
أ. د. مهدي امبيرش
الكلمة في العربية تتكون من أصوات ، هذه الأصوات هي مقاربة تجسيدية للأفكار التي هي مكفورة في ذهن الإنسان ، إن الأصوات هي استعادة في بعض منها لعملية إدراكنا للمتجسد من الأشياء ، فأنا عندما ألقي النظر إلى جهاز الحاسوب الذي يتم طبع هذا المبحث بواسطته ، فإن هذا الشيء المتجسد ينعكس على عدسة العين ، ويقوم المعمل الابصاري في جهاز الإبصار بتحويل هذا الشيء المنعكس إلى موجات ضوئية تنتقل هذه الموجات الضوئية مثل الموجات الكهربائية مع التأكيد به كذلك موجات كهربائية ، وكهرومغناطيسية ، تنتقل إلى جهاز التكثيف في المخ فتتم عملية الإبصار ، أي الانتقال من البصر إلى البصيرة .
فما نتوهم أننا نراه بالبصر هو في الواقع عملية انعكاس لهذا الشيء فيتحول إلى صورة في الذهن أي أننا نرى الشيء ولكن لا نراه ، فإذا أردنا أن نعبر عن إدراكنا لهذا الشيء قمنا بعملية استرجاعية ، أي أن المخ يصدر أوامر في شكل موجات صوتية عبر الأعصاب إلى أجهزة الصوت ، فتقوم أجهزة الصوت بتحويل هذه الموجات إلى أصوات ، ثم يتلقى السامع هذه الأصوات ، وهكذا تتم عملية الفهم والتعبير والإفهام ، إن ما قدمنا هو ملخص لعملية متشابكة ومعقدة جدًا ، كما أنها تخضع لجملة من المؤثرات العضوية (فسيولوجية) ، وتركيبية تفاعلية (كيميائية) ، ونفسية (سيكولوجية) ، هذا بالإضافة إلى تأثيرات المعارف المسبقة ، أي أن هذه المؤثرات قد تتفاعل وتحدث تأثيرها على عملية الإدراك وعملية التعبير وعملية الفهم والإفهام ، ويكون بالإمكان التأثير في عملية انعكاس الصورة وعملية تكثيفها في المخ من خلال التأثير على الأعصاب ، فالتأثير على الأعصاب مثل التشويش الذي تقوم به المحطات على عملية استقبال البث المرئي والمسموع ، فالانفعال الشديد ، والحب والكره ، أو بالتعبير القرآني الهوى من شأنه أن يؤثر في عملية الالتقاط والتكثيف للصورة ، وهنا يأتي التخيل ، والوهم ، والظن ، وما في حكم ذلك .
إن هذه المقدمة ضرورية ونحن نتحدث عن الصوت وعن الحرف ، فالحرف في العربية يرتبط بالدقة ، وهو من حرف الجبل ، الذي فيه معنى الحافة ، ومن الحرف تأتي الحرفية ، والانحراف ، والتحرف ، والتحريف ، أي تتحول من الحرف بمفهومه المتعدد هذا إلى الموقف ، فالحرفية موقف ، يؤدي إلى سلوك ، وكذا الانحراف ، والتحرف ، والتحريف ، ومن ثم فإن الحرف في العربية يحيلنا إلى هذه الدقة الشديدة المرتبطة بالأصوات ومخارج الأصوات ، وعلاقة الأصوات والمخارج بتكثيف الذبذبات الصوتية الصادرة عن جهاز التكلم في المخ ، كي تخرج هذه الأصوات ، ومن ثم فإن الكلمة في العربية هي هذا المكون لهذه العملية المعقدة والمتشابكة التي تتكثف في الكلمة ، وبهذا فإننا نقدم الكلمة على أنها عملية تكون ، وإذا كان بعض عملية التكون هو وجودي وفيزيائي وكيميائي ، فإن هذا البعض المتشيأ لا ينقطع عن حالة التكون التي هي أبعد من هذا الوضع الوجودي للشيء ، وبهذا فإن الكلمة في العربية تتكّون ولا تتركب ، فمصطلح التركيب والتشكل هو مصطلح فيزيائي كيميائي ، أي أنه ينظر إلى هذا المركب أو هذا المتشكل على أنه مركب أجزاء وذرات أو مركب عناصر ، وان الشكل ضروري جدًا لعملية التركيب ، ومن ثم يظهر عندهم ، أي عند التركيبيين ثنوية الشكل والمضمون ، ومن ثم فإن Word) )، الانجليزية لا نفهمها على أنها الكلمة ، إنها الشكل ، أو بالتعبير الأرسطي (الأرغانون) ، الذي تتركب ضمنه عناصر اللفظ أو أجزاء اللفظ ، وهنا نحيل إلى دلالة Letter) )، فهذا اللفظ يرتبط مباشرة في الانجليزية بلفظ Liter)) ، والأخير هو وحدة قياس ، ووحدة القياس ترتبط باللفظ الأول Letter) )، الذي يترجم إلى العربية على غير دقة على أنه الحرف ، ثم يستخدم Liter) )، بدلالة الخط في الانجليزية ، ومن ثم فإن مصطلح Literature) )، الذي يترجمه البعض إلى العربية على أنه الأدب ، إنما يدل عندهم على المخطوط وليس الأدب في دلالته العربية حيث يرتبط الأدب بالمأدبة ، أي بالدعوة إلى الطعام ، وبالآدب الذي هو الداعي إلى الطعام ، ثم باستعارة هذا المفهوم إلى العمل الأدبي باعتباره دعوة إلى الأخلاق والمكارم .
إن هذه النظرة إلى الحرف في الكلمة العربية ترتبط كما أشرنا بالنحو العربي ، أي بمنهج التفكير العربي ، والوصف بالعربي هو وصف بالوضوح والبيان ، حيث نقابل العربية بالأعجمية ، إننا نتحدث عن منهج تفكير وليس عن نسب وعرق ، مع أهمية النسب والعرق ، فالإنسان بحكم هذه الإنسانية علمه الله البيان ، كما جاء في سورة الرحمن ، وبقدر ما يقترب الإنسان من البيان بقدر ما يقترب من هذا الميسم الإنساني ، ومثلما هو الإنسان عملية تخلق جنيني ، أي أنه يتخلق ويتكون من خلايا ، وأن الجسد بعد هذا التخلق وبحكم الحياة يصير جسدًا ذا نفس ، هنا يصنف الإنسان ضمن المخلوقات الحية المتعضية ، ومن ثم لا ينظر إلى هذه المخلوقات كما ينظر إلى الأشياء المحضة ، هنا ندرك الفرق بين عملية التركيب والتخلق ، فالأشياء تركب وتفكك ، والشكل مهم جدًا لهذا المركب القابل للتشكل ، ولكن الإنسان والمخلوقات الحية المتعضية والخلوية تتكون فالإنسان ليس آلة مركبة من أجزاء بل هو مخلوق حي تكون من خلايا فأعضاء فأعصاب فعظام وهكذا ، ثم يتقدم الإنسان عن بقية المخلوقات الحية بالروح ، فيخرج الإنسان في طبيعته عن طبيعة الحيوانات الحية ، كما تخرج الحيوانات الحية عن بقية الكائنات الحية ، وتخرج هذه كلها عن الأشياء غير الحية ، ونقصد بالكائنات الحية النباتات والأشجار وما في حكمها ، وبذلك نتعامل مع الإنسان باعتباره مخلوقًا حيًا ، أي مخلوقًا له جسد متعض ، ومتنفس ، وفوق هذا وذاك له روح ، وبهذا نفرق بين الكلمة باعتبارها حالة تكون ، وأن لها نفس ، وأن لها روح ، وبين اللفظ الأعجمي المركب ، حيث الصوت يركب في مجموع أصوات ، أي أن الفونيم يتركب فيحدث بسبب هذا التركيب ما يطلق عليه بالمورفيم ، ويعامل الصوت في اللغة الانجليزية على سبيل المثال ، كما تعامل الأجزاء أو الذرات في المركب الشيئي ، ومن ثم يخضع اللفظ إلى عملية التركيب كما هي عملية التفكيك ، إن الكلمة في اللسان العربي كائن حي ، وله روح ، أي أن الكلمة في علاقتها الصوتية هي تخلق عضوي ، فكل حرف بمثابة الخلية التي تكون جسد الكلمة الحي ، ومن ثم تأتي العملية الإعرابية لتعبر عن حركة ، فالحركة هي ليست علامة إعراب بتعريف القواعديين ، بل هي علامة حياة ، وعلامة فعل ، أي فعل الحركة ، وقد أخطأ المتخصصون في القواعد عندما توهموا أن علامة الإعراب تلحق الحرف الأخير ، فمثلاً يقولون إن الفعل (كتب) ، فعل ماض مبني على الفتح ، ويقصدون بحركة الفتح التي هي على حرف الباء ، بينما الإعراب يتعلق بكل الحركات التي تظهر على الفعل (كتب) ، فحرف الكاف عليه علامة الفتح ، وحرف التاء هو كذلك ، وكذا حرف الباء ، أي أن حركة الفتح لحقت كل حروف الفعل ، ومن ثم إذا بني هذا الفعل للمجهول ، والبناء يحيلنا إلى مفهوم المبنى ، أي أن المبنى في حالة وجود بما هو موجود ، ولكننا نجهل فاعل هذا الموجود ، أي فاعل الفعل الموجود ، وهنا تتغير الحركة الإعرابية للفعل ، فالفعل (كَتَبَ) ، يصير (كُتِبَ) ، أي أن الحركات الإعرابية على الحروف تغيرت ، إذ لم نعد نقول إن هذا الفعل مبني على الفتح للمجهول ، بل إن ضم الكاف يشير إلى وضع المجهول ، فحالة الانفتاح الأولى بمثابة هذا الارتياح في حرف الكاف جاء من معرفة الفاعل ، والضم هو بمثابة التراجع عن حالة الانفتاح والانسراح ، ثم يأتي كسر الباء ، والكسر في العربية يعبر عن عيب ، كما هو كسر العظم أو الكسور التي تعتري الأشياء ، من هنا فإن النحو يحيلنا إلى إعراب غير هذا الإعراب القاصر في القواعد ، أي أنه يحيلنا على فلسفة الإعراب ، أي إلى تحويل الإعراب إلى سؤال ماهوي ، وليس إلى الاقتصار على الوصف العارض ، إن هذا يقتضي بداهة البحث من جديد في قواعد اللغة العربية من خلال النحو العربي ومن خلال اللسان العربي ، وهذه المراجعة ضرورية جدًا ، وربما لم ينتبه الكثيرون إلى الظاهرة النحوية العربية التي صيغت في شكل نظرية تقول ) إن زيادة المبنى تدل على زيادة في المعنى) إن هذه النظرية مهمة جدًا في ظاهرة النحو العربي تعترف بالعلاقة بين الصوت والمفهوم والعلاقة بين المفهوم المعنى ، ومن ثم لا توجد عبثية أو كما يقول اللغوي السويسري ، فرديناند دي سوسير ، وربما ما يقوله يرتبط باللفظ في اللغات الأوروبية أن الأصوات اعتباطية ، ففي الكلمة العربية لا توجد هذه الاعتباطية ، إذا تم الربط بين الصوت والمفهوم ، فالعين في العربية هي ليست (فونيم) ، كما هو صوت الـA) )، في الانجليزية على سبيل المثال ، إننا نعامل حرف العين على أنه اسم ، إنه عضو في مكوّن الكلمة ، ومن ثم ندخله ضمن الجملة الإعرابية ، فنقول مثلاً : إن العين في العربية حرف يدل على المعاينة ، هنا نعرب العين على أنها اسم إن ، وأن (إنّ) ، أكدت الوجود ، أي وجود هذا الحكم من أن العين حرف يدل على المعاينة في العربية ، بالإضافة إلى ذلك فإن هذا الحكم يحمل دلالة الحكمية ، ويمكن أن ندرك هذه الدلالة الحكمية في كلمة (وحي) ، وكلمة (وعي) ، فالحاء في كلمة وحي صوت مهموس ، وهذا الهمس يرتبط بغيبية الوحي ، في حين أن الوعي له ارتباط بالوعاء ، وبالمعاينة ، أي أن الوعي هو في حكم المعاين أو هذا المدرك من خلال العين ، ولو ذهبنا نقدم أمثلة لأتينا بالكثير .
إن زيادة المبنى يمكن أن نلاحظها من خلال الفرق بين كلمة (خطب) ، و(خطاب) ، فالكلمتان ترتبطان بـ(خط) ، والباء فيها مفهوم التجسد ، ومن ثم نجد الباء في العربية تحوي دلالات الظرفية والوساطة ، والعلية وغيرها ، فنقول في الظرفية : جاء فلان بالليل ، وفي القرآن قوله تعالى :" وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ 137)" )سورة الصافات ، والواسطة كقولك : كتبت بالقلم ، والعلية كقولك : بحسنها أعجبت بها ، أي أن إعجابي بها بعلة حسنها ، وفي هذا المفهوم يقول تعالى :" فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً 160)" )سورة النساء أي بعلة هذا الظلم ، ويمكن أن نلاحظ أن جميع هذه المفاهيم تحيلنا إلى حالة المعاينة والتجسد في الباء ، التي تجعل من الخط الذي هو رموز يتحول إلى مدرك ، أي إلى خطب ، فإذا مددنا صوت التاء ، تحول الخطب إلى خطاب ، وهنا يحدث هذا الصوت الذي نرسمه ألفًا حالة المد ، فالخطاب يمتد من المخاطِب إلى المخاطَب ضمن علاقة متجاوبة بين طرفين تحدث هذه الولادة المفهومية ، وفي الحوار الدائر اليوم يمكن ضمن اللسان العربي أن نعطيه أبعاد المشاركة ، فأي خطاب ضمن الحوار أي ضمن مشروع العود إلى الحقيقة لابد أن يولد هذا التفاهم أو يحدث هذه العلاقة بين طرفي الخطاب ، ولولا هذا المد أو الامتداد ، أي لو أخرجنا الألف ، التي تدل على الألفة ، فإن مشروع الخطاب سينتهي إلى خطب ، أي إلى كارثة ، حيث ينغلق الخطاب أو يتحول الخطاب إلى خطاب أحادي ، والخطاب الأحادي لا يولد مفاهيم .
إن علاقة الإعراب في النحو العربي بالمفاهيم ومقاربة المعاني ضمن الكلمة تبدو واضحة ، وهذا يأتي كما اشرنا من دلالة الحروف والأصوات ، إن أي مقاربة للكلمة العربية لا يمكن أن تتم إذا اعتمدنا الحرفية ، وقد نبه القرآن الكريم إلى خطورة هذه الحرفية في العبادة ، أي إلى عبادة الله على حرف ، والعبادة في العربية عملية تعبيد للنفس ، حتى تقارب من خلال سلوكها أو تقترب من الله باعتبار أن علاقة الخالق بالمخلوق هي علاقة قربى ، وأن الله قريب من الإنسان ، فالعبادة على حرف واحد عبادة لا توصل إلى الله باعتباره المطلق والغيبي والخالق يقول تعالى :" وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ (11)" سورة الحج ، لقد جاءت هذه الآية في سورة الحج ، والحج له علاقة القصد والاتصال بالله من خلال سلوك تعبدي ومن خلال الاستعداد للدخول في الحرم ، في الأشهر الحرم والمسجد الحرام ، ومن خلال التجرد من المحيط والمخيط ، وهذا التجرد تجرد رمزي يعبر عن حالة الانفتاح التي يقارب بها الإنسان مشروع الدخول في حرم المطلق ، ومن ثم فإن الذين يعبدون الله على حرف تصير معاييرهم معايير نفعية ، أي أن سلوكهم سيرتبط بالنفعية والانتهازية ، أقرب إلى الحيوانات التي تسلك بالارتباط الشرطي ودوافع الخوف والطمع ، كما قد يعبد الإنسان الله على حرفين فيكون الشرك ، أي التوسط إلى الله بمن دونه أو بما دونه ، والتوسط يفترض وجود فراغ أو وسط يحتاج إلى الإملاء والامتلاء ، إذا فهذا الذي يبحث عن وسيط أو شريك لله لا يشعر بعلاقة القربى مع الله ، ومن فكرة الوسيط جاءت الكهانة ، كما جاءت الإملائية (الدكتاتورية) ، وهؤلاء الذين يدعون أنهم الوسيط بين الله والناس ، ولو أدرك الإنسان حقيقة الاقتراب من الله لما احتاج إلى هذا الوسيط ، إن هذا الشرك سيقود إلى الثالوث بداهة ، أي إلى عبادة الله على أحرف ثلاثة ، وهكذا نصل إلى هذه الأشكال التي نرمز إليها بالرسوم الهندسية إلى أن نصل إلى عبادة الله على سبعة أحرف ، هنا تتحدد العلاقة بين الخالق والمخلوق ، بين الخالق الذي هو مفارق للمخلوق وقريب منه وبين المخلوق الذي لا يتوهم التجسد المباشر في العلاقة مع الله ، أو الحلول ، فالرقم 7) )يدل على متطلبات القراءة في هذا الغيبي ، هنا يصير للحرف في العربية دلالته ، كما يتحول فهمنا للحرف إلى مشروع للعلاقة ، لعلاقة الإنسان بنفسه باعتباره جسدًا واحدًا متعضيًا وذا نفس فهو حي ، وذا روح فهو إنسان ، ومن ثم يتقدم الإنسان بالكلام عمن سواه من المخلوقات ، فالله وحده الذي يتكلم والإنسان كذلك هو المخلوق الوحيد الذي أعطاه الله القدرة على الكلام ، ومن ثم تأتي قيمة الكلمة .
عن الزحف الأخضر













مقال جميل، شكراً
ابن الأرض الطيبة