
أ.د المهدي امبيرش
يطلق المناطقة والمتكلمون من المسلمين والعرب من أمثال الفارابي وأبن سينا على أرسطو لقب المعلم الأول ، وتأثير أرسطو فيهما وفي المتكلمين بعامة تأثير كبير ، بل يمكن القول إن ما يطلق عليه بالفلسفة الإسلامية هو لا يعدو أن يكون صياغة للغة العربية لأفكار هذين المنطقيين مع بعض المحاولات التوفيقية والتلفيقية بما يقترب من الشريعة ، وإن كان مؤرخو الفكر عند المسلمين يحاولون التفريق بين من يطلقون عليهم بالفلاسفة ومن يضعونهم في قائمة المتكلمين إلا أنهم جميعًا يقعون ضمن المتكلمين ، فابن سينا والفارابي والكندي هم من المتكلمون كذلك ، كما أن تأثير أفلاطون وأرسطو في المناطقة الذين وضعوا ما يسمى بالقواعد العربية تأثير واضح وخاصة تأثير أرسطو المولع بالتعريفات والتفريعات ، والحدود ، وما يطلق عليه بالمقولات ، وسوف نلاحظ هذا التأثير فيما يطلق عليه بالنقد الأدبي ، فجل النقاد للأدب العربي هم إما من المتأثرين بأفلاطون ، أو بأرسطو أو من الذين يحاولون أن يجمعوا بينهما ، وهو الأمر الذي نبهت إليه في أكثر من موضع إلى ضرورة البحث من جديد في نظرية للأدب العربي ، والنحو العربي ، واللسان العربي تعتمد منهجًا بيانيًا وأحكامًا تتمشى وهذا النحو العربي الذي هو منهج التفكير العربي ، فالمسألة ليست مسألة نقد وآراء ، بل هي مسألة منهج تفكير ، ولابد أن يتم الفصل بدقة بين منهج التفكير الأعجمي ، ومنهج التفكير العربي ، وإلا نقع في الخطر الذي نبه إليه القرآن الكريم من هذا الخلط بين المنهجين ،:" وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِياًّ لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)" سورة فصلت .
ولد أرسطو طاليس في اسطاجيرا ، وهي مدينة من مدن تراقيا التي تقع في شمال اليونان ، وكان مولده على ما تجمع أكثر المراجع في عام 384 ق.م ، "وكان والده نيقوماخوس ، طبيب آمينتاس الثاني جد الاسكندر المقدوني ، يرقى بنسبه إلى اسقلابيوس ، (إله الطب عند اليونان) . ويحتمل أن يكون أرسطو قد تمرس في صباه بالتشريح على يد ولده ، ولما بلغ سن الثامنة عشر ألتحق بأكاديمية أفلاطون في أثينا سنة 366 ق.م ، وتتلمذ طوال عشرين سنة على أفلاطون الذي كان يكن له خالص المودة ويشهد له بالتقدم حتى لقد دعاه بالقارئ وبالعقل" [يراجع ماجد فخري ، أرسطو طاليس ، ص 9 ، ط4 ، دار المشرق ، بيروت ، 1999 مسيحي] .
وإن كان أرسطو قد تتلمذ في الأكاديموس ، أي في مدرسة أفلاطون التي أسسها تيمنًا بالبطل الأسطوري الأثيني اكاديموس ، والتي كان تأسيسه لها بعد أن فشل في وجود من يتبنى أفكاره ممن هم في السلطة في ديون ، إلا أن أرسطو بحكم انتمائه المقدوني لم ينهج نهج أستاذه ، بل قدم أطروحاته على تنوعها بما يتميز به من جهة ، وبما يخدم مشروع مقدونيا ، أي مشروع الاسكندر الذي بطلب من فيليب المقدوني تولى مهمة تعليمه ، وعلى ما ذهب إليه بلوطارخس ، وهو أحد المؤرخين لأرسطو ، فإن أرسطو (لقن الاسكندر مبادئ الأخلاق والسياسة والعلوم السمعية والباطنية والطب ، وكتب له شرحًا للإلياذة ، كان يحمله الاسكندر معه أين حل أو رحل ، ويضعه مع خنجره تحت وسادته كلما أوى إلى فراشه" [ماجد فخري ، المرجع السابق ، ص ، 10] ، وترجع قيمة أرسطو ليس فحسب إلى نظريته وأطروحاته بل على أنه أحد المصادر التي يعتمد عليها في تأريخ الفكر اليوناني كما يذهب إلى ذلك محمد على أبوريان [ يراجع ، د.محمد علي أبوريان ، تاريخ الفكر الفلسفي ، الفلسفة اليونانية ، الجزء الأول ، من طاليس إلى أفلاطون ، ص ، 24 - 28 ، دار النهضة العربية ، بيروت ، لبنان ، 1976 مسيحي] . إن ما يهمنا في هذا المقام بعض الإشارات إلى أطروحات أرسطو في فن الشعر ، وقد خصص المفكر الوجودي عبد الرحمن بدوي في موسوعة الفلسفة الجزء الأول فصلاً مطولاً تناول فيه أفكار أرسطو طاليس ، [يراجع عبد الرحمن بدوي ، موسوعة الفلسفة ، ج1 ، ط1 ، ص 98 -131 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، لبنان 1984 ] ، وعبد الرحمن بدوي قام من ضمن الأعمال الكثيرة التي أهتم بها بترجمة كتاب فن الشعر لأرسطو طاليس ، وأورد ضمن هذه الترجمة الترجمة القديمة وشروح الفارابي ، وابن سينا , أبن رشد ، [يراجع عبدالرحمن بدوي ، أرسطو طاليس ، فن الشعر ، دار الثقافة ، بيروت ، لبنان] ، وقد أوردت هذه الترجمة أطروحات أرسطو المتعلقة بالشعر ، أي المتعلقة بنشرة الشعر وأقسامه ، ورأيه في الفعل ووحدة الفعل وتقسيم الفعل إلى بسيط ومركب وأطروحته في التحول والتعرف ، وفي قضايا علاقة الفعل بالأخلاق ، والعقدة في العمل الفني ، والرحمة والخوف وعلاقتهما بالتطهير ، وفي أجزاء القول في القواعد ، ورأيه في الاسم وتقسيم الاسم إلى بسيط ومركب ، وكذلك في موضوعات ما عرف عند المتخصصين من العرب والمسلمين بالبلاغة ، حيث تتناول التشبيهات والاستعارات والمجازات ، وما إليها ، ومن يطلع على هذا الكتاب وكتاب أرسطو في النثر وهو الكتاب الذي حققه عبدالرحمن بدوي يتأكد مما ذهبت إليه في تأثير أرسطو الكبير على نظريات القواعد والأدب والبلاغة عند المسلمين من الأعاجم ، والتي أقحمت باعتبارها نظريات في اللسان العربي والبيان والبلاغة والأدب العربي ، ومما يعتبر معينًا ثرًا لدراسات في الموازنة والمقارنة ، وتبيان عمق هذا الأثر الذي مازلنا نقع تحت تأثيره خاصة ذلك التأثير الذي يضع حدودًا للإبداع ، ويضع هذا الإبداع ضمن المنطق ويحول النحو كما أشرنا إلى قواعد ، واللسان إلى لغة بما يكرس سلطة المناطقة وحذلقات المتكلمين.
ولأننا بصدد الحديث عن نظرية أرسطو في الشعر على وجه الخصوص والفني بعامة نورد رأي عبدالرحمن بدوي الذي ذكره في موسوعة الفلسفة التي اشرنا غليها فهو يقول بخصوص كتاب الشعر لأرسطو أننا "نخطئ كثيرًا إذا ما اتخذنا من كتاب الشعر لأرسطو المعبر الحقيقي عن مذهبه في الفن ، فإن هذا الكتاب ناقص كل النقص ، كما أن لا يذل على فكرة الحقيقية عند أرسطو ، لأن الفن لم يكن عنده مقسماً كما هي الحال اليوم إلى فن بوجه عام ، وإلى فن جميل بوجه خاص ، وإنما الذي يريد أن يجد مذهب أرسطو في الفن ، فعليه إن يكشف عنه في (الطبيعيات)، (وفيما بعد الطبيعة) ، ثم في كتاب (السياسة) ، خصوصًا في المقالة الثامنة من هذا الكتاب الأخير ، إلى جانب كتاب (الخطابة)"، [عبدالرحمن بدوي ، الموسوعة ، ص125 - 126] .
عن صحيفة الشمـس












