
أ. د رجب بودبوس
راكبين موجة الخوصصة مستغلين هيمنة الامبريالية الليبرالية الجديدة ، كثيرون يدينون إدارة الدولة للقطاع العمومي ويتهمونها بتبذير الأموال عندما تدعم شركات القطاع العام ، وان الدولة خوصصت القطاع العمومي ، لَما كانت في حاجة لدعم شركات غير قادرة على البقاء بالنسبة لهؤلاء خوصصة القطاع العمومي تريح الدولة من أعباء نشاط ليست كفؤاً له يديره الخواص أفضل منها .
وإذا كنت لا أبرر سوء إدارة القطاع العمومي ولا التمس المبررات لإخفاقاته ولا ابحث عن حجج لدعم الدولة له ، فهذا موضوع آخر مع قناعتي بان معظم إخفاقات القطاع العمومي ليست لأنه قطاع عمومي ، لكني اسأل فقط هل يمكن للدولة أن تقف مكتوفة الأيدي حتى في حالة انهيار شركات القطاع ؟ وهل الخوصصة تعفي الدولة من التزاماتها ، أم أنها تجعلها ملزمة بدعم القطاع الخاص في حالات الأزمة بينما الأرباح تذهب لجيوب الخواص ؟
جوابنا سيكون بسيطا ومباشرا، مجرد عرض حالات واقعية أرغمت الدول على التدخل بأشكال مختلفة حتى في حالة القطاع الخاص.
1ـ شركة اليستوم الفرنسية العملاقة المتخصصة في الاتصالات والمواصلات وحيث يعمل 118 ألف عامل اضطرت الحكومة الفرنسية للتدخل وشراء 31 ٪ من أسهمها لإنقاذها من الانهيار الوشيك مما جعل بعض المعلقين يصف هذا التدخل بأنه اقرب إلى تأميم جزئي .
بالطبع ما كان للحكومة الفرنسية تحمل إلقاء 118 ألف عامل في شارع البطالة، لكن أليس هذا نفس مبرر دعم القطاع العام ؟ وإذا كانت الدولة ملزمة بالدعم في حالة القطاع الخاص كما في حالة القطاع العام فما جدوى الخوصصة ؟
2ـ شركات صناعة الأدوية في مصر هددت الحكومة المصرية .إما السماح لها بزيادة أسعار الأدوية، وإما أنها سوف تسحب استثماراتها من مصر وتقذف بالعاملين بها إلى البطالة.
الحكومة هكذا في وضع صعب: هل تسمح بزيادة أسعار الأدوية مع علمها أن نسبة كبيرة من الناس لا تقدر عليها أو تتحمل بطالة العاملين في هذه الشركات ؟
3ـ المنظمة العالمية للتجارة تبث في شكوى تقدمت بها كندا ضد الولايات المتحدة التي فرضت رسوما على استيراد الخشب من كندا حماية للمصالح الأمريكية ورغم حرية التبادل..
الدولة هكذا تحمي القطاع الخاص من المنافسة .
4ـ ألقيَ القبض على مدير شركة بارمالات وهي من اكبر شركات تصنيع المواد الغذائية في أوروبا بعد إعلان إفلاس الشركة وهو إجراء قانوني يستهدف منع الدائنين من الحجز على الشركة حتى تستعيد قواها .
سبب القبض عليه اتهامه باختلاس 600 مليون دولار هذا يعني أن الفساد والاختلاس لا يحدث حصرا في القطاع العمومي وإنما أيضا في القطاع الخاص، وان الدولة ملزمة بقمع الفساد في القطاع الخاص أيضا.
الحكومة الايطالية طلبت الإذن من المفوضية الأوروبية للتدخل من أجل إنقاذ الشركة رغم أن الشركة قطاع خاص إلا أن إفلاسها وانهيارها يطرح مشكلات على الدولة سواء من حيث البطالة كما من حي الآثار الاقتصادية .
جميع وكالات الأنباء 26/12/2003
5ـ في فرنسا ألقى القبض على جان ماري سيير مدير شركة فيفاندي يونيفرسال سابقا بتهمة الاحتيال والتلاعب في البورصة وفي حسابات الشركة عندما كان مديرا لها وقد استمر تحقيق الشرطة المالية في هذا الملف مدة عامين من أكتوبر 2002.
اورونيوز 21/6/2004
الشكوى مقدمة من صغار المساهمين وتشمل :
- المطالبة بمعرفة تفاصيل أكثر حول إعادة شراء الشركة أسهما صدرت في اليوم السابق 11-9-2001
فيفياندي حصلت على 7،1 مليار اورو من أسهمها نفسها ، ما بين 17-9-2001 و 2 أكتوبر ، بواسطة قرض من دوتش بانك ، والذي حصل على مليون سهم من فيفاندي لصالح المجموعة .
- معلومات مالية ليست دقيقة.
- إخفاء الوضع المالي للشركة.
- امتيازات ممنوحة لبعض الأشخاص .
صحيفة Le temya السويسرية 22-6-2004 ص 21
3-12-2002 الذكري العشرين لكارثة بوبال في الهند ، حيث تسرب غاز قاتل أودى بحياة حوالي ثلاث آلاف شخص مباشرة ، وأصاب عشرات الآلاف الحصيلة النهائية لهذه الكارثة التي وقعت 3-12-1984 بلغت 15 ألف ضحية الشركة أميركية ، تعمل في الهند ، ضمن استثمارات القطاع الخاص ..
بدون تعليق...!
- خفضت اليابان مرتبات الموظفين العموميين 5٪ وكان قد سبق لها تخفيض هذه المرتبات 8٪ كما ليس للموظفين العموميين حق الإضراب لكنها لا تتردد في دعم شركات القطاع الخاص .
T.F.I 5/3/29
- يدرس الاتحاد الأوروبي، تحرير كمية صادرات الصين إليه، خاصة من المنسوجات والمصنوعات الجلدية، مما يعني فرض نوع من الحماية لصالح الصناعات الأوروبية.
اورونيوز 24-4-2005
- الولايات المتحدة فرضت حصة على وارداتها من الصين خاصة المنسوجات تبرير ذلك أن الواردات من المنسوجات الصينية، قضت على 16 ألف فرصة عمل في الولايات المتحدة.
هل هذه حرية التبادل التجاري ؟
وهل سألت الولايات المتحدة نفسها كم قضت صادراتها على فرص عمل في البلدان التي فرضت عليها فتح أسواقها ؟
اورو نيوز 14-5-2005
- ما يجرى التحقيق فيه في قضية تهريب 40 مليار جنيه مصري بالتواطؤ بين بعض المصارف ورجال الأعمال في مصر هكذا القطاع الخاص عندما يتحرر من رقابة الدولة ، فإنه بدلا من يدعم الخزانة العمومية ، يدفعها إلى الإفلاس وبين الإدارة العمومي نيابة الأموال العامة .
وسائل الإعلام 25-6-2005
- مجلس النواب الأمريكي يرفض بيع شركة تنقيب عن النفط ، أمريكية اسمها اونوكال ، ذات تقنية عالية في الحفر العميق ، للصين ، لمنع الصين من الحصول على هذه التقنية .
حجة المجلس أن بيع الشركة للصين يضر بالمصالح والأمن الأمريكي، صوت لصالح القرار 323 مقابل 92 وذلك في جلسة يوم 1-7-2005 لو صدر مثل هذا القرار، من بلد آخر، أما كانت تقوم القيامة ضد الحماية إعاقة حرية التبادل ؟!
وكالات ووسائل الإعلام 1-7-2005
- من المتوقع أن تبلغ البطالة في بلدان الخليج العربي، حوالي 7 مليون نسمة، خلال العقد القادم.
قناة العربية 9-7-2005 مسيحي
الانفتاح والازدهار المبشر به، والأبراج العالية، تخفي واقعاً مأساوياً.
- البطالة في ألمانيا حوالي 11٪ وفي فرنسا حوالي 10٪ ، ماذا سيكون موقف الدولة والبطالة تتفاقم والسوق غير معنى بحلها ؟
اورو نيوز 2-9-2005
- منحت الحكومة الفرنسية العائلات المتوسطة مساعدة مالية قدرها 91 دولاراً، لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة، والحكومة البلجيكية تدرس نفس الإجراء.
اورونيوز 1-9-2005
لكن مثل هذا الإجراء ممنوعا على بلدان أخرى بحجة وجوب تقليص نفقات الدولة حتى فيم يتعلق بالتعليم والصحة..
وماذا سيكون موقف الدول الكبرى مما بلغته أسعار الطاقة حالياً؟
هل سوف توزع نسبة من الرسوم التي تحصل عليها من استهلاك الطاقة على المحتاجين ؟
هل تتدخل للحد من أرباح شركات الطاقة ؟ أم أنها تلقى بالمسؤولية على البلدان المنتجة ؟ بينما هذه البلدان لا تحصل إلا على حوالي ثلث الأسعار بينما الباقي يذهب أرباحا للشركات ورسوما للدول المستهلكة.
- البنك المركزي الايطالي ، هو قاطع خاص ، ملكية البنوك الايطالية الكبرى ، وهي أيضا قطاع خاص يجرى تحويله إلى ملكية الدولة وعلى خلفية فضائح فساد ، قدم محافظ المصرف استقالته ، التهم الموجهة إليه : الانحياز في الصفقات ، وعدم الاستقلالية تجاه ملاكه.
اورونيوز 2-9-2005
- منظمة التجارة العالمي تدين الولايات المتحدة، في قضية الروم الكوبي.
جهاز الاستئناف في المنظمة العالمية للتجارة، قضى بأن القانون الأمريكي الذي يحظر تجارة الروم الكوبي - مشروب - في الولايات المتحدة، يخالف الاتفاق حول حقوق الملكية المتعلقة بالتجارة، وذلك في 2 يناير 2002.
القانون الأمريكي يدعى "عقوبة 211 ، جرى تبينه عام 1998ضد تجارة الروم الكوبي في الولايات المتحدة ومن اجل حماية المصالح الخاصة لشركة بكاردي الأمريكية ، والتي تتاجر في الروم المسمي بنفس الاسم هافانا كلوب فيما وراء البحار الروم الكوبي يحمل نفس الاسم وهو الأقدم.
دوافع الولايات المتحدة سياسية وأيضا اقتصادية ولأنها دولة كبرى، نعتقد أنه يجوز لها ما لا يجوز لغيرها...
لوموند، الجمعة 9-1-2002
- المتحدث باسم مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، هدد باللجوء إلى منظمة التجارة العالمية في حالة ثبت تورط أي دولة عربية إسلامية في مقاطعة الدانمرك بسبب الرسول المسيئة للرسول.
اورونيوز 31-1-2006
هكذا على العرب والمسلمين، أن يتحملوا الإذلال والإساءة التي تطال حتى مقدساتهم، حالما يصيرون أعضاء في المنظمة العالمية للتجارة.
لكن السؤال : هل هذه منظمة تجارة عالمية أم منظمة هيمنة عالمية ؟!
- الدولة تدعم مؤسسات صناعية خاصة ، في تونس .
تتمتع 420 مؤسسة صناعية ، بتدخل الدولة ومساعداتها ، من بين هذه المؤسسات 110 شركة عاملة في قطاع النسيج ، تحصل على مساعدات من الدولة ، للتأقلم مع الظروف الاقتصادية بعد فتح سوق النسيج أمام الواردات ، وما أدى إليه من تفاقم البطالة ، وصعوبات أمام شركات القطاع الخاص.
صحيفة الصباح/ الجمعة 24-2-2006
- الكونغرس الأمريكي يعارض تولى شركة دبي للموانئ إدارة موانئ أمريكية، متعللاً بحجج أمنية الأمر يتعلق بست موانئ أمريكية تدار من قبل شركة بريطانية ألت ملكيتها إلى شركة دبي للموانئ.
الجزيرة. اورونيوز 9-3-2006
مع أن إدارة الست موانئ تجرى من قبل شركة بريطانية، وليس من شركة دبي للمواني مباشرة إلا أن ملكية شركة دبي للشركة البريطانية بالنسبة للكونغرس أمر غير مقبول.. هل هي عنصرية ...؟
شركة دبي للموانئ، اضطرت هكذا للتخلي عن إدارة الست الموانئ الأمريكية لصالح شركة أمريكية، بسبب رفض الكونغرس الأمريكي، وتحت ضغط سياسي أنها حرية تبادل تجاري...!
اورونيوز - الجزيرة 10-3-2006
- الخزانة الأمريكية تدعم الشركات :
توقعاً لاحتمالات ركود الاقتصاد الأمريكي ، خصص الرئيس بوش مبلغ 150 مليار دولار ، في شكل إعفاء ضريبي ومساعدات أخرى للشركات ، من أجل تفادي الركود .. نظرية كينز !
طبعاً المبلغ من الخزانة العامة ، دعما للشركات والمشروعات الخاصة .
جميع وكالات الأنباء شهر 1 - 2008
العولمة جعلت الاقتصاد الأمريكي يتحكم في وتيرة نمو اقتصاديات بلدان العالم .
هكذا صار الحرص على الاقتصاد الأمريكي يفوق أحيانا الحرص على نمو الاقتصاديات الوطنية هذه صارت تابعة ولا ترى غضاضة في الدعم العمومي الأمريكي للشركات والمشروعات الأمريكية لكن هل هذه تجارة حرة أم حرية هيمنة؟
- نورتيرن بانك ، البريطاني أوشك على الانهيار فتدخلت الدولة وأممته من اجل إنقاذه .
8-7-2005 وكالات الأنباء.
- بنك نيو سنشري الأمريكي ، ثاني المصارف العقارية الأمريكية ، انهار ، فتولته الحكومة الفيدرالية.
- بنك انديماك ، وهو اكبر المصارف العقارية الأمريكية ، انهار مما أدى بالحكومة الفيدرالية إلى وضعه تحت سلطتها متحدث حكومي رسمي ، أعلن أن الحكومة الأمريكية لا يمكنها السماح بانهيار المصرف.
اورونيوز 3-7-2008.
- مصرف UBS السويسري، اتحاد بنوك سويسرية - مني بأكبر خسارة عرفتها سويسرا، نتاج أزمة القروض العقارية الأمريكية اجتمعت الجمعية العمومية وأقالت مدير المصرف، لكن هذا لا يكفي البعض يطالب الدولة بتعويض خسائر المساهمين، وأيضا تشديد الرقابة على أداء المصارف.
وكالات الأنباء 29-6-2008
هكذا في سويسرا، بلد المصارف، وموطن الخبرة المالية بدأت الأصوات ترتفع مطالبة بتشديد رقابة الدولة على أداء المصارف، بينما في بلدان أخرى ترتفع الأصوات مطالبة الدولة بتفكيك رقابتها !!
- أزمة القروض العقارية في الولايات المتحدة ، وأثارها خارجها ، والتي أطاحت ولازالت تطيح بالمصارف تباعاً ، رغم أنها لازالت لم تفصح عن كل أثارها الكاراثية.
بعض بيوت الخبرة المالية ، تقدر الخسائر بما يربو عن 8 تريليون دولار.
هذه الخسائر يقع على الدول تحملها ... رغم أنها نتاج تصرفات وسلوك القطاع الخاص.
ما ذكرته ليس إلا نماذج محدودة جداً ، ومتنوعة قدر الإمكان ولو استرسلت لاحتجت إلى ألاف الصفحات لد بلغت حالات الإفلاس في العالم ، خلال العام 2004 و حده 000،00،8،1 مليون وثمانمائة ألف حالة .
قناة العربية 14-10-2005.
هذا الإحصاء لا يشمل إلا الشركات ذات الحجم و الأهمية أما الشركات الصغيرة فلا تدخل في هذا الإحصاء مما يجعل حالات الإفلاس أكثر ما هو معلن.
بالطبع ، هذا لا يسمح للدول بالوقوف متفرجة يجب عليها التدخل ، وهي فعلاً تتدخل ، وهو تدخل يراه دعاة الخوصصة والسوق الليبرالي مشروع ، وواجب ، لأنه في صالح القطاع الخاص ، حتى عندما تتحمل الدولة أثار هذه الافلاسات الاجتماعية ، لكن إذا كان على الدولة التدخل في حالة أزمات وإفلاسات القطاع الخاص ، أليس من الأولى أن تتدخل توقياً لهذه الأزمات والافلاسات ؟
أليست الوقاية أفضل من العلاج ؟ فهل يستيقظ دعاة الخوصصة والحالمون بالسوق الليبرالي ؟
الدولة هكذا تتدخل وبأشكال مختلفة لصالح القطاع الخاص ، وهذا يبطل حجة تبذير المال العام .
لكن في الحقيقة ما هو مدان ومندد به ليس تدخل الدولة و دعمها وإنما تدخلها للصالح الاجتماعي ، دوافع هذه الإدانة وهذا التنديد سياسية اديولوجية ، وليست اقتصادية ، ليس حرصاً على المال العام ، وإنما لأنه ينفق في الصالح العام وليس في صــالح القطاع الخاص .
المطلوب عندئذ هو خوصصة الدولة .
عن صحيفة الشمس












