
أ.د المهدي امبيرش
من القراءات السابقة ضمن هذه الدراسة في الشعر ، ونظرية الشعر العربي يمكن أن نقارب نظرية الشعر العربي من خلال مصطلح الشعر نفسه ، وقد سبق أن أوضحنا أن الجناسات التي نحدثها في حروف كلمة شعر ، وهي ظاهرة عربية متميزة ، تجعلنا ندرك العلاقة بين الحرف والصوت والمفهوم ، وعلاقة هذه بولادة الكلمة ، باعتبار الكلمة العربية هي مكوّن طبيعي وليست مركبًا اصطناعيًا ، كما هي اللفظة الأعجمية بعامة ، حيث أشرنا إلى علاقة أصوات كلمة شعر ، بالشعور ، والشروع ، والرعشة ، والعروش ، وعلاقة هذه كلها بالمشروع بما هو وعي وقصدية نحو غاية تؤسس على شريعة ، كما أوضحنا علاقة القصدية ، بالقصيدة في المصطلح العربي ، وعلاقة القصيدة بالمجتمع العربي الذي يؤسس على عائلة ، وعشيرة ، وقبيلة ، وأمة ، وعلاقة القبيلة بالقبلة التي نتوجه إليها ، وعلاقة الأمة بالتيمم المرتبط في الشريعة بالطهارة ، وعلاقة الأمة بالقصد ، وعلاقة الأمة بالأم ، ولو ذهبنا نسترسل في المفاهيم هذه المصطلحات ، والتي حقها أن تكون عملاً لأكثر من باحث من شأنه أن ينهض بالمشروع الحضاري العربي المؤسس على ثورة في منهج التفكير تعيد لمنهج التفكير العربي والبيان العربي واللسان العربي دوره في المشروع ، وتحدد العلاقة بين هذه كلها وبين دور اللغة باعتبارها مقاربة من المفاهيم التي هي في الذهن ، ومن علاقة المفاهيم بالمعاني التي تقع على مستوى التصور ، ولكنها ليست واقعية ، بل لا يمكن تموقعها وتمظهرها ، وبهذا نكشف العجز في الأطروحات التي بنيت عليها النظريات الفكرية الأعجمية بعامة قديمها وحديثها ، سواءً من أعاجم ما يطلق عليه الشرق ، ومن أعاجم ما يطلق عليه الغرب ، حيث الأعجمية هي منهج تفكير ينعكس على الأفكار كما ينعكس على لغة الأفكار ، ومن ثم على نظرية الإبداع بعامة ، أي على مشروع الحقيقة باعتباره كما أشرنا مرارًا هو أبعد من المتحقق ، ومن الذي يتحقق ، لأنه ينفتح على الذي سوف يتحقق ، من هنا تأتي قيمة التذكر وعلاقة التذكر بالإيمان ، حيث الذكرى تنفع المؤمنين ، لأن لهم القدرة على استحضار الغائب المتحقق ، كما أن الإيمان ينفتح على الغيب الذي هو آت ، ومن ثم يضعنا الإيمان في رؤيا الجنون ، باعتبار الجنون هو الخروج عن المعقول ، وأن المتحقق يقع ضمن ممكن التعقل ، لأن المتحقق حسب النحو العربي والبلاغة العربية هو جملة خبرية ، والجملة الخبرية قابلة لمنطق التحقق لأنها حصلت ضمن محدود ظرفي ، أي أنها وقعت ضمن المنطق وتحددت بمنطقة ، أو ما يطلق عليه وقعت ضمن التأريخ ، والتأريخ هو منطق تحقيبي يعالج هذه الجملة الخبرية ، فهو ليس التاريخ الذي هو انفتاح ، والذي ندركه في الفرق بين كلمة تأريخ بالعربية والتي تنقطع بهمزة القطع ، وبين تاريخ حيث الألف ألف مد ، وهنا من باب الاستطراد يمكن أن نقول إن كلمة (أرشيف Archives ، والتي يقول دارسو جذور الألفاظ من الأوروبيين ، أي الباحثين فيما يعرف بالإيتمولوجي Etymology ، أن كلمة أرشيف هي كلمة يونانية ، تنطق (ارخيو) ، ويتضح تمامًا أن هذه الكلمة هي كلمة عروبية ، فالأرخيو هو التأريخ ، ومن ثم يرتبط التأريخ بما هو حدث متحقق بعملية التحقق وبالدلالة التي نستخدمها اليوم لكلمة أرشيف الذي هو الوثائق التي نتحقق من خلالها على واقعية الحدث ، أي أن الحدث قد وقع بالفعل ، في حين أن التاريخ هو أبعد من هذا المتحقق ، وهو أبعد من هذا الذي يتحقق ، أي أن التاريخ هو الحقيقة ، والحقيقة هي إضافة إلى الجملة الخبرية ، التي نعاملها في العربية على أنها مبني ، أي في حالة البناء ، وهو ما نطلق عليه بالماضي ، والمضارع الذي هو مصطلح على وجه المشابهة لصيرورة الزمن ولكنه ليس على وجه الحقيقة ، فالمضارع مشابه ، والتشبيه في العربية هو عقد علاقة ولكنه ليست على وجه الحقيقة بين المشبه والمشبه به ، أو بين المضارع وبين صيرورة الزمن التي تنفلت في كل لحظة دون أن نتمكن من الإمساك بها ، ومن ثم يأتي الفعل المضارع في العربية فعلاً معربًا وغير مبن ، أي أنه فعل يتغير حسب معطيات الفعل ، حيث ننفتح من خلاله على المستقبل الذي هو مبني كذلك ، وكأن منهج التفكير العربي من خلال اللسان العربي ومن خلال تمظهر اللسان من خلال اللغة يقدم لنا نظرية في مفهوم الوجود والمصير وفي مفهوم الزمن ، والعلاقة بين الزمن والزمان ، أي أنه يمكننا من أن نقتحم مشروع الفلسفة القديم الجديد بنظرية في الفلسفة العربية يدعمها اللسان العربي والنحو العربي باعتبار اللسان والنحو يعالجان البيان ، أي مشروع الحقيقة بكل الأبعاد التي ذكرناها ، في حين أن اللغة والقواعد هما هذا المنطق الذي نحاول من خلاله أن نقارب البيان ، والمنطق محكوم عليه بالصواب والخطأ ، ولكن المنطق لا يتعامل مع الحقيقة باعتبارها مشروع الفلسفة ، فاللغة التي نستخدمها كل يوم عاجزة على أن تقارب المعنى ، ومن ثم كي نقارب هذا المعنى نلجأ إلى التشبيهات والتمثيلات والاستعارات ، وقد أشرنا في هذا البحث في دراسات سابقة إلى قيمة التشبيه والاستعارة والكناية والتورية وما إليها في البلاغة العربية باعتبار البلاغة هي مشروع بلوغ الهدف أو القصد ، الذي منه القصيدة كما أشرنا ، كما أن مصطلح البلاغة يقودنا إلى مفهوم البلوغ بدلالته الجنسية ، وبدلالته الشرعية باعتباره مرحلة التكليف ، أي مرحلة تحمل المسؤولية والقدرة على أن يَسأل الإنسان وأن يُسأل ، والكلمة هي الأخرى مرتبطة ببلوغ المفهوم أي نضج المفهوم ، فبلوغ المفهوم في الذهن يدفع إلى ضرورة الإخراج ، والصوت هو إخراج لهذا المفهوم المخفي في الذهن ، ومن ثم نربط بين خروج المفهوم وعملية الولادة في اللسان العربي ، وكل مصطلحات الزواج والحمل والإنجاب نستعيرها في التعبير عن الكلمة وعن الولادات الطبيعية للكلمة ، مثلما نتكلم عن الإجهاض ، أي عن ولادة الكلمة قبل بلوغها .
من هنا نخلص إلى أن البيان في العربية أبعد من المنطق ، وأن البيان هو غير العجمة ، أي أن البيان مشروع إعراب ووضوح ، في حين أن العجمة هي وضع منطقي ، إننا لا نلغي قيمة المنطق ، ولا قيمة الجملة الخبرية ، ولكن ما نرفضه هو هذه المصادرة التي تجعل من الحقيقة منطقًا ، ومن البيان منطقًا ، ومن النحو قواعد ، هنا تبدأ كارثة الأعجمية ، ومن هنا رأينا أن نأخذ بجدية المشروع العربي في الفلسفة ، وأهمية توظيف اللسان العربي في هذا المشروع .
نعود إلى علاقة هذا كله بنظرية الشعر العربي ، لنقول : إذا البيان هو أبعد من المنطق ، فإن العملية الإبداعية ، وهنا نتحدث عن الشعر تحديدًا ، هي انفتاح على ما هو أبعد من البيان ، إن الحقيقة تخرجنا بالبيان من المنطق ، ولكن العملية الإبداعية تعطي هذا الإخراج ميسمه الفني ، أو هذا الإعجاز البلاغي ، الذي نشعر به ولكننا لا نستطيع أن نأتي بمثله ، وقد أشرت في دراسة سابقة إلى علاقة الإيمان بالشعر ، وعلاقة الشعر بالنبوة ، هكذا فهمها العرب ، فالإيمان كما اوضحناه في سورة الشعراء يضع حدًا بين الشعر باعتبار رسالة إيمانية ، وبين الشعر باعتباره ضربًا من الوهم ، ولكن الشعر في كلا الحالين هو خروج عن المعقول ، وإدعاء العرب في هذه الفترة التأريخية التي نعالجها أن الشعراء مجانين ، ليس لأنهم مخبولون ، ولكن لأن هناك جنًا ، أو قوى غيبية تساعدهم على أن يقولوا ما يقولون ، والجن هو الغيب والمجهول في دلالته الأصلية العربية ، فكل ما جن عنا ، اختفى وغاب .












