نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
دلال المغربي في عرس آخر
 
بقلم :- زيد ابوزيد

أذكر أنني كنت صغيراً حين رزق والدي في ليلةٍ ربيعية طفلة جميلة سماها "دلال"، استوقفني الاسم قليلاً، ولماذا دلال يا أبي؟.

دلال يا ولدي عروسُ فلسطين، عروس الوطن، زفت هذه الليلة إلى أغلى وطن في الوجود، إلى أقدس بقعةٍ على وجه هذه البسيطة.

تعجبت من قوله، ولعلني لم أكن أعرف سوى أن العروس لا تزف إلاَ لعريس، فمن هي دلال يا أبي.
 

إنها ابنة من قاسوا وشردوا، إنها ابنة الأقصى وقبة الصخرة ، دلال المغربي  يا بني ابنة فلسطين التي ولدت عام 1958 في إحدى مخيمات بيروت لأسرة من مدينة يافا لجأت إلى لبنان عقب نكبة عام 1948 ، وتلقت دراستها الابتدائية في مدرسة يعبد الإعدادية،و في مدرسة حيفا وكلتاهما تابعة لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين في بيروت، وبعد ذلك التحقت بالحركة الفدائية الفلسطينية،  فدخلت عدة دورات عسكرية وتدربت على جميع أنواع الأسلحة وحرب العصابات وعرفت بجرأتها وحماسها الثوري والوطني ، إنها مثلنا يا ُبنيَ، شردها ظَلمة العصر ولصوص الأوطان، وحرموها من حقها في حياة كريمة في وطنها المقدس الشريف ، فنهضت لتقول للعالم الذي رأى في بربرية الصهاينة حقاً ، وفي اغتيال شباب وطنك وقادته شرعاً مباحاً ،فنهضت باسم الشهيد كمال عدوان وأبي يوسف النجار وفارس الكلمة كمال ناصر ، لتقود مجموعة فدائية ، تثبت من خلالها أن المرأة الفلسطينية ليست أقل من الفدائي الفلسطيني ، لقد دعتها الأرض فلبت النداء ، وناداها الوطن فقالت لبيــك.

ففي عام 1978، تعرضت الثورة الفلسطينية إلى عدة ضربات وفشلت لها عدة عمليات عسكرية وتعرضت مخيماتها في لبنان إلى مذابح وأصبح هناك ضرورة ملحة للقيام بعملية نوعية وجريئة لضرب إسرائيل في قلب عاصمتها فكانت عملية كمال العدوان.

 

وقد وضع خطة العملية القائد الفلسطيني الشهيد أبو جهاد   وكانت تقوم على أساس القيام بإنزال على الشاطئ الفلسطيني والسيطرة على حافلة عسكرية والتوجه إلى تل أبيب لمهاجمة مبنى الكنيست.

 

تسابق الشباب الفلسطيني للمشاركة في العملية وكان على رأسهم دلال المغربي ابنة العشرين ربيعا وتم فعلا اختيارها رئيسة للمجموعة التي ستنفذ العملية والمكونة من عشرة فدائيين بالإضافة إليها.

 

عرفت العملية باسم عملية كمال عدوان وهو قائد فلسطيني استشهد خلال تسلل فرقة يقودها  أيهود  باراك إلى بيروت وقيامها بقتل ثلاثة من قادة الثورة الفلسطينية في شارع السادات بالعاصمة اللبنانية .

 وفي صباح 11 مارس 1978 ، نزلت دلال مع فرقتها من قارب كان يمر أمام الساحل الفلسطيني واستقلت مع مجموعتها قاربين مطاطيين ليوصلوهم إلى الشاطئ في منطقة غير مأهولة بالسكان ، وهذا ما تم  ونجحت عملية الإنزال بالوصول إلى الشاطئ  في المنطقة المستهدفة ،ولم يكتشفها الإسرائيليون خاصة وأن إسرائيل لم تكن تتوقع أن تصل الجرأة بالفلسطينيين للقيام بإنزال على الشاطئ .

 

وبالفعل نجحت دلال وفرقتها في الوصول إلى الشارع العام المتجه نحو تل أبيب وقامت بالاستيلاء على حافلة إسرائيلية بجميع ركابها من الجنود كانت متجهة إلى تل أبيب حيث اتخذتهم كرهائن واتجهت بالحافلة نحو تل أبيب وكانت تطلق خلال الرحلة النيران مع فرقتها على جميع السيارات العسكرية التي تمر بقربها مما أوقع مئات الإصابات في صفوف جنود الاحتلال خاصة وأن الطريق الذي سارت فيه دلال كانت تستخدمه السيارات العسكرية لنقل الجنود من المستعمرات اليهودية في الضواحي إلى العاصمة تل أبيب .

 

بعد ساعتين من النزول على الشاطئ وبسبب كثرة الإصابات في صفوف الجنود وبعد أن أصبحت دلال على مشارف تل أبيب كلفت الحكومة الإسرائيلية فرقة خاصة من الجيش يقودها باراك بإيقاف الحافلة وقتل واعتقال ركابها من الفدائيين.

 

قامت وحدات كبيرة من الدبابات وطائرات الهليوكوبتر برئاسة باراك بملاحقة الحافلة إلى أن تم إيقافها وتعطيلها قرب مستعمرة هرتسليا

وهناك اندلعت حرب حقيقية بين دلال والقوات الإسرائيلية حيث فجرت دلال الحافلة بركابها الجنود فقتلوا جميعهم وقد سقط في العملية العشرات من الجنود المهاجمين ولما فرغت الذخيرة من دلال وفرقتها أمر باراك بحصد الجميع بالرشاشات فاستشهدوا كلهم .

 

تركت دلال التي نشرت وسائل الإعلام صورها وباراك يشدها من شعرها ويركلها بقدمه بصلف ظالم لا يقر بحرمة الأموات .
 
وقالت قبل استشهادها " النضال سيستمر حتى تحرير كامل فلسطين "،وكانت قبل خروجها لتنفيذ العملية قد  تركت وصية توصي بها عائلتها بدفنها في الأرض الفلسطينية ،وأوصت الفلسطينيين عموما بالتمسك بالبندقية وتوجيهها دائما إلى صدر العدو الصهيوني : عليكم تجميد خلافاتكم وتعزيز النضال ضد إسرائيل ".

وكتب الشاعر السوري الكبير نزار قباني في دلال :" إن دلال أقامت الجمهورية الفلسطينية ورفعت العلم الفلسطيني ، ليس المهم كم عمر هذه الجمهورية ، المهم أن العلم الفلسطيني ارتفع في عمق الأرض المحتلة ، على طريق طوله (95) كم في الخط الرئيس في فلسطين ".

 

لقد أعلنت دلال يا بني قيام الدولة الفلسطينية على الرغم من كثافة العدو وغطرسته ، تنتقل من الشمال إلى الجنوب ، مارة بالقدس والجليل وبئر السبع والعدو عاجز لا يدري كيف يتصرف ، نعم لقد سمع العالم صوت دلال الزهرة البرية التي تسبح باسم الخالق وهي تهتف باسم فلسطين ، صبرت دلال وهي تحمل بين حناياها قلباً محباً للسلام محباً لفلسطين أمام أناس يرون السلام اغتصاباً ، وحب الأوطان إرهاباً وتخريباً ، فاجتمعت الأيدي المجرمة والرصاصات الحاقدة تخترق في النهاية جسد دلال الطري وقلبها المؤمن ورأسها العبقري ، وظهرت صورة الإرهابي باراك وهو يقلب جثتها  الطاهرة، ويشدها من شعرها بعد أن اشرف بنفسه على إطلاق الرصاص على جسد ها، ولم يخجل أمام عدسات المصورين وهي ميتة لا حراك فيها ، سقطت دلال يا بني لتزفَ إلى وطنك عروساً ، يضِرح دمها ثرى فلسطين ، ويخبر كل من تخلف أو خان أو جبن بأن الدماء رخيصة في سبيل الوطن ، وكشف للمرأة الفلسطينية طريق النضال ، وتلحق بالتالي بركب الشهداء ، وتستقر روحها في أعلى عليين عند إله عادل رؤوف رحيم بدلال ورفاق دلال.

وهكذا يا بني سميت أختك دلال.

غابت دلال في عمق التراب الفلسطيني المضمخ بالدم والعرق والهم ، وسجلت في سجلات جناة العصر رقماً ، وبقيت روحها هائمةً محلقة على أرض فلسطين ، تشهد عظمة الاستشهاد مرة وجبن المتخاذلين مرة أخرى ، تتناولها الألسن والأفئدة والأرواح بالتقدير ، كلما سقط شهيد ، أو فقد أسير ، والرقم الصعب الممثل في عظمة استشهادها يشهد على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

ولم يتصور أحد في هذه الأيام أن عروس فلسطين  ستحيا  من جديد،وأن الرقم سيتمثل مرة أخرى أسما وعنواناً وجسداً ، تحمله الأكف وتنثر الحرائر عليه الزهور ، نعم ترقرقت الدموع في عينيَ ،وامتلأ قلبي حناناً لشقيقتي التي سماها والدي باسم دلال ، لقد عرفت الآن قيمة الأسماء، وقيمة الحرية ، وقيمة أن يكون للإنسان قبر يترحم عليه من يمُر به ، فكيف إن كان هذا الإنسان كدلال المغربي أسطورة الشعب الفلسطيني التي بحث عنها طويلاً ، والبطل الجدير بالتقليد ،والقدوة لكل المقاومين الفلسطينيين والعرب.

 

أيها الفتية الذين آمنوا بربهم فكانوا شهداء وأسرى، لقد كنتم دائماً رفاق دلال في المقاومة ،وكنتم أخوتها في التحدي والنصر ، وهنيئاً لعروس فلسطين وهي تزف مرة أخرى بعد ثلاثين عاماً لوطن العرب لبنان الأشم ، ورجاله الشجعان ، وما دام في وطني أمثالك وأمثال هؤلاء الرجال فإنني أرى نجماً يلوح في السماء يبشر أن يوم النصر والتحرر الوطني لفلسطين قادم ."إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً ".

صدق الله العظيم
 

                                                                                                   إقرأ أيضاً

 

 


أضف تعليقا

اضيف في 17 يوليو, 2008 02:22 ص , من قبل negma81
من مصر said:

"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون"
ساتبقى ذكرى دلال خالد فى التاريخ ومفحور على ارض فلسطين
رجع جسمانها الى ارض فلسطين الحبيبة
وفرحت فلسطين بها

اضيف في 17 يوليو, 2008 06:44 ص , من قبل msaffar said:

الحمد لله الذي اعز الشهداء واذل قاتليهم وهاهي بيروت تحتفل بابناءها الاحياء والشهداء وتل ابيبي تبكي جيف اسراها وذلة قادتها
تحياتي لك

اضيف في 17 يوليو, 2008 05:00 م , من قبل latifatv
من المغرب said:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

انهم يرونه بعيداً
مستحيلاً
ونراه قريباً
لامفر منه قدراً..

دلال المغربي نقطة من بحر
شهيدة جنب اسماء عظيمة لفتيات وصبية ورضاع وكهول وعجائز
لبوا نداء االوطن والشرف
فلسطين ستحرر يوما
ومع كل يوم يصبح الامر اقرب ممامضى
حتى لو تبين ان هذا الجيل ليس المناسب لانجاز المهمة
لكن الصحوة موجودة والامل بالاشبال ينمو ويكبر اكثر واكثر

تحية للشهداء..للشهيدة دلال
تحية لمن كسر شوكة المحتل في لبنان
ولاينسى نزع الحق الفلسطيني باسترداد بعض شهدائها منه

اضيف في 17 يوليو, 2008 06:18 م , من قبل amoo2005
من فلسطين said:

دلال اسم حفر بوجدان كل حر عربي اصيل عشق فلسطين وتنفس عطرها ..

ففرحتنا فرحتين ، فرحة بسمير القنطار مانديلا العرب وفرحة باستعادة جثمانها الطاهر وكم تمنينا أن تزف لتراب القدس كم وصت وأن تدفن بجانب كنيسة القيامة ، وحتماً سيأتي اليوم الذي نحتفل فيها بنقل جثمانها الطاهر مع بقية جثامين شهدائنا الابرار إلى القدس الشريف ليجاوروا تراب الاقصى والقيامة ..

لك محبتي اخي زيد ووفقك الله على ما طرحت ..

ابو وديع

اضيف في 18 يوليو, 2008 08:06 ص , من قبل amjad68
من الأردن said:

استاذ زيد
بالتأكيد ستبقى دلال وغيرها اعلاما ترفرف في سماء قضيتنا القومية الأولى قضية كل عربي وكل مسلم وكل صاحب ضمير
اشكرك على مقالك السابقة

اضيف في 18 يوليو, 2008 11:41 ص , من قبل firas4all said:

الاخ الغالي أبو زيد
رحمها الله و رحم كل الشهداء
و لكن اقول لك كلمة واحدة يا صديقي
تفاصيل ما كتبت قرأته و امعنت النظر بين سطوره و كبرت الله الله اكبر .
و لكن الحقيقة تفاصيلها بحق تدعو و انا احدث نفسي فقط نفسي فقط
هل انا رجل بحق و هل هي فتاة بحق
هل انا جالس في مكاني و هي تركت مكانها
انا فكرت في اشياء كثيرة
كيف هي نسيت تلك الاشياء
و لما نحن الرجال لا ننساها و نكون دلال
هي كان لها دلال الدنيا و الاخرة
و نحن لن نملك شيئا من هذا الدلال أن بقينا على هذا الإذلال
رحمة الله على جميع الشهداء

اضيف في 18 يوليو, 2008 12:10 م , من قبل zaidabuzaid
من الأردن said:

أعزائي
تعليقتكم زاد لكل كاتب ، وهي بحق تحوي من الإبداع ما يلهم أي كاتب ، وأنا أعتبر كل تعليق رسالة موجهة للقاريء العربي ، وتعبر عنا جميعاً.
دلال كانت الأسطورة وفي بطن كل إمرأة عربية دلال تريد أن تنطلق في فضاء الحرية ، لتقول للعالم لسنا شعب خانع ، ولم نتعود الإذلال ، وهذه مرحلة ستمر في التاريخ العربي وسيكتب إسم العرب من جديد ، كمبشري رسالة وقادة للعالم.
شكراً لكم جميعاً

اضيف في 19 يوليو, 2008 05:49 م , من قبل nouza
من Satellite Provider said:

اولا نشكرك على هذا المقال الرائع والمميز .

ان اذلي يقدم دمه قربانا من اجل تحرير ارضه هو الذي يدعى عظيما في ملكوت السماوات فيكون كالشمس التي تضيء لغيرها وهي مضيئة بتفسها .. هذه هي القائدة الشهيدة البطلة دلال المغربي التي جسدت النضال من الانعتاق من ظلم الصهيانة ومن يدور في فلكها .. من اجل ذلك قام سيد المقاومة بالعمل من اجل تحرير جسدها الطاهر
هنيئا لنا بالنصر نصر الشعب العربي
الله يفك جميع الاسرى الفلسطينين وينصرهم

بارك الله فيك
دمت لنا
دام قلمك نابض
نوزااااااااااااااااا

اضيف في 27 يوليو, 2008 12:11 م , من قبل wa7na said:

"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون"

دلال رمزاً من رموز بسالة المراءة العربية و كفاحها ضد الإحتلال الصهيوني

عزائنا فيها بالإستمرار على السير في الخط الذي سارت عليه الشهيد دلال المغربي

تحية لكل شامخ و شامخه عربية ضد الإحتلال للأوطان



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية