نظريات ومواقف
مدونة فكرية ، ثقافية ، اجتماعية ، لمراسلتنا ،استخدم نموذج المراسلات الموجود أسفل الصفحة. أو البريد الإلكتروني god_witness67@yahoo.com
الأغلبية والأقلية
 

 أ. د رجب بودبوس

في نهاية الانتخابات وعندما تعلن نتائجها في بلد ما تتناقل وسائل الاعلام اخبارها ونسمع عندئد ان المرشح س قد فاز بالاغلبية ، كما اننا في متابعتنا للاخبار في بلدان العالم نسمع ايضا عن اغلبية حاكمة وحكومة الاغلبية دون الاشارة غالبا الى ماذا أو بالنسبة لمن هذه الاغلبية او تلك تكون اغلبية .

 هذا الصمت الاعلامي حول من تكون الاغلبية بالنسبة له اغلبية هذا الغموض ربما المقصود يجعل عامة الناس أو من ليس لديهم معلومات دقيقة حول الانتخابات يفهمون من الاغلبية انها اغلبية الشعب وهذا يعطي مصداقية لنتائج الانتخابات .

الاغلبية نوعان :

 1ـ هي اولا اغلبية بالنسبة للذين لهم حق الاقتراح اذا افترضنا ان الذين لهم حق الاقتراع  100 فإن الاغلبية تكون 51  من المئة .

 وأما تكون اغلبية بالنسبة للذين ادلوا بأصواتهم  فعلا ، مثلا من المئة ادلى ستون بأصواتهم الاغلبية عندئد 31 .

 هكذا الاغلبية ليست بالنسبة لعدد السكان وانما اغلبية اما بالنسبة لمن لهم حق الاقتراع أو اغلبية بالنسبة لمن ادلوا بأصواتهم فعلا .

2 ـ اغلبية برلمانية تتحدد بوصول حزب أو ائتلاف احزاب على اغلبية مقاعد البرلمان  ولهذه الاغلبية علاقة بالنوع الاول وتسمى هكذا اغلبية حاكمة لأن حصولها على اغلبية مقاعد البرلمان يعطيها الحق في تأليف الوزارة وفي الحكم .

في كل الاحوال ليست الاغلبية اغلبية بالنسبة للشعب

لكي نعرف ما اذا كانت الاغلبية هذه اغلبية بالنسبة لمن لهم حق الاقتراع أو انها فقط  اغلبية بالنسبة للذين مارسوا هذا الحق فعلا وبالتالي معرفة ما اذا كانت الاغلبية البرلمانية تمثل اغلبية  من لهم حق الاقتراع أو انها  اغلبية من مارسوا هذا الحق فعلا فانه لامفر من الرجوع  الى نتائج الانتخابات ونسبة المشاركة فيها ومعرفة نسب الاصوات المتحصل عليها كل مرشح وايضا معرفة نسبة الذين ادلوا بأصواتهم فعلا والذين امتنعوا عن الادلاء بأصواتهم .

 معرفة هذه المعلومات ضرورية لأنها يمكن ان تكشف لنا ان الاغلبية المشاراليها في الحالتين ليست في حقيقة الأمر اغلبية بل اقلية.

تحليل مختصر لنتائج انتخابات رئاسية جرت حديثا في البلد س ، يعطينا مثالا عن ذلك .

 في هذه الانتخابات نسبة الذين ادولوا بأصواتهم فعلا هي 65 ٪  من اجمالي الذين لهم حق الاقتراع ، أي ان 35 ٪ من اصوات الذين ادولا بأصواتهم بينما حصل  خصمه على حوالي 48 ٪ .

 

 اذا من اجل التبسيط افترضنا ان عدد الذين  لهم حق الاقتراع 100 نسمة ادلى منهم بأصواتهم 65 نسمة عندئد  يكون الفائز قد تحصل على اصوات 34 نسمة بينما تحصل  خصمه على اصوات 31 نسمة.

اذا  جمعنا اصوات الذين صوتوا للخصم مع اصوات الذين امتنعوا فاننا نجد المجموع هو 66 نسمة عندئذ يكون الفائز قد تحصل على اصوات 34 ٪ مما يجعل منه ممثل اقلية وليس أغلبية .

 لقد تحصل الفائز على نسبة 52 ٪  من اصوات  الذين ادلوا بأصواتهم أي اغلبية  بالنسبة لهؤلاء وليس اغلبية بالنسبة لكل الذين لهم حق الاقتراح بالنسبة لهؤلاء تحصل على 34 ٪ .

بالطبع  لو أخذنا في الاعتبار مجموع السكان في هذا البلد فان النسبة التي تحصل عليها الفائز تتقلص كثيرا جدا .

 ان مشاركة 65 ٪ ممن لهم حق الاقتراع في الانتخابات تعد نسبة مرتفعة جدا أما  بالنسبة لبلدان أخرى لكن يمكن تفسير ذلك بظروف وعوامل ليس هنا مجال تفصيلها ، منها حداثة تجربة الانتخابات فيه مما يعني ان الناخبين لم يتعرضوا بعد لاحباطات بينما نسبة المشاركة في الديمقراطيات التقليدية القديمة تكون عادة منخفضة مما يجعل نسبة الفوز بالنسبة للذين لهم حق الاقتراع متدنية جدا وتنكشف الاغلبية عندئد اقلية وربما هذا هو سبب عدم التركيز الاعلامي على نسبة المشاركة في الانتخابات ونسبة الامتناع وابراز فقط نسبة الاصوات التي تجعل  الفائز يمثل اغلبية بالنسبة للذين شاركرا في الاقتراع .

قد يقال ان المثل الذي سقناه  من بلد متخلف حديث العهد بتجربة الانتخابات ، لذلك نسوق مثلا أخر من بلد ليس متخلفاً وليس حديث العهد بتجربة الانتخابات انها انتخابات  الرئاسة الفرنسية الدور الثاني 6/5/.07

 

سكان فرنسا حوالي 62 مليون نسمة ، عدد المسجلين في قوائم الانتخابات 44 مليون نسمة ، نسبة المشاركة بلغت 83  ٪  أي حوالي 36.520.000 بينما نسبة الامتناع كنت 17 ٪ أي حوالي 7460000 ،  حصل المرشح الفائز على 53 ٪ اي حوالي  18355600 صوتا بينما  حصل المرشح الخاسر على نسبة  47 ٪  اي 17164400 صوتاً .

 اذا جمعنا الممتنعين مع الذين صوتوا للمرشح الخاسر نجد المجموع 24.644.400 نسمة عندئد يكون المرشح الفائز قد تحصل على  اصوات  18.355.600 نسمة مقابل 24.6444.400 نسمة لم يمنحوه اصواتهم عندئد نسبة المرشح الفائز س 44 مليون الذين لهم حق الاقتراع تكون 42 ٪  وليس 53 ٪ .

 هذا يعني ان حوالي 18 مليون يحكمون مجموع 44 مليون المسجلين في قوائم الانتخابات وليس هناك معلومات عن نسبة وعدد الذين لم يسجلوا في قوائم الانتخابات .

 واذا اخذنا في الاعتبار مجموع سكان فرنسا 62  مليون نجد ان 18 مليون يحكمون 62 مليون وتكون نسبة المرشح الفائز بالنسبة لمجموع السكان هي حوالي 29 ٪ .

 اذن الاغلبية هكذا ليست إلا اغلبية بالنسبة للذين ادلوا بأصواتهم ، أما اذا اخذنا في الاعتبار الممتنعين ، فانها تصير اقلية واذا اخذنا في الاعتبار مجموع السكان فانها تكون ايضا اقلية .

 هكذا الاغلبية نتاج الانتخابات ليست إلا اقلية بالنسبة لمجموع الذين لهم حق الاقتراع عندئد الاقلية تحكم الاغلبية وليس العكس .

 في الانتخابات البرلمانية الأمر لايختلف كثيرا ، الاغلبية البرلمانية  من ناحية هي اغلبية المقاعد التي يتحصل عليها حزب أو ائتلاف احزاب في البرلمان فهي اولا اغلبية بالنسبة لمقاعد البرلمان ومن ناحية اخرى هذه الاغلبية البرلمانية  ، اذا انظرنا اليها وفق التحليل السابق نجدها بدون شك تمثل اغلبية الذين ادولوا بأصواتهم ، لكنها ليسن اغلبية بالنسبة لمجموعة الذين لهم حق الاقتراع .

 هكذا ديمقراطية الانتخابات تتمخض غالبا عن حكم اقلية وليس اغلبية ومع ذلك تسمى حكم اغلبية لكنها ليست إلا حكم اغلبية الذين ادلوا بأصواتهم وليست اغلبية الذين لهم حق الاقتراع ، كما ليست اغلبية الشعب.

 لهذا السبب يجري التعتيم الاعلامي على نسبة المشاركة في الانتخابات حتى لاتفقد الاغلبية الناتجة عنها مصداقيتها عندما تتضح نسبة المشاركة متدنية وينكشف حكم مايسمى اغلبية على انه حكم اقلية .

 هذا في الديمقراطية البرلمانية لكن البعض يمكن ان يسأل في الديمقراطية المباشرة ألا توجد اغلبية واقلية ؟

الجواب نعم توجد ولا توجد

 هذا الجواب يبدو متناقضا كيف توجد ولا توجد ؟ مما يتطلب التوضيح بأن نحدد معاني مصطلح الاغلبية والاقلية .

 ان مايعنيه مصطلح الاغلبية والاقلية في الديمقراطية الليبرالية هو نظام حكم نتائج الانتخابات والتي تفرز مايدعي اغلبية واقلية بالنسبة لعدد مقاعد البرلمان فهي هكذا ترتبط عضويا بتكوين البرلمان وحيث يصير الحكم واصدار القرارات والسياسات وغيرها من اعمال الحكومة من اختصاص الاغلبية البرلمانية وحكومتها بينما الاقلية تجلس متفرجة .

 هكذا تستمر الاغلبية اغلبية تحكم والاقلية اقلية ،طوال الفترة البرلمانية .

 هذا النظام المؤسس على حكم الاغلبية مستمر اذن طيلة الفترة مابين انتخابات برلمانية واخرى .

 

 اذن الاغلبية والاقلية بهذا المعنى هما مؤسستان دائمتان طوال المدة البرلمانية .

 في هذا المعنى لاتوجد اغلبية ولا اقلية في الديمقراطية المباشرة لانها بالضبط ديمقراطية مباشرة .

 أما اذا اخذنا بمفهوم الاغلبية والاقلية كاسلوب اتخاذ قرار أو اقرار سياسة ، فانه من المؤكد ان ليس كل المعنيين بالديمقراطية المباشرة ممارسة ، سوف يجمعون دائما سلبا أو ايجابا على امر ما ، كما ان الاجماع غالبا مشكوك منه  اضافة الى انه لايمكن في اغلب الاحوال انتظار حدوث اجماع لهذا في اتخاذ أي قرار ، أو قرار أي سياسة لابد من  وجود اغلبية واقلية وإلا  كان الشلل

 لكن مع ان الاغلبية والاقلية ضرورة لامفر منها إلا انهما

في هذا المفهوم يختلفان جذريا عنهما في الديمقراطية الليبرالية .

ـ في الديمقراية الليبرالية الاغلبية والاقلية نظام حكم يدوم بدوام الفترة البرلمانية وليس مجرد اسلوب اتخاذ قرار او اقرار سياسة .

 ـ بينما في الديمقراطية المباشرة الاغلبية والاقلية مجرد اسلوب اتخاذ القرار أو اقرار سياسة .

 ـ في الديمقراطية الليبرالية الاغلبية والاقلية تتكون حال اعلان نتائج الانتخابات  فهي هكذا سابقة على كل قرار وكل سياسة .

 ـ بينما الاغلبية والاقلية في الديمقراطية المباشرة لايتحددان إلا بعد المناقشة وحول كل موضوع على حدة.

 هكذا في  الديمقراطية المباشرة القرار أو السياسة لايتحدد كقرار أو سياسة إلا بعد المناقشة ، اذ لايوجد قرار مسبق  عندئد الاغلبية والاقلية في الديمقراطية المباشرة تكون تالية على النقاش وليست سابقة كما في الديمقراطية الليبرالية .

 

 ـ اضف الى هذا ان الاغلبية والاقلية في الديمقراطية الليبرالية هما اغلبية واقلية في كل القرارات والسياسات ولهذا يسمى حكم الاغلبية.

ـ  أما في الديمقراطية المباشرة ، فإن الاغلبية والاقلية تكون حسب كل قراره كل سياسة .

 ـ هكذا في الديمقراطية الليبرالية الاغلبية دائمة وكذلك الاقلية.

 ـ في الديمقراطية المباشرة ليس هناك اغلبية واقلية دائمة .

 وحيث انه في الديمقراطية المباشرة لاتوجد اغلبية واقلية مسبقا  فان كل واحد يمكنه ان يكون ثارة في الاغلبية وثارة اخرى في الاقلية حسب موضوعات النقاش مما يستحيل معه فرز اغلبية واقلية بالنسبة لكل الموضوعات .

 هكذا كل عضو في الديمقراطية المباشرة هو اغلبية وهو اقلية وكونه في الاغلبية حينا يعوض عن كونه في الاقلية حينا آخر وهكذا .

 باختصار في الديمقراطية المباشرة ليس هناك اغلبية في كل القرارات ، كما ليس هناك اقلية مما  يعني ان كل عضو يمكنه ان يغير موقعه حسب الموضوع وحسب النقاش.

 الاغلبية والاقلية هكذا يظهران بالنسبة لكل موضوع مطروح للنقاش وليس في كل الموضوعات .

 يذهب البعض الى وجوب اخذ الاقلية في موضوع ما في الاعتبار ، هذا المذهب خاطيء وخطر جدا على  اداء الديمقراطية المباشرة .

 اولا : لانه ينظر الى الاقلية على انها وجود في ذاتها ، كما في الديمقراطية الليبرالية وهذا غير صحيح في الديمقراطية المباشرة اذ من المستحيل التعرف على من هو اغلبية ومن هو اقلية بين ممارس الديمقراطية المباشرة ، بسبب التبادل المستمر للادوار ولانه  لاتوجد اغلبية او اقلية إلا بالنسبة لموضوع ما وتاليا على النقاش وليس مسبقا وبهذا فان مكونات الاغلبية  والاقلية تتغير من موضوع الى آخر هكذا كل عضو هو احيانا في الاغلبية واحيانا في الاقلية .

مثلا في القرار س  يمكن  ان يكون ص  في الاغلبية وفي القرار ع يمكن ان يكون  في الاقلية عندئد اين الاقلية التي يجب ان تؤخذ في الاعتبار ؟

 ثانيا : ان الموضوعات في الغالب تتطلب الحسم ، والحسم يعني انه بعد النقاش يؤخذ بما يحصل على الاغلبية وفي موضوعات استراتيجية لايمكن ابدا اخذ الاقلية في الاعتبار ،  ان مبدأ الاجتماع يتأسس على القبول بقرار الاغلبية .

 الديمقراطية المباشرة لاتشد عن هذا لكنها تعني ان هذا القرار ليس مفروضا وانما طوعيا وتبادليا هكذا من يتنازل ويقبل قرار الاغلبية في الموضوع س ، يجد تعويض تنازله في القرار ع .

 ثم اذا كانت هناك امكانية  حل وسط ، فإن هذا مايجب ان يتمخض عنه النقاش ، عندئد يكون قرارا وليس حلا وسطاً.

 اضف الى هذا ان اخذ الاقلية في موضوع ما في الاعتبار يعطيها حق فيتو على الاغلبية ويجعلها معادلا للاغلبية وهو امر غير منطقي وغير ديمقراطي .

 لكن السبب الحقيقي في عدم اخذ الاقلية في الاعتبار انه لاتوجد اقلية اذ ان كل عضو هو اقلية وهو اغلبية معا .

 هكذا الاغلبية والاقلية في الديمقراطية المباشرة هما اسلوب اتخاذ قرار ، وليس نظام  حكم وكل عضو يمكنه ان يكون في الاغلبية حينا ، وفي الاقلية حينا آخر وفق المسائل المطروحة .

 

 اذن  كل عضو هو اغلبية في عدد من القرارات وهو اقلية في عدد اخر ولا توجد هكذا اقلية او اغلبية دائمة هكذا بالنسبة لمجموع القرارات ليس  هناك اغلبية وليس هناك اقلية .

 اذن اين نجد الاقلية لكي نأخذها في الاعتبار ؟

 الاغلبية والاقلية هكذا في الديمقراطية المباشرة ليستا ثابتتين  دائمتين ، بل متغيرتين مما يجعل من المستحيل التعرف على اغلبية على حدة واقلية في ناحية أخرى مما يدحض فكرة اخذ الاقلية في الاعتبار اذ لاتوجد اقلية متميزة عن الاقلية .

 باختصار الفرق بين الاغلبية والاقلية في الديمقراطية الليبرالية والاغلبية  والاقلية في الديمقراطية المباشرة هو فرق بين نظامين بين نظام تفويض السلطان ونظام ممارسته من قبل الشعب استعمال المصطلحين اذن ليس له نفس المعنى في النظامين في الديمقراطية الليبرالية يشير الى نظام حكم بينما في الديمقراطية المباشرة هو اسلوب اتخاذ القرار .

هامش :

  الاغلبية والاقلية في مفهومها السياسي وليس من منظور عرقي طائفي او ديني اذن من ناحية في الديمقراطية الليبرالية منظورا اليها في علاقتهما  بالسلطان الحكم اما في الديمقراطية المباشرة فياعتبارهما اسلوب اتخاذ القرار .



أضف تعليقا

اضيف في 28 يونيو, 2008 09:59 م , من قبل mesterhewar
من فلسطين said:

على قد ما هو الموضوع جيد وجاد الا الاغراق بالتفاصيل قد جعلني اتساءل عما يريد الكاتب
؟؟؟
حلم الانسان بالمدينة الفاضلة

واظن ديمقراطية اثينا لا يمكن تطبيقها الان

تحياتي اخي زيد...مستر حوار



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية