
أ.د المهدي امبيرش
سبق أن اشرنا في أكثر من معرض إلى العلاقة في العربية بين الصوت والمفهوم ، أي أن المفهوم يظهر من خلال الصوت ، واستخدامنا مصطلح المفهوم يشير إلى أن المفهوم هو غير المعنى ، والمغايرة هنا لا تحيلنا إلى الاختلاف ، بل إلى التغير ، ومن ثم فإن المعنى هو الكامل ، في حين أن المفهوم هو التام ، والعلاقة في العربية بين التام والكامل هي علاقة عضوية ووظيفية ، ونقصد بالعضوية ، ونحن نتحدث في المفاهيم ، أن الكلمة العربية هي حالة بناء عضوي ، والحال يفهم منها التحول الذي هو من طبيعة اللسان العربي في ظاهرته الاشتقاقية ، أي أن الحال غير الوضع ، ومن ثم فإن منهج التفكير الأعجمي هو منهج وضعي ، أي أنه منهج تركيبي ساكن ، يقبل هذا التركيب وضع التفكيك ، فالانجليزية على سبيل المثال كل أصواتها ساكنة ، ما عدا خمسة منها ، معتلة ، في حين أن القاعدة العامة لنحو الكلمة العربية هو الحركة ، ومن ثم ترتبط الحركة بالحال ، ويرتبط الحال بالانفتاح على الحياة ، وبذلك فإن العلاقة العضوية تعطي مفهوم الامتداد أي الخروج من حالة العلق إلى العلاقة ، فالكلمة العربية بذلك هي كالجنين الذي يولد ولادة طبيعية في الرحم ، حتى إذا بلغ حالة الولادة خرج سليمًا وطبيعيًا وشرعيًا ، ومن البلوغ كانت البلاغة في العربية ، وألف الامتداد في البلاغة تدل على مشاركة ، ففي الكلمة كي تبلغ لا يفترض أنها من طرف واحد ، بل كلا الطرفين المتكلم والمستمع هما في حالة استعداد وبلوغ لتقبل هذه البلاغة ، ومن ثم الولادة الشرعية للمشاركة في الفهم والتفاهم .
إن العلاقة العضوية تحيلنا إلى فهم العرب للجسد الواحد ، أي بهذا المكون من خلايا تنمو لتصير جسدًا ، ثم جسدًا حيًا متنفسًا ، ثم جسمًا إنسانيًا ذا روح ، وهنا ندرك العلاقة بين الجس والدال في كلمة جسد ، وبين الجس والميم في كلمة جسم ، بل العلاقة بين الجسم والدال في كلمة جد ، والجيم والميم في كلمة جم ، ففي الأولى لها علاقة بالجدة ، والجديد ، والجِد الذي ضد الهزل ، والجَد الذي هو أصل من أصول شجرة النسب التي تؤسس على امتداد النسب ، والجم هو الكثير ، وبين الجد والجم تأتي السين التي يفهم منها الامتداد ، والتنفيس ، إذ لا امتداد وتسويف بدون نفس ، فالجسد هو امتداد حي ، والدال تأتي بمعنى الدليل الذي هو عادةً متجسد ، وقوي ، نجد ذلك في كثير من الكلمات العربية مثل : صَدّ ، سَدّ ، مَدّ ، رَدّ ، هَدّ ، كَدّ ، وهكذا ، فكل هذه الكلمات تحيلنا إلى دلالات الصاد والسين والميم والراء والهاء والكاف وهكذا ، مع هذه الزيادة في المفهوم عند بنائها مع صوت الدال .
من هنا فإن الجيم مع السين ، تقترب من دلالة الحاء مع السين ، أي أن الجس يقترب من الحس ، وإن كان الجس فيه مفهوم التعضي أي مفهوم اللمس ، حيث اللام للضم واللم ، أي ضم ولم غير المجسوس بهذا المجسوس ، أي المحسوس بالمجسوس ، ومن ثم فإن كلمة الحواس هي غير الجواس ، فالجس ظاهري ، ثم ينتقل هذا الجس عبر الأعصاب ، أي يتحول أحاسيس ، ذلك أن المخ لا يستقبل الجس إلا إذا تحول إلى حس ، وبهذا ندرك طبيعة العلاقة بين الحزم ، والحسم ، والعزم ، والجزم ، لعلاقة حرف الزين بحرف السين من جهة ، فالحزم حسم ، ومن الحزم تأتي الحزمة ، وتأتي الرزمة كذلك ، فالحزم هو حسم مع قوة بعلة الضم ، والحسم هو القرار الذي يتم به الحزم ، حتى إذا تحول الحزم إلى إرادة فعل تحول إلى عزم ، والعين في العربية لها علاقة بالمعاينة ، حيث الحاء هو صوت مهموس ، يدل على الغيبة ، في حين أن العين وإن كان صوتًا عميقًا فإنه يدل على المعاينة ، ويتضح ذلك من مفهوم كلمة (الوحي) ، و(الوعي) ، فالوحي مهموس لأنه من الغائب ، في حين أن الوعي هو ما يتم إدراكه من الوحي ، والعلاقة بين الحزم والحسم والعزم والجزم هي كلها بمعنى ، فالجزم في العربية قطع التردد ، ومن ثم وظف القواعديون هذا المفهوم في علامة الجزم في الفعل المضارع ، حيث المضارعة هي مشابهة لحركة الزمن الآنية ، ولأن المضارع حالة حركة هي مظهر الفعل ، فإن الحرف المعتل لا ينهض قادرًا على تحمل الحركة ، ومن ثم لا يتحمل هذا الجزم والقطع بالرأي والأمر ، حيث يقتضي هذا الأمر قطع هذا العضو من الجسد حتى يستطيع الجسد ، جسد الكلمة أن ينهض بمهمة الأمر .
نعود هنا إلى هذا المثل الذي أورده الميداني (أول الحزم المشورة) ، وهنا نفهم من كلمة أول أننا بصدد الفعل الذي يجب أن يكون له آخر ، فالحزم هو العزم على القيام بالفعل ، والقيام بالفعل يقتضي تمام الجملة ، وهنا نشير إلى الظاهرة النحوية في اللسان العربي ، حيث العرب لا يبدؤون بساكن ويقفون عند متحرك ، وبهذا نفهم الحزم الذي يبتدئ بالحركة التي هي الأول ، حتى إذا نهض الإنسان بالفعل ، أي وصل الفعل إلى مداه الظرفي ، وضعنا السكون ، والسكون هي إشارة إلى علامة التوقف ، ولكنه توقف لا نفهم منه الفناء في الظرف والمحدود ، فهو توقف حكمي ، ضمن الجملة التامة ، التي قد تستمر من خلال جمل تامة أخرى حتى يكتمل الكلام ، وبهذا ندرك كذلك العلاقة بين كلمة :(سكن) ، و(سكت) ، لهذا المفهوم الذي تعطيه النون التي هي انفتاح بعد انغلاق الميم ، والمفهوم الذي تعطيه التاء المفتوحة ، وكلاهما ندركه في :(أنا) ، و (أنت) ، فالنون في (أنا) ، هي هذه الميم أو هذه الدائرة المقفلة وإذا شئت قلت السكون والانغلاق ثم الانفتاح أي النون ، فكأن (أنا) ، انفتاح وجودي ، أو إعلان عن وجود هذا المتكلم الذي كان ضميرًا غائبًا يريد أن يعرف بنفسه ، وأن يمتد ليقيم علاقة مع الأنا المقابل ، ومن التقاء (أنا) ، المتكلم ، و(أنا) المستمع تأتي (أنت) ، حيث أنت لا تلغي الأنا ، ولكنها تولّد هذه (التاء) ، المفتوحة ، للتصويب ، وهناك انفتاح أو ظرف يتم فيه الفعل وحركة أداة التصويب ، وفوق هذا وذاك هناك وضوح في كل عملية التصويب ، وهناك قصد وحزم وعزم يعطي قوة للتصويب ، وتكون النتيجة إما إصابة وإما خطأ ، وهو ما أطلق عليه الفقه مصطلح الاجتهاد ، الذي يربطه بالإصابة كذلك ، حيث ينسب إلى الرسول ( قوله :"من اجتهد وأصاب فله أجران ، ومن أصاب وأخطأ فله أجر" ، كما يروى عنه ( قوله :"سددوا وقاربوا .." ، والصواب والخطأ كما اشرنا موضوعهما المنطق والمحدود ، وليس الحقيقة ، فالحقيقة هي أبعد من الصواب والخطأ ، إذ لا يمكن أن نقبل حتى بحكم المنطق أن التسديد على هدف هو تسديد على مطلق الأهداف ، بل هو تسديد على محدود الهدف ، ومن ثم يأخذ هذا البعد المنطقي المحدود ، وليس بعد الحقيقة غير المحدود ، باعتبار الحقيقة ليست المتحقق ، ولا الذي يتحقق ، بل ممكن التحقق ، أي أنها إمكانية تحقق ، هذه الإمكانية تخرج المكان من وضعية الكمون والمكون إلى حال الحركة ، ومن ثم يستخدم العرب مصطلح المحل ، المرتبط بمفهوم الحال المفتوح والمتحرك ، والمحال في العربية ليس غير الممكن ، ولكن الممكن ضمن هذا التحول السريع ، فالمستحيل هو كذلك من تحوله الذي هو غير السكون والمكون ، ويمكن أن ندرك ذلك الوساطة في البعد المفهوم لكلمة السكن في العربية التي هي غير السكون ، فالسكن استقرار وثبات لا يلغي الحركة ، بل هو الحركة في عمقها وتجذرها ، والعمق والتجذر يحيلنا إلى العلاقة بين الكلمة والشجرة ، وهو التمثيل الذي استخدمه القرآن لإقامة ربط بين الشجرة الطيبة والكلمة الطيبة ، وبتأكيد القرآن ، فإن العلاقة بيّنة بين اللسان العربي والحكم العربي .
نخلص بهذا إلى أن المشورة ضمن هذه الدلالات التي أوردناها ترتبط بالحزم والعزم والجزم ، وما إليها ، إضافة إلى أن المشورة لها علاقة بالحكم ، أي بإصدار الأحكام المنطقية ، والحكم المنطقي يرتبط بداهة بالوضع حيث إنه يحيلنا إلى الفعل ، والفعل وإن كان مظهر الحزم والعزم فإنه كذلك متظرف بحكم أنه فعل ، أي لا يحدث فعل خارج المكان ، فالمشورة إذاً ترتبط بقصد ونية الفعل ، والأصل في مفهومها قول العرب : اشتار فلان العسل ، أي استخرجه من الوقبة ، والميداني يستخدم : جناها واستخرجها من خلاياها ، ويمكن أن نفهم من استخدام الميداني ما يربط عملية الشورى بعملية الخلق والولادة ، فالخلايا تحيلنا إلى خلية الولادة ، والجني إلى الجنين ، أي الذي هو في الرحم ، والاستخراج بمثابة الولادة ، فكأن الأفكار نستخرجها من ذهن صاحبها وقد تخلقت جنينًا في رحم الذهن ، والاستخراج تدخل لإحداث عملية الاستيلاد ، وبالطبع فإن الاستشارة هي بمثابة التحريض الذي يقوم به المختص في التوليد لمساعدة الأم على الولادة الطبيعية ، وربط الشورى بالعسل يحيلنا كذلك إلى قيمة العسل الذي أكد الوحي القرآني على أن فيه شفاء للناس ، فالإنسان لا يستشير أيًا من كان ، بل يستشير حكيمًا ، والحكيم هو ذو الرأي المحكم ، ومن الإحكام يكون الحكم ، ومن ثم نصف الحكم بالسداد ، أي التسديد ، فالإنسان إذا حزبه أمر ، أي إذا نازعه ، والحزب بالفتح يرتبط بالحزب بالكسر الذي هو تشتت ، اتجه هذا الإنسان إلى الحكيم أو إلى الحكمة التي هي أساس الحكم ، فخرج من حالة الحزب إلى الحزم والعزم ، فلا غرو إذا أن يؤكد الوحي القرآني على قيمة الشورى ، باعتبارها أسلوبًا غاية في الانفتاح على الحكمة من أجل الوصول إلى الأحكام ، في الأمر ، ومن ثم جاءت سورة كاملة في القرآن الكريم تحمل اسم الشورى ، كما جاء القرآن يوضح أن الشورى صفة من صفات الإيمان ، والإيمان يرتبط بالغيب ، ولكنه ليس غيبًا بمعنى العدم والفناء ، بل هو غيب يربط بين الوحي والوعي ، أي أن الإيمان مرتبط بالعمل ، والعمل في العربية هو فعل وإن كان الظرف الفعلي لا يستغرقه ، فقد يمتد إلى ما هو أبعد من الظرف ، أي إلى امتداد تأثيره ، الذي لا ينقطع عن أثره ، إلى ما هو أبعد ، أي إلى الغيب ، وقد اشرنا في دراسة سابقة إلى تلكم المقاربة الرائعة لذالكم الإعرابي الذي سؤل عن مبررات إيمانه ، فقال :"إذا كان الأثر يدل على المسير ، والبعرة تدل على البعير ، أفلا يدل كل هذا على العلي القدير" ، فالأثر ليس المسير بل دليله ، والبعرة ليست البعير ، بدل دليله ، وبذلك يكشف هذا المنهج عن تلك الأزمة الحلولية التي تجل الناسوت يحل في اللاهوت ، أو اللاهوت يحل في الناسوت ، أي بمثابة قولهم إن البعرة قد صارت بعيرًا ، أو أن البعير قد مسخ بعرة ! .
جاء الوحي القرآني الذي هو لسان عربي وحكم عربي يحدد الشورى ضمن الإيمان ، وبعد إقامة الصلاة ، والإقامة فيها مفهوم القيام الذي هو غير الأعوجاج ، والإنسان المخلوق الوحيد الذي كرمه الله بأن جعله يقوم ، أي هو المخلوق الوحيد الذي له قيمة ، حتى إذا مُسخ شيئًا ، مُسخت القيمة ثمنًا وسعرًا ، وبالتأكيد فإن الإنسان هو الذي يعرف الوصل والعلاقة ، والصلاة هي حالة وصف واتصال ، أي هي حالة انفتاح على مشروع الوصل والاتصال ، ومن ثم ارتبطت الصلاة بالاتصال بالله ، أي الاتصال بالغيبي ، الذي هو الله ، أي إقامة علاقة صلة ووصل بهذا الغيبي ، تجعل الصلة والوصل منفتحين على الحال الذي يخرجه من الوضع ، وبهذا تأتي الحركات في الصلاة ربطًا بين الإيمان والعمل ، كما يقتضي الاتصال مواجهة الانقطاع والفصل ، ولهذا يؤكد الفقه على ضرورة سد الفُرج ، فالعلاقة مع الله تقتضي سد الفُرج ، وإصلاح ذات البين ، والعلاقة مع الناس هي كذلك ، بل العلاقة مع كل شيء ، ولهذا جاء القرآن بالشورى بعد إقامة الصلاة ، وأنها في الأمر ، أي في الشأن ، والأمر يرتبط بمشيئة الفعل ، ولهذا استخدم القواعديون الأمر في الجملة العربية يرتبط بطلب الفعل على وجه الاستقبال ، ومن حيث البلاغة فإن الأمر ضمن الجملة الإنشائية ، وكما اشرنا فإن الإنشاء مرتبط بالمشيئة والشأن ، والشيء ، والمشي ، وكلها حركة فيها مفهوم الاستقبال ، وقوله تعالى :"وأمرهم شورى بينهم" ، أن هذا الأمر هو الذي يسد هذا البين ، أو البون بين المؤمنين ، بما يحقق وحدة الأمة ، أي أن البين يسد بإصلاح ذات البين ، والإصلاح عملية تدخل قد تجعل غير الصالح صالحًا ، ولهذا فإن الشورى في الأمر لا تتم إلا بإصلاح ذات البين ، أي أن كل طرف يجب أن يقيم عملية إصلاح في نفسه كي يقيم علاقة مع غيره ، ليس هذا فحسب بل إصلاح كل عمليات العلاقة ، بما في ذلك زمن ومكان العلاقة ، وبهذا تُسد الفُرج وتُصلح ذات البين ، فيكون الأمر وتكون الشورى ، فتأتي الآراء الحكيمة شفاء للناس يخرجها من وضع التحزب الذي نبه إليه عمر بن الخطاب ،رضي الله عنه ، أي يكون هذا العسل الذي فيه شفاء للناس ، ويرتبط الأمر بالحزم والعزم والتوكل الذي يقوي الفعل ، والقوة في العربية ضم ، والضم هو حالة رفع ، والفاعل في العربية هو في حالة الرفع .
التي هي غير التاء المربوطة ، أو المقيدة والتي نرسمها في العربية دائرة مقفلة فوقها نقطتان ، أشبه برحم مقفل ، تقف النطفتان ، نطفة الذكورة ونطفة الأنوثة خارج الرحم ، والنطفة هي النقطة كذلك .
من هنا ندرك مفهوم هذا المثل من خلال (أول الحزم) ، بكل هذه المفاهيم المشحونة في الأصوات وفي بناء هذه الأصوات والتي تكشف لنا بعضًا من مظاهر منهج التفكير العربي والنحو العربي ، ونقصد بالنحو غير القواعد ، فالنحو هو المنهج ، في حين أن القواعد هي منطق يقارب المنهج المؤسس على البيان والوضوح ، وهذه المقاربة قد نحكم عليها بالصواب والخطأ ، لأن موضوعها المنطق والأحكام ، أي قد تصيب وقد تخطئ ، والصواب يحيلنا في العربية إلى مفهوم إصابة الهدف ، بكل ما تنفتح عليه الإصابة من مفاهيم ، فهناك شخص يُصوّب ، وهناك مُصوّبٌ عليه ، وهناك أداة للتصويب ، وهناك وسيلة وأسلوب














من مصر