
أ . د رجب بودبوس
هل نريد مانستطيعه أم نستطيع مانريده ؟ أم الإرادة والاستطاعة أمران مختلفان ؟ وأين موقع الحرية بين الاستطاعة والإرادة ؟
أن نريد ذلك أمر يبدو لا حدود له ويمكن لكل إنسان أن يعّد قائمة ربما لا نهاية لها بما يريد ، يريد مثلا القيام برحلة حول العالم في يخت فاخر ، يريد طائرة حوّامة ينتقل بواسطتها متخلصا من زحمة المرور ، يريد دخلا يكفل له حياة مرفهة وبدون عمل . الإرادة هكذا تبدو وتفتح مجالاً لاحدود له ويمكن لكل إنسان أن يريد ما شاء ، عالم الإرادة هكذا لايعرف حدوداً ولا قيوداً أقرب إلى عالم الأحلام .
البعض يجعل الحرية مرادفة لهذه الإرادة ، مادام الإنسان بإمكانه أن يريد ، وبدون حدود ، لاشك انه يبدو حراً أن يريد ما شاء وليس هناك مايقمع هذه الحرية ولهذا يعتبر البعض الحرية على أنها حرية الإرادة ، أن تكون حراً يعني أن نريد وحرية الإرادة عند الفيلسوف كافط تؤسس عقد المتعاقدين .
العامل حر الارداة ، أن يتعاقد أو لا يتعاقد مع رب العمل ،والمشتري حر الإرادة والبائع حر الإرادة .. هكذا العالم إرادات حرة لا تعرف قمعاً.
لكن مع افتراض حرية إرادة العامل في التعاقد مع رب العمل ، فإن هذا يطرح المسألة من زاوية أخرى ، إذا لم يبيع العالم قوة عمله لرب العمل ، فإن مصيره عندئذ الجوع والمسألة عندئذ مقارنة بين بيع قوة عمله وبين الموت جوعاً ، فهل يستطيع عندئذ عدم بيع قوة عمله ؟
حرية الإرادة الظاهرية عند التعاقد ، تخفي عدم استطاعة ،العامل يتعاقد لأنّه لاستطيع غير ذلك .
هكذا عندما ننتقل من مجال الإرادة إلى مجال الاستطاعة وأعني بذلك مايمكن أن أحققه أو احصل عليه مما أريده ، فإن الاستطاعة تتبدى محدودة جدا ، إذ يتدخل الواقع المعاش والقدرات الفعلية. العامل يريد الحياة ، لكنه في نظام اجتماعي معين لا يستطيع الحياة إلا إذا باع قوة عمله ، حرية التعاقد هكذا تخفي ارغامات الواقع والاستطــاعة تبدو محدودة بالواقع وارغاماته .
الإنسان هكذا لا يستطيع تحقيق كل ما يريد ، وقد يكتفي من إرادة رحلة حول العالم في يخت فاخر ، بمجرد سياحة قصيرة الأجل في زحمة مجموعة سياحية وبديلا عن الطائرة الحوامة مجرد سيارة تضعه في زحمة المواصلات ، وإرادة الحياة المرفهة تتحــول إلى إرادة حياة يحققها العمل .
هذا الواقع الذي تصطدم به إرادتنا ويحد منها ، يبدو هكذا قامعا للحرية ويقود أحيانا إلى النظر على انه خاضع للواقع و إرغام تحدد مسار حياته ، وهكذا رياح الواقـــع تأتي بما لاتشتهي سفن الإرادة .
الفيلسوف أسبينوزا واضح : لو عرف الحجر وهو يتجه إلى مسقطه ، انه لا حرية له ، لما أدعى الحرية ، أما الرواقيون قبله فقد عرّفوا الحرية بأنها فهم الواقع وارغاماته والتكيّف معه ، الحرية هكذا هي طاعة قانون الطبيعة .
هكذا بين حرية مطلقة تتجسد في ارادة لا حدود لها وبين واقع يفرض ارغاماته ولا يترك للإنسان إلا طاعتها ، يبدو الإنسان إمّا حرا بإطلاق وبدون علاقة مع الاستطاعة ، وإمّا مقيدا بإطلاق محكوم بالواقع .
الموقف الأول له حجة ، وكذلك الموقف الثاني .
لكن في حجة الموقف الأول ثمّة مأخذ أساسي ، انه يعتبر الحرية صنعة لازمة لإرادة الإنسان خاصية في طبيعة الإنسان تبقي رغم كل ارغامات الواقع وغير ذات علاقة بالاستطاعة ، الإنسان هكذا حر بطبيعته سواء استطاع أم لم يستطيع ، هكذا العامل حر في بيع قوة عمله والسجين حر حتى وهو في زنزانته .
بالطبع إذا اعتبرنا الحرية تعبير عن إرادة لا علاقة لها بالاستطاعة والذي يعني لا علاقة لها بالواقع وارغاماته ، فإن العامل حر الإرادة والسجن يبقى بدون تأثير على حرية السجين ، الحرية هكذا في مأمن من الواقع وارغاماته .
مع ذلك حتى لو افترضنا هذه الحرية الباطنية المرتبطة بالإرادة المجردة وغير ذات علاقة بالاستطاعة ، أي بالواقع المعاش وارغاماته ، فإنّ هذه الحرية لاتمنع أن العامل يبيع قوة عمله لكي يعيش ولا تمنع السجين أن يكون مسجوناً .
حرية الإرادة هذه لا تتوافق دائما مع الاستطاعة، أن نريد ليس دائما أن نستطيع، وان نستطيع ليس دائما ما نريد.
هل معني هذا أن الاستطاعة، إذن الواقع المعاش هو الذي يحد من حريتنا، فنكون أحرارا فقط فيما نستطيعه ؟
وليس فيما نريده ؟ كل إنسان يمكن أن يجد في حياته براهين على انه لايستطيع كل مايريده وانه يجبر على ترك مايريده لأنه لايستطيعه .
عندئذ الواقع المعاش هو الذي يحدد استطاعتنا من عدمها وتكون النتيجة غياب الحرية، نحن نسلك ونعمل وفق استطاعتنا وليس وفق إرادتنا.
هذا يقود إلى الموقف الثاني ، لكن حجته أيضا بها مأخذ أساسي : الاستطاعة ، لأول وهلة تحدد لنا مايمكن ومالا يمكن مما نريده ، لكن مايمكن وما لايمكن لايحدده الواقع المعاش فقط .
في الواقع المعاش ثمة إمكانيات كثيرة ، وبالطبع ثمة عدم إمكانيات لكن الواقع المعاش لايفرض علينا إمكانية دون غيرها .
صحيح هذا يتجدد وفق مقياس الاستطاعة ، فأنا أختار مما يعرضه الواقع وفق استطاعتي ، لكن استطاعتي لا تحدد نفسها ولا تختار نيابة عني ، كما إنّ اختياري ليس وفق الاستطاعة وحدها ، وإنما وفق مشروعي ، أي وفق ماذا أريد ، وهذا هو الذي يحدد بعد ذلك استطاعتي أو عدم استطاعتي وفق هذا المشروع يتحدد ما هو ممكن إذن أستطيعه وما هو غير ممكن إذن لا أستطيعه ما أستطيعه وما لا أستطيعه يتبديان وفق مشروعي أو وفق ما أريد هكذا ليس الواقع هو الذي يحدد استطاعتي وحده ، وإنما مشروعي الذي بواسطته ادخل في علاقة مع الواقع .
الإرادة، هكذا ليست إرادة مطلقة تجري في المجرد وبدون حدود ولا قيود، وإنّما تجري في عالم معاش من الإمكانيات ومن وجود الآخرين، وبالتالي ترتبط بالاستطاعة كما يحددها مشروعي.
الاستطاعة أو عدم الاستطاعة لايفرضها الواقع المعاش وإنما ما أريده ، ليس الواقع هو الذي يحدد لي استطاعتي ، وإنما مشروعي هو الذي يحدد لي استطاعتي .
العالم محايد مايجعله إمكانيات أو عوائق هو مشروعي .
عندئذ المسألة تتعلق ليس فقط بالإرادة المجردة التي يقمعها الواقع، وليس فقط بالاستطاعة، أنها تتعلق باختياري، لأن مشروعي هو ما اختاره لكي أحققه، وما يجعلني في علاقة مع الواقع.
في هذا الاختيار ليس الإرادة وحدها وليست الاستطاعة وحدها ، هذا الاختيار هو حريتي ، والتي وفقها يتحدد ما أريد وما استطيع .
هكذا العلاقة بين الإرادة وبين الاستطاعة لاتكمن في الإرادة وحدها ، ولا في الاستطاعة وحدها ، كما ليس في الواقع المعاش ، وإنما في حرية الاختيار .
الحرية.. حريتي هي هذه العلاقة بين ما أريده وما أستطيعه .
هذا بالطبع يعطي الحرية مفهوماً غير مايفهم منها عادة .
الحرية ليست صفة لازمة وثابتة ، أو حالة سكونية ، أو خاصية في طبيعة الإنسان ، إنها ممارسة هذا الاختيار ، والذي بدونه ليس هناك حرية ، العبودية هي ألاّ نختار ، أي ألاّ نمارس الحرية ، عندئذ نكون عبيداً في صور مختلفة أحيانا مع ادعاء الحرية .
العالم، الواقع معطي محايد، يمكن إن يعرض لنا إمكانيات، كما يعرض لنا عدم إمكانيات، يتبدى على هذا النحو أو ذاك من خلال مشروعي، والذي يتأسس على حرية اختياري.
الحرية هكذا ليست خاصية في طبيعة الإنسان ، إنها ممارسة والممارسة فعل واختيار ، إذن نحن لسنا أحرارا بالطبيعة ، وإنما نتحرر في كل ممارسة ، في كل فعل ، وفي كل اختيار ، أو نستعبد ولأن الحرية ممارسة ، وإذن فعل واختيار ، واذن تحرر ، فإنها تتطلب وعي وجودنا في العالم ، بين الأشياء ومع الآخرين ، لهذا لا نولد أحرارا ، ولا نولد عبيدا ، وإنما نصير هذا أو ذاك في الحياة .
الحرية ممارسة ، إذن تحرر ، والممارسة اختيار وفعل ، وإذن مسؤولية ، إن مايخيف في الحرية إنها مسؤولية ، هكذا ممارسة الحرية ـ التحرر لاتجد حدا إلا في المسؤولية والتي هي الوجه الآخر للحرية.
إن فهم الحرية على إنها صفة لازمة وخاصية في طبيعة الإنسان يمكن أن يعطينا شعوراً بالطمأنينة ، إذ لايمكن نزع هذه الخاصية من طبيعة الإنسان ، هكذا رغم ما نتكبده نظل أحراراً ، لكنها طمأنينة زائفة ، تخفي أحيانا أسوأ أنواع العبودية ، ادعاء الحرية في طبيعة الإنسان لم يمنع عصور العبودية وأجيال العبيد .
نحن لا نولد أحراراً ولا نولد عبيدا، وإنما نولد ثم نصير أحراراً أو عبيداً ،هذا يجعل مصيرنا بين أيدينا ..
هذا ربما ينزع الطمأنينة من نفوسنا، فنحن لا ندري مقدماً ماذا نصير.. ويجعل مصيرنا حملاً على أكتافنا وبدون أعذار، ويجعل المستقبل أمامنا مفتوحاً على كل الاحتمالات، وهذا ما يقلقنا.
نحن لا نولد أحراراً ولا نولد عبيداً ، نحن نولد ثم نصير أحراراً أو عبيدا ، أن نكون هذا أو ذاك يتوقف على اختيارنا وعلى فعلنا ، بدون ضمان تكفله خاصية مزعومة في طبيعة الإنسان .
الحرية ليست معطى قبلي، ونحن لسنا أحرارا وإنما نتحرر في كل فعل في كل اختيار في كل لحظة إذا توقف صرنا عبيداً.
هكذا يبين الإرادة وبين الاستطاعة، يظهر فعل هو فعل التحرر..
الحرية ليست معطي قبلي ، يولد الإنسان مزوداً به ، وإنما هي فعل يصنع في علاقة الإرادة والاستطاعة ولا توجد إلا في الفعل .












