
أ. د رجب بودبوس
نشاهد هذه الأيام في بعض المجتمعات ، المدعوة في طور النمو ، طهقة عارمة بالتقنية ، ويتحمس لها كما يتحمس طفل للعبة جديدة هذه التقنية تعرضها فترينات تسمى معارض ، وناطحات سحاب شاهقة ، تحتاج إلى مصاعد ذات تقنية عالية وألان معقدة ومتطورة جداً تستورد ، وأجهزة متطورة جداً تتدفق من كل المنافذ .
لكن المتعاملون مع كل هذا لايملكون إلا الضغط على زر لكي تعمل وإذا لم تعمل انتظروا مجيء الخبير من الخارج لإصلاحها .
زرت يوما احد هذه البلدان وذهبت ، وفق برنامج الزيارة إلى ملعب كرة ، ذي سقف متحرك ، على شكل خيمة ، مرافقي كان يضغط على الأزرار فرحاً ، والسقف يتحرك ، لكن كان وراءه يقف الفنيون الأجانب ، في غرفة التحكم.
بالطبع كل هذا ممكن مادام هناك موارد نفط لكن هل هذه تنمية ؟ هل التنمية مجرد استيراد التقنية واستعراضها بينما في الحقيقة وان غيرت مكانها لازالت خاضعة لمصدرها عكس هذا الاتجاه هناك رأي آخر.
في ندوة حول التنمية تناول احد المشاركين موضوع نقل التقنية وبعد أن أسهب في شرح كيف تنشأ وتتطور مستعيناً بالة عرض وبحاسوب أمامه ، انتهي أي أن التقنية ترتبط عضوياً بمنشئها وإذن لا يمكن نقلها .
هذا الحكم جزئياً صحيح وجزئياً خاطئ .
هذا الأستاذ الباحث عندما كان يتحدث إلينا شارحاً أسباب عدم إمكانية نقل التقنية كان يستخدم جهاز حاسوب متطور وجهاز عرض يرينا ما كتبه المتحدث على شاشة كبيرة .
سألته : انك تجيد استعمال الحاسوب وجهاز العرض ..؟
أجاب : نعم ، قلت ، لكنك لست أنت مخترع الحاسوب كما لست من المجتمع حيث نشأت هذه التقنية ومع ذلك ها أنت تتقن جيداً هذه التقنية ، وتستخدمها في أبحاثك ، ألا يبرهن هذا على إمكانية انتقال التقنية ؟ وان الحكم الذي أصدرته على الأقل مبالغ فيه ؟
لقد ذكرت أن الحكم بعدم إمكانية انتقال التقنية جزئيا خاطئ ، لأن استعمال الأستاذ الباحث نفسه لجهاز الحاسوب وآلة العرض ، يشير إلى إمكانية انتقال التقنية.
هذا الباحث الليبي ، ذهب بلا شك للدراسة في الولايات المتحدة ، أو في غيرها ، وهكذا استوعب تقنية الحاسوب ، وصارت جزءاً من عقليته ، وتتكلم لغته العربية .
من ناحية أخرى التقنية في نفس المجتمع ، حيث تنشأ وتتطور ، هي نتاج أفراد أو جماعة محدودة : شركات متخصصة ومع ذلك لا جدوى منها إن لم تستعمل على أوسع نطاق ممكن ، حسب مجالها ، هكذا كل تقنية تستهدف انتشارها ، وهذا هو مبرر الإنفاق عليها .
ذلك يعني أن التقنية تنتقل في المجتمع نفسه، وتنتشر ابتداء من مخترعيها أو مطوريها، إلى غيرهم، وإذا انتقلت هكذا من وسط إلى آخر، في نفس المجتمع، فلماذا ليست ممكناً انتقالها من مجتمع إلي آخر ؟!
تاريخياً لدينا شواهد على انتقال التقنية ، ورغم التحوطات الشديدة من بلد المنشأ ، لأسباب بالطبع تجارية وغيرها ، فإنه من المستحيل الاحتفاظ بأسرار التقنية أكثر من فترة محدودة ، وهذه تتقلص باستمرار ، والتجسس الصناعي والتقني ، الشائع اليوم يشير إلى نشاط ، خاص وعمومي ، يستهدف نقل التقنية هكذا عندما هرب مهندس انجليزي ، ومعه تقنية المغزل الآلي ، من بريطانيا إلى أمريكا انتهى احتكار انجلترا لهذه التقنية التي شاعت منذئذ في أمريكا ، والتي صارت منافساً جدياً لانجلترا في هذه الصناعة .
في أيامنا هذه صار من المؤكد عدم إمكانية الاحتفاظ بسر تقني، مدة طويلة، إذ حالما يظهر لمتوج في السوق، ولا يمكن غير هذا، فانه صار من الممكن جداً كشف أسرار التقنية.
لو كان انتقال التقنية من مجتمع إلى آخر ، غير ممكن ، لظلت بريطانيا ورشة العالم الصناعية إلى يومنا هذا ، ورغم أنها حاولت إقناع العالم بمزايا التخصص وترك المجال الصناعي لها ، وفق مبدأ الميزات المقارنة ، الذي نظر له ريكاردو في مقاله الشهير مقارناً بين بريطانيا الصناعية والبرتغال الزراعية إلا أن التقنية انتقلت وشاعت في مختلف بلدان أوروبا ، حتى أفقدت بريطانيا احتكارها للتقنية .
البلدان الأوروبية، التي تبدو اليوم ذات مستوى تقني متماثل تقريباً، لم تكن كذلك منذ البداية لقد نقلت تقنيات غيرها.
اليوم نظرية أن شعوب قابلة للتقنية ، وشعوب أخرى غير قابلة للتقنية شعوب صناعية وشعوب زراعية ، عفى عليها الزمن ، وصار بإمكان كل شعب ان يدخل مجال الصناعة ورديفها التقنية ، العقل هو أكثر الأشياء عدلا في القسمة بين البشر ، والاختلاف ليس فيه وإنما في استخدامه .
كل الشعوب عرفت الزراعة وهذا صحيح. ويمثل نشاطاً اقتصادياً ، حتى من صار منها صناعياً اليوم ، لكن هذه نشاطات اقتصادية ولست تكوينات عقلية مختلفة ولا تشيتصنيعاً.لافات في طبيعة البشر .
مع ذلك هذا الحكم جزئياً صحيح .
لقد ذكرت أن التقنية تنتقل في المجتمع نفسه حيث تنشأ ، من وسط إلى أوساط أخرى ، لكن ليس كل هذه الأوساط ، قادرة على استيعاب التقنية ، لأسباب تاريخية واجتماعية وتظل هكذا بعض الأوساط في نفس المجتمع غير قادرة على استيعاب حتى استخدام التقنية .
إن الأستاذ الباحث يجيد استخدام تقنية الحاسوب ، أفضل من ألاف أفراد في المجتمع حيث نشأت هذه التقنية .
هذا يطرح مسألة مستوى التقنية ، ومستوي الوسط الذي تنتقل إليه ، إذا كان الفارق كبيراً جداً ، بين مستوى التقنية وبين مستوي تطور الوسط الذي تنتقل اليه ، فان هذا يرتب نوعاً من الإحباط ، ويعيق انتقال هذه التقنية واستيعابها .
هكذا عندما يراد نقل التقنية من مجتمع متطور جداً وذات مستوى متطور جداً، أي بلد مختلف، فإن فارق المستوى يمكن أن يمنع استيعاب هذه التقنية، في هذا المستوي من قبل المجتمع المتخلف.
في الحقيقة هذا الفارق ليس بين مستوى التقنية وبين مستوي المجتمع المراد نقل التقنية إليه ، وإنما هو فارق بين مجتمعين احدهما تقدم وتطور ، والآخر متخلف بالنسبة للأول ، ولأسباب تاريخية لا احد يجهلها ، وهذا يحدث في نفس المجتمع عندما نجد مستويات متقدمة وأخرى متخلفة ، عالم متقدم وعالم ثالث في نفس المجتمع .
إذا كنا نجد التقدم والتخلف في نفس المجتمع الموصوف بالمتقدم ، فهذا يعني أن التخلف والتقدم ليسا في طبيعة البشر ، كل مجتمع قابل للتطور والتقدم ، وكل مجتمع قابل للتخلف أو البرهان على هذا تاريخياً ، ان مجتمعات كانت متقدمة جداً ، وحتى تقنياً بالنسبة لمرحلتها التاريخية تعيش في الظلام ، صارت اليوم متقدمة .
الغرب المتقدم حالياً ، نقل معارف وتقنيات مجتمعات أخرى ، من بينها المجتمع العربي الإسلامي
المسألة إذن ليست استحالة انتقال التقنية بإطلاق اللغة نفسها والتي دعم بها الأستاذ الباحث رأيه، يمكن للآخرين إتقانها رغم أنها ليست لغتهم.
عندما ذهبت إلى فرنسا ، للدراسة العليا لم أكن اعرف كلمة فرنسية واحدة ، ومع ذلك والى حد كبير أتقنتها ، والأستاذ الباحث نفسه يتحدث الانجليزية بطلاقة ، وهو عربي .
المشكلة في نظري، تكمن في عدم مراعاة مستوى التقنية، ومستوى تطور المجتمع المراد نقلها إليه، إذا كان الفارق كبيراً جداً فإنه يحبط محاولة استيعاب التقنية، ونقلها عندئذ يمكن أن يكون صورياً وليس فعلياً.
الصين أدركت هذا ، عندما شرعت تطور نفسها ، لم تستورد ، في البداية ، تقنيات عالية ومعقدة تفوق جداً مستوي تطورها آنذاك ، وإنما راعت أن ما تستورده من تقنية ، يمكن ومع بذل الجهد استيعابه وتوطينه هكذا خطوة خطوة ، تمكنت من استيعاب التقنية المتقدمة وتوطينها حتى صارت تنافس غيرها .
هذا لم يحدث دفعة واحدة، مثلما هو الحال في بعض المجتمعات التي تبدأ مشروع تطورها بان تستورد تقنيات عالية جداً ومعقدة جداً، ثم تقف أمامها عاجزة، وإنما حدث على مراحل وفي كل مرحلة بالتناسب مع ما تحقق من تطور.
هكذا وبكل تأكيد استيراد تقنية عالية جداً، لا يعني في الحقيقة نقل تقنية، أنها هكذا صندوق مغلق على أسراره، لا يمكن التعامل معه.
نقل التقنية يعني إمكانية االتقنية،ها واستيعابها ومن ثم توطينها ليس فقط استخداماً وإنما أيضا صيانة وإدامة وأخيراً تصنيعاً .
عندئذ عند التفكير في نقل المعرفي، يجب أن يكون ما ينقل في مستوي لا يحبط جهود استيعابه وتوطينه .
يبقى معنقل،رفع المستوي المعرفي ، وتطوير العقلية شرطان أساسيان لاستيعاب ، وتوطين التقنية ، وهذان الشرطان ليسا مستوردين ولا يحتكرهما مجتمع ، كما ليسا مستحيلين ..
إذن رغم أن نقل التقنية لا يتم آليا ً ، وإنما بإعداد المجتمع معرفياً وعقلياً ، وهذا يتطلب بالطبع جهداً ، كما يتطلب أن يجري نقل التقنية على مراحل ، تناسباً مع درجة التطور التي يحققها المجتمع في كل مرحلة ، وليس استيراد تقنيات أخرى صرخة ، يقف أمامها المجتمع عاجزاً هكذا التطور المتحقق في كل مرحلة يكون قاعدة انطلاق المرحلة الثانية .
عندئذ نقل ،استيعاب وتوطين التقنية أمر ممكن جداً .
البعض قد يحتج بأن نقل التقنية العالية والمتطورة ، ضرورة ولا يمكن الانتظار لكن اسأل هؤلاء : ما جدوى نقل تقنية عالية ومتطورة لا يمكن استيعابها ولا توطينها ؟
بالطبع من السهل بناء ناطحات سحاب وتجهيزها بمصاعد عالية التقنية لكن ماذا لو وقف بنا المصعد في منتصف الطريق ؟
إن ادعاء إمكانية نقل التقنية آليا ودفعة واحدة وفي أعلى مستوياتها إذ يكفي لهذا توقيع اتفاق مع الشركة المصنعة، يقود عملياً إلي تبذير الموارد والوقت، والى التبعية ولا يحقق التنمية المطلوبة.
لكن ايضاً ادعاء استحالة نقل التقنية باطلا يقود إلى اليأس والى تحبيط كل تطور ومنع التقدم ويعيد إنتاج نفس النظرية الاستعمارية القديمة .
التنمية ليست مجرد نقل أو استيراد تقنية وإنما تكمن في أسلوب نقل هذه التقنية والذي يجب أن يأخذ في الاعتبار مستوى المجتمع ومستوى كل مرحلة يحققها وما يتناسب معها من تقنية.
الأستاذ الباحث لو نظر في نفسه، وقارن نفسه عندما ذهب طالب العلم، بما انتهى إليه بعد سنوات الدراسة لإدراك مدى ما حققه من تطور.
هكذا التنمية تشبه كثيراً عملية التعليم وان كانت لا تجرى فقط على مقاعد الدراسة وفي التعليم أول شرط هو الأخذ في الاعتبار سن المتعلم ومستواه فيما يقدم إليه من معارف وخبرات بحيث لا يقدم له ، في كل مرحلة إلا ما يمكنه استيعابه ويخلق لديه حافزاً على التقدم ...
إذا كان ما يقدم إليه صعباً ومعقداً بالنسبة لسنه ومستواه فإن هذا يحبط جهوده وينتهي به إلى الاستسلام والفشل أما إذا كان سهلاً جداً، أقل من قدراته حسب سنه ومستواه فإنه يقوده إلى الاستهزاء به ولا يحفزه.
هكذا القاعدة التربوية في التعليم، هي أن ما يقدم للمتعلم من معارف وخبرات، يكون على درجة معينة من الصعوبة لكن لا تحبطه بل تحفزه على استيعابها، وان يتقدم هكذا درجة درجة..هذا المبدأ مع الفارق صالح للمجتمع ايضاً ، ولما كان كل إنسان قابلاً لان يتعلم ويتقدم فان كل مجتمع قابل للتعلم والتطور وهذا ما يجب مراعاته في عملية التنمية لكي تتحول من تنمية إلى نمو .
لقد تعلمنا ، ألوف الليبيين والعرب ، في جامعات أوروبا وأمريكا وفي مختلف العلوم الإنسانية والطبيعية وتفوق بعضنا على زملائه من هذه البلدان رغم الصعوبات التي واجهتنا ، مثل اللغة ، حتى أدرجت أسماء البعض علي لوحات الشرف في هذه الجامعات ، فلماذا لا نتطور كمجتمع ؟
هذا هو السؤال الذي يطلب إجابة .
أين الإختلاف في طبيعتنا، بدليل أننا نتفوق أحيانا على زملائنا في جامعاتهم الغربية... إذن أين ..؟ ربما في أسلوب التنمية الذي اتبعناه ..
* التعلم هو بلا شك جزء أساسي ومهم في كل مشروع تنمية بل هو قاعدة كل تنمية، انه ما يجعل التنمية نمواً.
عن الشمس














من مصر