبر مختلفة عن القطاع الخاص، بسبب مهامها الخاصة بها ومواصفات رب العمل.
بالنسبة لفيبر يستخدم الموظفين من اجل خدمة المجتمع ، وليس من اجل إرضاء مصالحهم الشخصية ، ومن اجل تعاونهم في الوصول إلى هذا الهدف ، يمنح الموظفون بعض الميزات ، منها حنان العمل ، ومرتبات نسبياً مرتفعة ، ودرجة رقابة اقل منها ضمان القطاع الخاص ، المرتبات العالية ، مثلا ، تحمي الموظفين من الفساد ، نظام الحوافز هذا هو الذي اليوم موضوع نقاش .
- من النقد النظري إلى الإصلاحات الأولى .
على العكس ينطلق لافونت 2000من عدم فعالية الموظفين ، وفشل إصلاح الدولة ، من وجهة نظره مسلمة حسن نوايا الموظفين كارتتي الدولة الفرنسية : هجرة الأكثر كفاءة ، وكسل الآخرين ، المعلومات الناقصة حول جهد الفاعل ، والأجر الثابت ، يحبط الجهد ، اثر الصدفة الأخلاقية - ويجذب الأقل كفاءة - اثر انتخاب عكسي - لان الأكفاء يفضلون العمل في القطاعات ، حيث يغترف بكفاءتهم وتقدر .
هذا الوضع موضع اتهام، النظري، لحسن أداء الخدمات العمومية يتواكب مع إعادة هيكلة عميقة للإدارة فيها، في بداية أعوام 1980، أولا في الولايات المتحدة، وفي بريطانيا، حيث بدأ تطبيق أول إصلاح للقطاع العمومي.
بعض البحاثة يميزون أربعة أشكال للإصلاح ، أولا عقب نشر الكتاب الشهير: إعادة اختراع الحكومة ، إوز بورن وتابلير عام 1922 ، أخذت الخوصصة شكل إخراج الإنتاج والبيع من القطاع العمومي ، وعهد بهما للقطاع الصناعي الخاص ، مثلاً البريد بعد ذلك ظهر مطلب تقليص حجم الدولة ، وفق مبدأ »عمل الكثير بواسطة القليل« والذي توافق مع التفكير في ميزانية الدولة ، وتقليص العجز ، اللامركزية من جانبها ، تسمح بتقريب جهات القرار من تفضيلات المواطنين ، في منطقة ما ، وأخيراً تحسين الفعالية الداخلية للخدمات العمومية ، والذي ينظر إليه على انه جواب بديل للثلاث الاستراتيجيات السابقات .
الإستراتيجية الأخيرة ، تحسين الفعالية الداخلية ، أدت إلى NPR عام 1993 ، والتي تعني إعادة النظر في النوعية ، والتي ادخلها نائب الرئيس الأمريكي ، آل غور .
الوليد الجديد للإدارة العمومية الجديدة ، يعني إذن التركيز على أهداف مالية ، وعلى استخدام الموارد ، بينما كان الموظفون سابقاً ، وقبل كل شيء مسؤولين عن مشروعية الأعمال الإدارية فان الإدارة بواسطة الهرمية ، صارت شيئاً فشيئاً إدارة بواسطة عقود .
في الولايات المتحدة ، صار المدراء يوظفون ، بالتغاضي عن المناهج التقليدية في التوظيف ، عن طريق مسابقات وصفات موضوعية ، ووفق رأي مسؤول الخدمة ، وفي عام 1993 أصدرت الولايات المتحدة قانوناً ، أطلقت عليه الحكومة الكفوءة ، وهو برنامج تقييم كفاءة الحكومة ، وكل خدمة عمومية يجب أن تحدد أهدافها بوضوح ، وأيضاً وسائل الوصول إليها ، وان تضع في التنفيذ نظام تقييم سنوي بالتعاون مع الكونغرس ومع المنتفعين بالخدمة .
في الولايات المتحدة أيضاً، وفي مجال القضاء، قانون إصلاح العدالة المدنية، ولد عن الانشغال الذي تطور في سنوات 1980، بخصوص مدة العدالة، الزمن اللازم لإصدار حكم في قضية ما - والذي أرغم الحكومة والكونغرس على تقديم مقترحات إصلاح النظام القضائي.
بلدان أخرى من منظمة التعاون والتطور الأوروبية ، OCDE لحقت نفس الحركة الإصلاحية .
في فنلندا أقامت وزارة المالية مشروع »النوعية والإنتاجية« بالاشتراك مع عدة قطاعات رائدة، من اجل اختيار أشكال جديدة للإدارة، وتخصيص موارد الميزانية وفق نتائج الخدمات، في الدانمرك وضعت وزارة المالية تصور خدمة نمطية، والذي يحدد أهدافا يمكن لكل خدمة تحقيقها.
أما هولندا فقد أجرت عدة إصلاحات للقطاع العمومي ، هكذا عام 1984 خصص احتياطي في الميزانية من اجل مكافأة جهود الموظفين الأكفاء .
الإصلاح الذي بدأ عام 2001 ، ونفذ منذ يناير 2006 ، في إجراءات الموازنة ، في فرنسا ، والقانون العضوي - الأساس- المتعلق بقوانين المالية ، يشهد على اهتمام البرلمان بجعل الميزانيات تتوقف على تقييم الكفاءات .
مع ذلك استعارة مفاهيم الكفاءة، ومناهج الإدارة في القطاع الخاص، والعمل بها في القطاع العمومي، يطرح مشكلات.
2- إدخال أداة إدارة في القطاع الخاص إلى القطاع العمومي .
- استخدام المؤشرات:
استخدام المؤشرات، من اجل قياس كفاءة العاملين في القطاع الخاص، ليس جديداً، ولا يدهشنا، الآلية بسيطة، وميزاتها عديدة.
في الواقع عندما دب العمل يلاحظ عمل عماله ، فأنه أولاً بإمكانه فصلهم من العمل ، أو عقابهم ، في حالة عدم احترامهم عقد العمل ، الذي ينص صراحة على التزامات الأجير ، والمكافأة المرتبطة بهذه الالتزامات .
العقبة الأساسية في استخدام المؤشر ، يمكن أن تأتي من الفارق الاجتماعي ، بين المؤشر المعمول به ، وبين الهدف المطلوب فعلاً ، استخدام المؤشر عندئذ يمكن أن يكون مصدر أثار شاذة ، لأنه قد يعني دفع مرتبات أو مقابل عمل ليس مطلوبا فعلاً ، ببساطة لان ما هو مرغوب صعب النص عليه في عقد العمل ، وهذا يمكن أن يقود إلى إحدى نتيجتين : ، أما الاحتكام إلى مزاجية مراقب المؤشر ، والذي يقيم العمل وفق المؤشر ، وأما الاحتكام إلى تقدير القائم بالعمل .
- مؤشرات كفاءة في القطاع العمومي :
إذاً اللجوء إلى مؤشرات الكفاءة يبدو عاماً ، إلا أن تقييم فعاليتها في القطاع العمومي ، ليس بعد موضوع اتفاق ، كما أن ما هو مستغرب أكثر ، في إدخالها إلى القطاع العمومي ، إن هذا توسع في استخدام المؤشرات ، فيما وراء القطاعات العمومية المنتجة للخيرات والخدمات التجارية ، مثل البريد ، فازدوفرانس ، مواصلات عمومية ...الخ في القطاعات الأكثر رمزية وغير الممكن تقييمها كمياً .
هكذا إلى السلبيات المعروفة، في استخدام المؤشرات في القطاع الخاص، تضاف صعوبات خاصة في استخدامها في القطاع العمومي.
الصعوبة الأولى، الخاصة بالخدمات الصحية، وتطرح خاصة في القطاعات الأقل تجارية، تقوم في ضرورة تحديد أهداف قبل وضع مؤشرات، كما انه في مجال القضاء، تكشف تحديد أهداف صعبة جداً.
مثلاً : جرت تجربة وضع مؤشرات في مجال القضاء ، في الولايات المتحدة ، عام 1987 ، أخيراً اللجنة المكلفة بذلك نشرت عام 1990 أول صيغة ، تشمل خمس أهداف عامة : الوصول إلى العدالة ، السرعة ، المساواة ، الحيادية والنزاهة ، والاستقلالية وثقة الجمهور ، وقسمت إلى أكثر من ثلاث وعشرين معيار نوعية ، وخمس وستين مؤشر اقترح هكذا من اجل قياس الأهداف العامة الخمسة .
التعليم هو أيضاً مجال آخر ، حيث وضع مؤشرات تكشف صعباً جداً ، مستوى التعليم ومتوسط سنوات الدراسة ، في بلد ما ، هما المقياسان الأكثر أخذاً بهما في تقدير كمية التعليم ، إحدى الدراسات المهمة في هذا المجال ، هي دراسة بارو ولي عام 1996 ، والتي توضح صعوبة القياس والمقارنة الدولية ، الباحثان وضعا مؤشراً نسبياً دقيقاً ، يتعلق بمتوسط سنوات الدراسة ، من اجل تقدير مخزون الرأسمال البشري ، لسكان بلد ما ، إنهما يحاولان البحث في كيفية تقييم نوعية التعليم ، والتي لا يمكن اختزالها في الكمية ، والتي تعني مجرد عدد سنوات الدراسة (من الصعب قياس النوعية مباشرة وإجراء مقارنة دولية وفق هذا المقياس) . هكذا حدد الباحثان أربع صفات لنوعية التعليم: حصة الإنفاق العمومي في صالح التعليم، بالنسبة لعدد التلاميذ، الأجر الحقيقي للمعلمين، مدة الدراسة، ونسبة عدد التلاميذ لكل معلم.
مؤشر نوعية التعليم ، الأكثر مباشرة ، هو نتائج التلاميذ في امتحانات متوسط دولي ، لبلد ما ، في الرياضيات ، والعلوم الطبيعية ، والقراءة ، مع ذلك هذه المؤشرات لم تحصل بعد على اتفاق الجماعة العلمية ، تنوع النتائج وصعوبة وضع أسئلة مشتركة ، والتي ابتداء منها يمكن تقييم مجموعة التلاميذ ، قللت من جدوى النتائج كمقياس.
عن صحيفة الشمــس












