أذكر أنني كنت صغيراً حين رزق والدي في ليلةٍ ربيعية طفلة جميلة سماها "دلال"، استوقفني الاسم قليلاً، ولماذا دلال يا أبي؟.
دلال يا ولدي عروسُ فلسطين، عروس الوطن، زفت هذه الليلة إلى أغلى وطن في الوجود، إلى أقدس بقعةٍ على وجه هذه البسيطة.

إنها ابنة من قاسوا وشردوا، إنها ابنة الأقصى وقبة الصخرة ، دلال المغربي يا بني ابنة فلسطين التي ولدت عام 1958 في إحدى مخيمات بيروت لأسرة من مدينة يافا لجأت إلى لبنان عقب نكبة عام 1948 ، وتلقت دراستها الابتدائية في مدرسة يعبد الإعدادية،و في مدرسة حيفا وكلتاهما تابعة لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين في بيروت، وبعد ذلك التحقت بالحركة الفدائية الفلسطينية، فدخلت عدة دورات عسكرية وتدربت على جميع أنواع الأسلحة وحرب العصابات وعرفت بجرأتها وحماسها الثوري والوطني ، إنها مثلنا يا ُبنيَ، شردها ظَلمة العصر ولصوص الأوطان، وحرموها من حقها في حياة كريمة في وطنها المقدس الشريف ، فنهضت لتقول للعالم الذي رأى في بربرية الصهاينة حقاً ، وفي اغتيال شباب وطنك وقادته شرعاً مباحاً ،فنهضت باسم الشهيد كمال عدوان وأبي يوسف النجار وفارس الكلمة كمال ناصر ، لتقود مجموعة فدائية ، تثبت من خلالها أن المرأة الفلسطينية ليست أقل من الفدائي الفلسطيني ، لقد دعتها الأرض فلبت النداء ، وناداها الوطن فقالت لبيــك.
ففي عام 1978، تعرضت الثورة الفلسطينية إلى عدة ضربات وفشلت لها عدة عمليات عسكرية وتعرضت مخيماتها في لبنان إلى مذابح وأصبح هناك ضرورة ملحة للقيام بعملية نوعية وجريئة لضرب إسرائيل في قلب عاصمتها فكانت عملية كمال العدوان.
وقد وضع خطة العملية القائد الفلسطيني الشهيد أبو جهاد وكانت تقوم على أساس القيام بإنزال على الشاطئ الفلسطيني والسيطرة على حافلة عسكرية والتوجه إلى تل أبيب لمهاجمة مبنى الكنيست.
تسابق الشباب الفلسطيني للمشاركة في العملية وكان على رأسهم دلال المغربي ابنة العشرين ربيعا وتم فعلا اختيارها رئيسة للمجموعة التي ستنفذ العملية والمكونة من عشرة فدائيين بالإضافة إليها.
عرفت العملية باسم عملية كمال عدوان وهو قائد فلسطيني استشهد خلال تسلل فرقة يقودها أيهود باراك إلى بيروت وقيامها بقتل ثلاثة من قادة الثورة الفلسطينية في شارع السادات بالعاصمة اللبنانية .
وفي صباح 11 مارس 1978 ، نزلت دلال مع فرقتها من قارب كان يمر أمام الساحل الفلسطيني واستقلت مع مجموعتها قاربين مطاطيين ليوصلوهم إلى الشاطئ في منطقة غير مأهولة بالسكان ، وهذا ما تم ونجحت عملية الإنزال بالوصول إلى الشاطئ في المنطقة المستهدفة ،ولم يكتشفها الإسرائيليون خاصة وأن إسرائيل لم تكن تتوقع أن تصل الجرأة بالفلسطينيين للقيام بإنزال على الشاطئ .
وبالفعل نجحت دلال وفرقتها في الوصول إلى الشارع العام المتجه نحو تل أبيب وقامت بالاستيلاء على حافلة إسرائيلية بجميع ركابها من الجنود كانت متجهة إلى تل أبيب حيث اتخذتهم كرهائن واتجهت بالحافلة نحو تل أبيب وكانت تطلق خلال الرحلة النيران مع فرقتها على جميع السيارات العسكرية التي تمر بقربها مما أوقع مئات الإصابات في صفوف جنود الاحتلال خاصة وأن الطريق الذي سارت فيه دلال كانت تستخدمه السيارات العسكرية لنقل الجنود من المستعمرات اليهودية في الضواحي إلى العاصمة تل أبيب .
بعد ساعتين من النزول على الشاطئ وبسبب كثرة الإصابات في صفوف الجنود وبعد أن أصبحت دلال على مشارف تل أبيب كلفت الحكومة الإسرائيلية فرقة خاصة من الجيش يقودها باراك بإيقاف الحافلة وقتل واعتقال ركابها من الفدائيين.
قامت وحدات كبيرة من الدبابات وطائرات الهليوكوبتر برئاسة باراك بملاحقة الحافلة إلى أن تم إيقافها وتعطيلها قرب مستعمرة هرتسليا
وهناك اندلعت حرب حقيقية بين دلال والقوات الإسرائيلية حيث فجرت دلال الحافلة بركابها الجنود فقتلوا جميعهم وقد سقط في العملية العشرات من الجنود المهاجمين ولما فرغت الذخيرة من دلال وفرقتها أمر باراك بحصد الجميع بالرشاشات فاستشهدوا كلهم .

وكتب الشاعر السوري الكبير نزار قباني في دلال :" إن دلال أقامت الجمهورية الفلسطينية ورفعت العلم الفلسطيني ، ليس المهم كم عمر هذه الجمهورية ، المهم أن العلم الفلسطيني ارتفع في عمق الأرض المحتلة ، على طريق طوله (95) كم في الخط الرئيس في فلسطين ".
لقد أعلنت دلال يا بني قيام الدولة الفلسطينية على الرغم من كثافة العدو وغطرسته ، تنتقل من الشمال إلى الجنوب ، مارة بالقدس والجليل وبئر السبع والعدو عاجز لا يدري كيف يتصرف ، نعم لقد سمع العالم صوت دلال الزهرة البرية التي تسبح باسم الخالق وهي تهتف باسم فلسطين ، صبرت دلال وهي تحمل بين حناياها قلباً محباً للسلام محباً لفلسطين أمام أناس يرون السلام اغتصاباً ، وحب الأوطان إرهاباً وتخريباً ، فاجتمعت الأيدي المجرمة والرصاصات الحاقدة تخترق في النهاية جسد دلال الطري وقلبها المؤمن ورأسها العبقري ، وظهرت صورة الإرهابي باراك وهو يقلب جثتها الطاهرة، ويشدها من شعرها بعد أن اشرف بنفسه على إطلاق الرصاص على جسد ها، ولم يخجل أمام عدسات المصورين وهي ميتة لا حراك فيها ، سقطت دلال يا بني لتزفَ إلى وطنك عروساً ، يضِرح دمها ثرى فلسطين ، ويخبر كل من تخلف أو خان أو جبن بأن الدماء رخيصة في سبيل الوطن ، وكشف للمرأة الفلسطينية طريق النضال ، وتلحق بالتالي بركب الشهداء ، وتستقر روحها في أعلى عليين عند إله عادل رؤوف رحيم بدلال ورفاق دلال.
وهكذا يا بني سميت أختك دلال.
غابت دلال في عمق التراب الفلسطيني المضمخ بالدم والعرق والهم ، وسجلت في سجلات جناة العصر رقماً ، وبقيت روحها هائمةً محلقة على أرض فلسطين ، تشهد عظمة الاستشهاد مرة وجبن المتخاذلين مرة أخرى ، تتناولها الألسن والأفئدة والأرواح بالتقدير ، كلما سقط شهيد ، أو فقد أسير ، والرقم الصعب الممثل في عظمة استشهادها يشهد على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
ولم يتصور أحد في هذه الأيام أن عروس فلسطين ستحيا من جديد،وأن الرقم سيتمثل مرة أخرى أسما وعنواناً وجسداً ، تحمله الأكف وتنثر الحرائر عليه الزهور ، نعم ترقرقت الدموع في عينيَ ،وامتلأ قلبي حناناً لشقيقتي التي سماها والدي باسم دلال ، لقد عرفت الآن قيمة الأسماء، وقيمة الحرية ، وقيمة أن يكون للإنسان قبر يترحم عليه من يمُر به ، فكيف إن كان هذا الإنسان كدلال المغربي أسطورة الشعب الفلسطيني التي بحث عنها طويلاً ، والبطل الجدير بالتقليد ،والقدوة لكل المقاومين الفلسطينيين والعرب.
أيها الفتية الذين آمنوا بربهم فكانوا شهداء وأسرى، لقد كنتم دائماً رفاق دلال في المقاومة ،وكنتم أخوتها في التحدي والنصر ، وهنيئاً لعروس فلسطين وهي تزف مرة أخرى بعد ثلاثين عاماً لوطن العرب لبنان الأشم ، ورجاله الشجعان ، وما دام في وطني أمثالك وأمثال هؤلاء الرجال فإنني أرى نجماً يلوح في السماء يبشر أن يوم النصر والتحرر الوطني لفلسطين قادم ."إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً ".
إقرأ أيضاً
-
مدخل إلى التربية - الجزء الأول
-
مدخل إلى التربية - الجزء الثاني
-
الجودة الشاملة في التعليم
-
الثقافة في عالم متغير
-
بين الرأسمالية والماركسية
-
في الحاجة تكمن الحرية
-
الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير
-
الثقافة والعولمة
-
الحريات العامة والشخصية بين الديمقراطية الليبرالية والنظرية العالمية الثالثة
-
الحرية طريق التقدم والإزهار
-
التخطيط الإستراتيجي بين التعليم واحتياجات السوق
-
الديمقراطية و نظرية الحكم
-
سلطة الشعب
-
مفاهيم في الإدارة المدرسية
-
السلطة بين الحاكم والمحكوم
-
الأساس الديمقراطي للتربية /التربية والديمقراطية
-
الدولة الفلسطينية والسلام المفقود
-
النفايات السامة وخطرها على البيئة
-
لماذا التخطيط التربوي
-
الديمقراطية ومفهوم السيادة










said:

said:

said:










من مصر